علي سليمان يونس: في امتهان بعض السوريين إذلال جيشهم

بعض (السوريين) امتهن إذلال جيشه, والتشنيع به, وقتل منتسبيه والتمثيل بجثثهم...
كل شعوب الأرض على مر الأزمنة يتراكم لديها مخزون من الأسباب والدوافع يجعلها تحترم جيشها الوطني, لا بل تقدسه.

ولم أقرأ -- وما قرأنه الكثير-- ان شعبا من الشعوب أهان جيشه كما فعل بعض (السوريين) قديما وحديثا.

ما ارتكب من جرائم بحق الجيش يندى لها جبين الإنسانية وانتم شهود عيان عليها منذ نيف وسبع سنوات وحتى لحظة كتابة هذا المقال... خيانة الجيش وطعنه في الظهر ليست وليدة اليوم, لقد بدأت من معركة ميسلون عام 1920, (وسأكتب لكم لاحقا كيف تآمر بعض (السوريين) وتسببوا في قتل وزير الحربية الشهيد يوسف العظمة ورفاقه, وتبرعوا بجر خيول وعربات المحتل الفرنسي وادخلوها إلى دمشق). ولكن حديثي لكم اليوم عن إذلال الجيش الذي سبق انقلاب 30 آذار 1949م... لم يكن قد مضى ثلاث سنوات على استلام وحدات الجيش السوري من سلطات الانتداب الفرنسي، حتى خاض هذا الجيش الفتي حرب فلسطين بإمكانيات متواضعة, سواءً من حيث العَدد أو العتاد أو التدريب، ومع ذلك فقد تمكن من خوض معارك باسلة وتحقيق نتائج مقبولة في هذه الحرب.

وقد كان الشعور العام لدى قيادة الجيش السوري ولدى ضباطه أنّ القيادة السياسية لم تكن على مستوى الطموحات والآمال المعقودة عليها، وأنه كان بالإمكان الخروج بنتائج أفضل لو كان هناك إعداد واستعداد كافيان من الهيئات السياسية الحاكمة. وبالمقابل فإن الهيئات السياسية الحاكمة، سواء (مجلس النواب)، أو (رئيس الجمهورية والحكومة)، كانت تأخذ على القيادة العسكرية أن النتائج التي حصل عليها الجيش في حرب فلسطين كانت أدنى من المأمول، ولذلك عملت على إقالة قائد الجيش (العميد عبد الله عطفة)، وقائد الرتل السوري المكلف بالهجوم (العقيد عبد الوهاب الحكيم) بعد فشل الهجوم السوري على مستعمرتي (دكانيا ـ آ) و(دكانيا ـ ب) في الثلث الأخير من شهر أيار 1948.

وقد تفاقمت أزمة انعدام الثقة وتبادل الاتهامات بين الطرفين في أوائل عام 1949 من جراء إقدام بعض النواب والزعماء السياسيين على انتقاد قيادة الجيش تحت قبة البرلمان وعلى صفحات الجرائد. بل إن الحكومة، تحت ضغط هذا الاتجاه، شكلت لجنة برلمانية برئاسة السيد (صبري العسلي) وعضوية عدد كبير من النواب «باشرت في تحقيقاتها واستفساراتها واتخذت مركزاً لها في مقر وزارة الدفاع الوطني. واستمعت إلى إفادات ثلاثين ضابطاً من ضباط الجيش السوري في مقدمتهم حسني الزعيم... ولم تنتظر الحكومة ـ التي كانت يرأسها (خالد العظم) ـ نتيجة هذه التحقيقات، بل أخذ بعض أعضائها يتهمون علناً ضباط القيادة بالفساد. (ومع ان الهجوم على الجيش في ذلك الوقت كان قويا من قبل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء والنواب ووسائل الإعلام إلا انهم كانوا أرحم من أحفادهم في هذه الأيام الذين يقتلون أفراد الجيش ويقطعون أجسادهم ويمثلون بها). وقد تحمل الجيش تلك الحملة المغرضة بصبر في بداية الأمر، إلا أنّ حدثين هامين وقعا في النصف الأول من شهر آذار 1949جعلا قيادته تتذمر علناً من هذه الأوضاع وتطالب الهيئات السياسية الحاكمة صراحة بإصلاحها:
- الأول كان توقيف عدد من الضباط والموظفين المدنيين في وزارة الدفاع بتهمة الفساد.
- الثاني هو قيام الحكومة، بتخفيض رواتب العسكريين، وعدم إقرار العلاوات التي تم اقتراحها لهم في مشروع قانون الجيش الجديد، الذي رفعته وزارة الدفاع إلى مجلس النواب، ولم يعتمده هذا المجلس.
إن جملة هذه الأوضاع وغيرها الكثير ,سبّبت اتساع مشاعر الاستياء لدى أفراد الجيش وقياداته. ووصل الأمر بامتهان كرامة الجيش ذروته عندما وجه وزير الدفاع (جميل مردم بك ) صفعة إلى وجه (العقيد توفيق بشور) معاون قائد الجبهة الجنوبية, والتي كان لها أثرا كبيرا جعلت الجيش أفراداً وضباطاً يشعرون بالأسى والألم ويقررون تأديب السياسيين والفئات الحاكمة وخصوصاً أن الحادث اعتبر اعتداء على الشرف العسكري في المواقع الأمامية حيث نزف الجنود الدماء دفاعاً عن عروبة سورية وفلسطين.
وقد حاول العميد (حسني الزعيم) نقل مشاعر الاستياء هذه، إلى الرئيس (شكري القوتلي)، فطلب مقابلته في 25/3/1949، وقدم له «مذكرة خطية» موقع عليها من خمسة عشر ضابطاً من كبار ضباط القيادة، وتتضمن عدة مطالب لإصلاح الوضع كان أهمها:

1 ـ محاكمة المسؤولين عن عدم تحضير الجيش وإعداده وتسليحه وتجهيزه منذ عام 1945 حتى حرب فلسطين.
2 ـ تصديق قانون الجيش من قبل المجلس النيابي في دورته الحالية، وقبل إقرار الموازنة وغيرها من القوانين.
3 ـ عدم التعرض في المستقبل لمناقشة أمور الجيش في جلسات علنية.
4 ـ الكف عن مناقشة المسائل العسكرية من قبل المدنيين، وتعيين اللجان لها من العسكريين الموجودين في الخدمة الفعلية.
ولكن الرئيس (القوتلي) لم يقرأ «المذكرة» ولم ينظر في مطلب القادة العسكريين الذين قدّموها، بل وجّه اللوم إلى (الزعيم )على استلامها منهم وتقديمها باسمهم، وقال له من الأفضل الاهتمام بتدريب الجيش وتنظيمه بدلاً من تقديم « الاستدعاءات». وكان رفض استلام هذه المذكرة والنظر في محتواها، من قبل رئيس الجمهورية السبب المباشر التي حفز (حسني الزعيم) على أن يجمع الضباط القادة في القنيطرة ويفاتحهم في أمر الانقلاب.
وأخيرا ليعذرني الاحبة اذا تجرأت وقلت بالفم المليان: إن بعض (السوريين) قديما وحديثا عاملوا جيشهم الوطني بحقد وخسة ونذالة لم يفعلها الصهاينة..

February 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 1 2
عدد الزيارات
5419457

Please publish modules in offcanvas position.