يحيى زيدو: المكارثية الجديدة بذهنية ”المرياع“

أ يحيى زيدو-" إياكم و البصاق في وجه الريح“، نيتشه، هكذا تكلم زرادشت.

- بعد ثماني سنوات من الحرب الكونية على سورية ثمة ظواهر تثير القلق، و تنذر بالسيء الذي يهدد كيان الدولة الوطنية في هويتها و وجودها.
ففي الوقت الذي يتسع فيه (حضن الوطن) لآلاف الارهابيين الذين مارسوا كل أشكال العنف و القتل و الارهاب و التخريب، وذلك بعد إجراء مصالحات في عدد من المناطق، و صار من الممتنع على أحد أن ينتقد هؤلاء. فإن (حضن الوطن) صار يضيق بالقصيدة أو الرأي أو اللوحة الفنية، و صار الشاعر أو المفكر أو الفنان أو الأديب موضوع ملاحقة أولئك الذين نصبوا أنفسهم، دون وجه حق، حراساً للأخلاق و الفضائل الوطنية يوزعون الألقاب و الأوسمة لحملة المباخر و المصفقين من أنصاف المتعلمين و أدعياء الثقافة، و يوزعون اتهامات التخوين على كل مخالف لهم في الرأي، و لو كان هذا الرأي صائباً.
- الكاتب الألماني (غونتر غراس) و في حمأة فرحة الألمان و انشغال العالم بتوحيد الألمانيتين في نهاية الثمانينيات، أعلن بوضوح أنه ضد الوحدة الألمانية، و صوَّت ب(لا) على مشروع الوحدة، لكن أحداً في ألمانيا لم يتهمه بالخيانة، و لم يعرِّض به، بل حافظوا على مكانته باعتباره رمزاً من رموز الثقافة الألمانية التي ما فتئت ترفد نهر المعرفة البشرية بكل ما هو فذ و فريد و جديد في كل مجال.
- أما في بلادنا فإننا نجد التعريض بمبدع مثل (أدونيس) بسبب رأي أو كتاب، و لم يتوقف الأمر عند (أدونيس) بل شمل آخرين: (الأديب قمر الزمان علوش، المفكر فراس السواح، الفنان نزار علي بدر، الباحث و الإعلامي الراحل فايز مقدسي)، و ربما ستشمل القائمة أسماء مثقفين آخرين لا يجيدون حمل المباخر و تمسيح الجوخ و طأطأة الرأس.
و ثمة ظواهر أخرى لا تنفصل عما سبق، منها: التشدد في منح ترخيص الجمعيات الأدبية و الثقافية، توقف الأنشطة الثقافية في المقاهي الثقافية، الامتناع عن منح تراخيص لدور نشر جديدة، استبدال التماثيل العارية في كلية الفنون الجميلة بنصب لموضوعات و وجوه. كل ذلك و غيره في مقابل توسع و تمدد التيار الديني الذي يعمل براحة و ثقة و رعاية لا يحظى بها المثقف التنويري العلماني.
-إن هذه الظواهر و غيرها هي مؤشر خطير على تقلص مساحة الحريات، و على وجود نوع من (المكارثية) التي تتأسس وفق قوانين القبيلة و العشيرة، و على أساس الولاء وفق معايير حراس الأخلاق و الفضائل الوطنية الذين يحملون ذهنية (المرياع) الذي يمنع على أي فرد في القطيع مغادرة موقعه، أو التعبير عن اختلافه. و بديهي أن هذا الأمر لا يتم وفق معايير المصلحة الوطنية، بل وفق معايير شخصانية ترى أن المصلحة الوطنية وجهة نظر، و تعمل على تكريس حملة المباخر و المصفقين كرموز للثقافة الوطنية بالتلازم مع التعريض بالمثقف النقدي التنويري العلماني، و لعل ما حصل في آخر مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، و استقالة رئيس الاتحاد، أو إقالته، هو عينة مما ينتج عن ممارسات حراس الفضائل الوطنية.
- و السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي المصلحة الوطنية في تحطيم الأيقونات الثقافية و التعريض بالمثقف التنويري؟ و لمصلحة من يتم ذلك؟ و هل هذه الممارسات المكارثية-الكارثية قادرة على خلق وعي وطني عميق بالانتماء إلى الهوية الوطنية التي يتجدد الحديث حول مضمونها بعد ثماني سنوات من الحرب الكونية التي استهدفت هذه الهوية الحضارية التاريخية بكل مكوناتها؟
إن هذه الممارسات تهدف إلى أمرين متلازمين:
-أولهما: اختراع قضايا وهمية عبر ”شيطنة“ المثقف و”ترزيل“ الثقافة النقدية، و تحويل المثقف التنويري إلى عدو وهمي للشعب، و ذلك من أجل حرف الأنظار عن القضايا الوطنية الأساسية و التي تمس المواطن في معيشته و حياته اليومية.
-ثانيهما: تعبيد الطريق أمام التيار الديني لاستكمال سيطرته على المجتمع، و أسلمة الحياة فيه بما يعيدنا إلى الوراء مئات السنين، و هذا أمر يتجاوز مشكلة الحريات الفردية، و الأمور المعيشية إلى مستوى يلامس هوية و شكل و مضمون الدولة الوطنية بعد أخطر حرب كونية في التاريخ على الدولة السورية.
إن إطلاق الشعارات الكبيرة و التلطي خلفها لتبرير هذه الممارسات، و محاربة الثقافة و الابداع، و التعريض بالمثقف الوطني هو جريمة يمارسها حراس الفضائل الوطنية بحق الذين صمدوا و دفعوا عن الدولة عسكريين و مدنيين. فلا يحق لأحد أن يتهم أحدا بالخيانة لأن الوطن للجميع، فالوطن ليس ملك لأولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على المصلحة العامة دون أن يكلفهم أحد بذلك.
الوطن لجميع أبنائه، و هو يكبر بالنقد، و احترام الآخر كما هو لا كما نريده أن يكون، و حقه في الاختلاف، و الإشارة إلى الأخطاء و السلبيات لا بالتبخير و تمسيح الجوخ.
أما الذين عينوا أنفسهم حراساً للفضيلة، فإن عليهم أن يعلموا أن أحداً لم يعد يصدق الغولة و هي تزعم حماية أبنائها بأكلهم و ابتلاعهم في بطنها.

May 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
6348714

Please publish modules in offcanvas position.