في أصول السّياسة و في كونها اختصاصاً للأدمغة الباردة.. عن المرسوم 16 الخاص بوزارة الأوقاف

د. بهجت سليمان أ بهجت سليمان في مكتبه

1 لا شيء يُفسِد السّياسةَ كالحماسة. و دائماً ما كانت دواوين شعر الحماسة الجاهليّة و القبليّة الإسلاميّة قد شكّلت في تكوين العقل العربيّ - التّاريخيّ، أوّل اختراق موضوعيّ للعقل االسّياسيّ العقلانيّ، عرف طغاة الفكر الدّينيّ كيف يستثمرونه ضدّ العقلانيّة و ”العلمانيّة” المبكّرة في ”الإسلام”..
هذا إذا تجوّزنا في التّعبير فاستخدمنا مصطلح ”العلمانيّة” الذي ظهر ”مؤخّراً” في ”الغرب” فَشَرَقَهُ ”الشّرقُ” على عجل، فاختنقت في عسر بلعه شعوبنا ونخبنا، بفعل طبقة لاهوتيّة سياسيّة عصيت على النّبيّ الأعظم محمّد رسول الله قبل أن تعصي السّياسات الّلاحقة على نبيّ الله؛ هذا من جهة أَولى..

2 و من جهة ثانية لا تقلّ وجاهة عن سابقتها، عملت عصبويّات ”المعارضات” السّياسيّة القديمة و الحديثة في مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة على إسفافٍ رديء في كيفيّات معالجتها أو مواجهتها لنقائضها التّاريخيّة، المتمثّلة في الّلاعقلانيّة العربيّة الإسلاميّة، فصبّت زيتَ الحماسة على نار الّلاهوت المشتعلة منذ قبليّات الإسلام المبكّر، التي لم يجد لها التّاريخ حلولاً، ذلكَ لأنّها كانت و ما تزال تمثّل أدهى و أخبث مواجهة في تاريخنا الطّويل ما بين الجهل و العقل، هذا العقل الذي لم يُدرك أدواته، لا قديماً و لا حديثاِ، فكان عبئاً على ذاته و مطيّة طيّعة للجهل المنظّم بقرار السّلطات الزّمنيّة الإسلاميّة التي استطاعت أن ترفع الزّمنيّ إلى مستوى الدّينيّ المقدّس، فيما كانت معارضاتنا ”التّاريخيّة” العقلانيّة تدور دائخة في جهلها لمفهوم و لوسائل و أدوات و مناهج و غايات التّغيير.

3 في تاريخ سورية المعاصر، ما من مسؤوليّة تُلقى على عاتق جهة من الجهات في أمر عدم نجاح التّسييس الفكريّ و الثّقافيّ، كما هو الأمر في المسؤوليّة الملقاة بالمطلق على جهويّات و جماعات و أفراد أسمُوا من أنفسهم معارضة سياسيّة (و حتّى دينيّة)، و رأيناهم أوّل من وضع زيته على نار ”الأخونجيين” في سبعينيات و ثمانينيات القرن الماضي العشرين..
فيما لم يفعل البعثيّون ذلك، عندما واجهوا ”الأخونجيين” و قاتلوهم من شارع إلى شارع و حيّ إلى حيّ و حتّى من بيت إلى بيت في حماة و بانياس و دمشق و حمص..
فكان البعثيّون أوّل من قدّم الأبطال الشهّداء في مواجهة المدّ االدّينيّ الرّجعيّ و الثّقافات المعنّدة الباطلة.

