12.png

د. عبد الوهاب أسعد: قصة السيدة آثلة الخطيب وإلى أين نحن سائرون!؟

قبل الحديث في هذا الموضوع الشائك المحزن، أود هنا تكرار رواية معبرة من جبال الألب السويسريةأ عبد الوهاب أسعد.
في رحلة العودة من تسلق الجبال وفي منتصف الطريق علقت اليد اليسرى لأحد المتسلقين في شق ما بين الصخور شديدة الإنحدار وكان النهار يقارب نهايته. ولساعات طوال حاول المتسلق تحرير يده اليسرى ولكن من دون نتيجة، كما أنه لم يتمكن من طلب النجدة. أمضى ليلته عالقا على سفح الجبل الصخري وهو يفكر في طريقة لإنقاذ حياته. وفي الصباح الباكر إتخذ قراره الحاسم، تناول سكينا حادة من جيبه وقطع يده اليسرى العالقة ما بين الصخور وهبط إلى الوادي وهكذا تمكن من إنقاذ حياته. في الظروف الصعبة القاسية لا بد للمرء من إتخاذ قرارات قاسية ولو على حساب أحد أعضائه من أجل المحافظة على الحياة!؟ والتضحية بعضو أفضل بكثير من خسران الحياة.
قصة السيدة آثلة الخطيب - كما وصلتنا من الإعلام الإلكتروني - تتلخص بكونها مفتشة في هيئة الرقابة والتفتيش. حرصت على متابعة ملفات الفساد وكشف الفاسدين من أجل تقديمهم للعدالة. فجرى نقلها تعسفيا إلى خارج الهيئة. تقدمت بشكوى إلى مجلس الدولة (وهو محكمة عليا تنظر بالشؤون الإدارية للدولة). قضت المحكمة بإنصاف المفتشة آثلة الخطيب وإعادتها إلى مكان عملها في الرقابة والتفتيش. ولكن وكما قيل عن لسان السيدة آثلة الخطيب فقد مورست ضغوط على محكمة / مجلس الدولة من أجل التراجع عن حكمها السابق، حتى أن القاضي الأول في هذه المحكمة رفض حضور جلسة النطق بهذا القرار الجديد. وإذا صحت جميع هذه الروايات - كما ذكرتها - فهذا يعني العفس على القضاء والذي هو أهم أركان الدولة والمجتمع. وهذا نذير خطير!
قضايا الفساد وهيئة الرقابة والتفتيش وقصصها روايات يتحدث بها كثيرون، لست مطلعا عليها ولا أستطيع الجزم أو الحكم فيها، وليس هذا موضوعي الآن. والموضوع الذي أناقشه هو الحكم الذي أصدره مجلس الدولة وكيف جرى التراجع عنه، وكما يقال فسخه!؟
مجلس الدولة في سوريا هيئة قضائية عليا تنظر في قضايا موظفي الدولة والقوانين، يماثلها المحكمة الدستورية العليا. وبحسب الدستور والقوانين فإن أحكام هذه الهيئات القضائية أحكام مبرمة لا تراجع فيها,  وفي العادة وفي كل دول العالم فإن الأحكام الصادرة عن المحاكم (الإدارية أو الدستورية العليا) تجبر البرلمان وبقية إدارات الدولة على الإنصياع لهذه الأحكام وتعديل القوانين المعمول بها بموجب هذه الأحكام الجديدة.
فكيف أن ضغوطا مورست على محكمة مجلس الدولة وأجبرتها على التراجع عن حكم مبرم سابق. هذا ما لا يمكن تصوره أبدا!
إستقلالية القضاء وكفاءته ونزاهته هي العمود الأساسي للمجتمع والدولة، وإذا تخلخل هذا العمود الأساسي فالنتائج كارثية. وعلى السلطة السياسية المسؤولة مهمة المحافظة على إستقلالية القضاء وعدالته، ولو كلف الأمر بتر بعض الأعضاء الفاسدة، فالمهم الحفاظ على فاعلية الدولة ومؤسساتها.

November 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
9051225

Please publish modules in offcanvas position.