سمير جبارة: عن التاريخ و عن الأمجاد

في الأربعينات كان والدي يعمل في سلك الدرك و كان مديراً لمكتب قائد الدرك العام الزعيم (العميد) هرانت مالويان و كان بمثابة يده اليمنىربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‎Samir Gebara‎‏‏، و‏‏يبتسم‏، و‏‏‏نظارة شمسية‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏‏..
في يوم 29 أيار 1945 ارتكب الجنرال أوليفاروجيه على مدى ثلاثة أيام متتالية جريمة كبرى بدأت بذبح عناصر حراسة مجلس النواب من صف ضباط و أفراد الدرك السوري و انتهت بقصف دمشق عشوائياً..
بعد تلك المجزرة بأيام، استدعى الرئيس شكري القوتلي الزعيم هرانت بك و طلب منه إعداد تقرير مفصّل عن الأحداث..
عاد الزعيم هرانت إلى مقر قيادته في قلعة دمشق و طلب من والدي تشكيل لجنة من مجموعة من الضباط من أجل إجراء تحقيقات حول تفاصيل ما حدث في يوم 29 أيار و ما تلاه و إعداد التقرير المطلوب..
انكبّت مجموعة الضباط على إعداد تقرير مفصّل بيّنوا فيه نتائج تحقيقاتهم.. و كان من ضمن تفاصيل التحقيقات فضائح لبعض الرموز الوطنية آنذاك..
فبعضهم جمع التبرعات من أجل توزيعها و لم يوزع منها شيئاً..
و بعض زعماء الأحياء (بعضهم أعضاء في مجلس النواب و أحدهم وزير) حصل على السلاح من مستودعات القلعة لتوزيعه على أبناء حيّه و باع جزءاً منه لهم و باع الجزء الآخر لبعض عشائر البدو..
أمّا القصة الأكثر إضحاكاً كانت ذهاب أحد أهم رموز الكتلة الوطنية لعيادة الدكتور حسني سبح و الطلب منه وضع ضمادات على وجهه و على ساعده ليظهر أنه أصيب بجراح خلال مقاومته للفرنسيين.. فما كان من الدكتور حسني سبح (و كان هو الآخر عضواً في الكتلة الوطنية) إلا أن طرده من عيادته مكيلاً له مجموعة كبيرة من الشتائم النابية..
أما أهم فقرة من التقرير فكانت تتعلق بالضابط في الجيش الفرنسي الذي قصفت سريته المرابطة قرب سجن المزة مدينة دمشق..
كان هذا الضابط سوريّاً و ابن عائلة معروفة..
حمل الزعيم هرانت التقرير و ذهب به إلى الرئيس القوتلي... ثم عاد بعد حوالي ساعة إلى مكتبه في القلعة غاضباً و استدعى والدي قائلاً له بلهجته الأرمنية: "انت بياخد هاد التقرير بيحرقه .. و بيجمع لجنة تكتبوا أمجاد.. بس أمجاد.. شكري بك بدّو أمجاد"...
انكب والدي مع مجموعة الضباط على المهمة الجديدة و اخترعوا أمجاداً سطروها في التقرير الجديد..
الحقيقة الوحيدة التي ذُكرت في التقرير الجديد كانت تتعلق ببطولات رجال الدرك الذين استشهدوا دفاعاً عن المجلس النيابي و هم يقاتلون قتال الأبطال.. و الذين تم التمثيل بجثامينهم على يد الجنود الفرنسيين (السنغاليين).. هؤلاء هم الذين نفخر بهم..
و هذا التقرير الممتلئ بالأمجاد كان الأساس في مناهج التاريخ المدرسية و الجامعية فيما يتعلّق بأحداث 29 أيار 1945...
ملاحظة: تعمّدتُ عدم ذكر أسماء الرموز الوطنية التي وردت في التقرير الأول الذي لم يعجب شكري بك.. ذكرتُ اسم الدكتور حسني سبح لأنّ موقفه المشرّف يستحق أن يُذكَر..

October 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2
عدد الزيارات
8628465

Please publish modules in offcanvas position.