وليم ياسين عبد الله: لا تخبروا أمي أنني استشهدت

رحى الحرب دائرةٌ في ادلبأ جندي جريح يحضنه رفيقه...

منذ ثماني سنوات لم تشهد سورية معركةً كمعركة ادلب...

يتقدّم الجنود بهدوء، يقاتلون، يُصابون، يستشهدون دون أن ينطقوا بأيّة كلمة، حتى الفيسبوك لم يضجّ كعادته بالحديث عن معاركهم..

هذه المعركة هي معركة الذاكرة، أغلب المقاتلين هم من ذوي الشهداء أو المخطوفين أو المتطوعين للقتال، يا إلهي بعد ثماني سنوات هل بقي أحد ليس من ذوي الشهداء أو المخطوفين؟

على الطريق الترابي، سيارة عسكرية تتقدم بصعوبة بسبب الحمولة الكثيرة، لا يكاد المرء يميّز بين الطعام الذي تحمله أو الذخيرة أو حتى الجنود الجالسين فوق صناديق الذخيرة يضمون بندقياتهم إلى صدورهم كأنها أطفالهم الصغار الذين لم يلتقوهم منذ فترة طويلة.

توقفت السيارة وبدأ الجنود بإنزال الحمولة إلّا "حسام" ترك رفاقه وتقدّم من القائد وبعد التحيّة العسكرية قال:

- سيدي، رفات والدي لا يزال هناك منذ بداية الحرب، لا أريد لأي جنديّ أن يسبقني إلى مكان جثمان والدي أو أن ينفسّ رائحة أبي ورفاقه قبلي، أرجوك أرسلني إلى الخطوط الأمامية.

ابتسم القائد وتذكر والد حسام الذي كان يغنّي ليخفف عن رفاقه المحاصرين قبل أن يستشهدوا بمجزرة مروّعة وهم بلا أيّة ذخيرة يدافعون بها عن أنفسهم، ومَنْ لا يذكر كم من الشهداء ارتقوا في بداية الحرب لأنهم لا يمتلكون ذخيرة؟

كانت هناك تعليمات بشأن المقاتلين من ذوي الشهداء والمخطوفين أن لا يكونوا في الخطوط الأولى وذلك حرصاً على سلامتهم وتجنيب عائلاتهم مزيداً من الفاجعات، لكنّ نظرات التوّسل في عينيّ حسام دفعت القائد لأن ينفّذ طلبه ويرسله إلى الخطوط الأولى.

التحق حسام برفاقه في الخطوط الأولى وكان الليل قد هبط بقسوة فوق رؤوس الجنود، جلس حسام يتأمل التراب الذي يظهر قليلاً بفضل ضوء الراجمات بين كل صاروخ وآخر ثم يختفي عند نفاد الصواريخ..

كان المشهد غريباً بالنسبة ل حسام، فبين كل ضوء وآخر كان يرى شكلاً مختلفاً للأرض، تارةً يراها ورداً وتارةً يراها قمحاً وتارةً يراها أمّه وهي تبكي...

لم تكن والدته راضية عن التحاقه بجبهة ادلب، فمنذ ثماني سنوات لم تجف دموعها من البكاء لفقدان زوجها وكانت ترى عزاءً بابنها حسام الذي يشبه والده وكأنه هو، لكن حسام كان يؤرقه أنَّ والده استشهد أعزلاً وفوق كل هذا لم يحظى بفرصة تقبيل جبينه قبل دفنه، فالشهداء يعودون أرواحاً إلى منازلهم وليس أجساداً، ومن لم يقبّل جبين والده قبل دفنه سيعيش أبد الدهر وهناك غصّة بقلبه لا تزول.

اشتدّت وتيرة المعارك وازداد تساقط الشهداء ولكن لم يتقهقر الجيش أبداً بل كانوا عازمين على المتابعة حتى لو لم يبقَ فيهم أحد على قيد الحياة.

لم يتوقف الأتراك عن محاولات الغدر، فتارةً يطلبون هدنةً وتارة يقولون هذه منطقة للمدنيين وهي تعجّ بالمسلحين فإن أعطاهم الجيش الأمان غدروا به ولكن بعد ثماني سنوات لم تعد تغيب عن أذهان الجنود مثل هذه الألاعيب، بل كان النصر يتجدد معهم كل صباح.

كان حسام يقاتل وعيناه شاخصتان إلى البعيد، يحاول جاهداً أن يستنشق أيّة نسمة هواء قادمة من الشمال عساها تحمل رائحة رفات والده، كان ينتظر أن يرعف دماً من أنفه حينها يتأكد أنه يستنشق هواء والده، فالأسطورة تقول أنّ الولد إذا شمّ رفات والده فإن دمه يفور من أنفه دون أن يشعر بذلك أو يتمكن من منعه.

الموبايل يرّن بشكل متواصل، أم حسام لا تتوقف عن الاتصال بابنها لتطمئنّ عليه، كم هو صعب على الأمهات خوض هذه الحروب، فالأم التي تعبت وسهرت الليالي على ولدها تعلمه وتطعمه وتتابع دروسه حتى رأته يكبر أمام عينيها ويصبح شاباً صنديداً قادراً على مقارعة كل الصعاب، سيكون صعباً عليها أن تراه يتجه بإرادته إلى المذبح الإلهي ليضحّي بنفسه لأجل قضيتّه متجاهلاً أنّ أمه أحق به من القضيّة ولكن لطالما كانت الأمهات هنّ الأرض وهنّ السماء وهنّ الوطن الذي يحيا الأبناء به فمن يدافع عن وطنه كأنه يدافع عن أمه.

لحظةُ صمت....

لم يعد حسام يسمع شيئاً، أوراق الأشجار تزداد اخضراراً والسماء تزداد زرقةً والهدوء يزداد ثقلاً، تقدم الجميع من حسام وحاولوا أن يقطعوا الدماء النافرة من صدره وظهره بعد إصابته بطلق ناريّ متفجرّ في صدره، دموعٌ غزيرة تنهمر من عينيّ حسام، فهو الآن بين الحياة والموت ولم يحظى حتى بفرصة الوصول إلى مكان والده..

الموبايل يرّن...

"أمي الحبيبة تتصل بك"

أمسك الرفاق الموبايل واحتاروا ماذا يجيبون الأم، ونظروا إلى حسام الذي كان يحاول أن يتكلم بصعوبة:

- قولوا لها أنني دخلت بمكان لا تغطية فيه ونسيت موبايلي معكم... أخبروها أي شيء ولكن لا تخبروها أنني سأموت فهي لن تحتمل فقدان حُسَامين...

انتهى الاتصال قبل أن يجيب الرفاق، الدماء تتنافر بغزارة وحسام يغيب عن الوعي شيئاً فشيئاً...

فجأة هبّت ريحٌ من الشمال، رعَفَ حسام دماً من أنفه، إنها رياحٌ مباركة تحمل رائحة والده.. ابتسم حسام وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة فقد استطاع أن يشمّ رائحة والده قبل أن يموت...
رنّ الموبايل مرةً أخرى، نظر حسام إلى الموبايل ورأى اسم والدته لكنه لم يكن قادراً على الكلام حاول أن يذّكر رفاقه بكتمان سرّ موته وفاضت روحه إلى السماء وهو يردد:

لا تخبروا أمي أنني استشهدت... لا تخبروا أمي أنني استشهدت.

July 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
7178993

Please publish modules in offcanvas position.