4 يتقوّل اليومَ بعضُ أسوأ نسخة من طبعات المعارضات السّياسيّة السّوريّة التي لم تستطع أن تجمع حولها مثقفاً حقيقيا واحداً، في اتّفاق على مشروع نهضويّ أو حداثيّ، فكانت عبارة عن أفراد يستلهمون بعضهم البعض في انفرادات نرجسيّة و مشاريع زعماءٍ فارغين على طريقة زعماء مسلسلات باب الحارة و باب الحيّ و باب المدينة و باب المخدع الّليليّ..
ليتصيّدوا لحظة تاريخيّة هاربة من الزّمان و مندحرة في المكان الضّيّق، الذي يعملون على تجسيمه تجسيماً انتهازيّاً، مستغلّين دماءَ شهداء الوطن التي ركبوا عليها في استثماريّة لا أخلاقيّة، محرّضين النّاس على الدّولة و البعث بذريعة استصدار نصوص تشريعيّة تنظيميّة لأمر قائم منذ القديم، هو دين الشّعب، ب موروثاته التقليدية، و لكن تلك التي لم يستطع أولئك المثقّفون المعارضون، في تاريخ سياسيّ كامل، على مدار عقود و عقود، أن يجعلوا منها محلّ نقد و انتقاد عقلانيّ فاعل و ممهّد للتّجاوز الحضاريّ الاجتماعيّ، الذي يُعلن بذاته خواء مثل تلك التّرّهات الدّينيّة التي، و لسخرية القدر و شماتته، دافع عنها ماركسيّون و شيوعيّون يزعمون الإلحاد و ليس آخرهم المقبوَرين (العظم) و (كيلة)..
فلا هي تلك التّرّهات تخلق واقعاً جديداً و لا هي، أيضاً ، تساعد على خلق واقع جديد، بقدر ما هي توقّع على أوراق مكتوبة سلفاً في مجتمع مغلق و محدود و متخلّف يبدو أنّ من الكثير عليه حتّى ”دينه” الذي يدّعيه.

5 في تاريخ البعث لم يقل الفكر البعثيّ، على تواضعه، إنّه ضدّ الأديان، أيّاً كانت تلك الأديان، و لم يكن في مشروعه السّياسيّ مناصبة الأديان العداء، و لا محاربة المحفوظات ”اليقينيّة” العقليّة منها و النّقليّة، بالرّصاص و نصوص القوانين و برامج المؤتمرات البعثيّة..
هذا مع أنّ البعثيين هم الوحيدون الذين قدّموا الشّهداء الأبطال دفاعاً عن الوطن و الحرّيّات العامّة، كجزء من البرنامج الفكريّ السّياسيّ البعثيّ، في الوقت الذي انضمّ فيه ”شيوعيّون” و ”مّلحدون”(!) إلى ”الأخونجيين”، و قاتلوا معهم، و لو سياسيّاً و فكريّاً، أبطال و شهداء البعث الذين قضَوا بنيران ”الأخونجيين” أعداء الله و الوطن و الشّعب.

6 جميع الأحزاب الثّوريّة في العالم، و حتّى منها ”حزب لينين”، أكبر و أعظم و أشهر حزب ثوريّ في العالم و التّاريخ، كانت في المراحل المفصليّة تضبط حركتها الثّوريّة الانقلابيّة، فَتُعْمِلُ عقلانيّاتها التّاريخيّة و أعصابها الثّوريّة الفولاذيّة في مظهر أو مظاهر من التّقييد العقليّ للعاطفة الثّوريّة التي لا تموت و لكنّها يمكن لها، بل و عليها، و أكثر من ذلك فمن حقّها.. أن تسلك سلوك التّريّث التّاريخيّ ”الثّوريّ” الذي يكون أداؤه، في هذه الأحوال المصيريّة، أداءً هادئاً و ربّما ”تراجعيّاً” أمامَ مسائل مصيريّة وطنيّة..
إلّآ أنّ ”مثقفينا” الثّوريين من أمثال موقّعي ”بيان” التّحرّك الشّعبويّ محدود الذّهن و الآفاق و العقل لرفض (المرسوم رقم 16) الذي دار و يدور حوله الّلغط، من أمثال قائد الركب ومرياعه (الدركي محمد بوداي) و معه (قمر الزمان علوش) و آخرون محترمون - كنا نربأ بهم الانسياق في هذه الهمروجة - أمثال: (مازن بلال) و (سلمان شبيب) و (غسان جديد) و (محمد عبد الله الأحمد) وكأنهم لم يسمعوا أو يقرأوا موقف (لينين) المبدئيّ، و الذي لا يمكن، و لن يمكن لأحد في مستقبل التّاريخ المزايدة عليه كأكبر ثوريّ تاريخيّ عرفته تجارب الأحزاب الثّوريّة في العالم، عندما وقّع ”صلح (برست ليتوفسك)” في أوائل عام (1918)، مع (ألمانيا) ”النّازيّة”، على رغم موقف ”البلاشفة” (حزب لينين العظيم) من الحرب العالميّة الأولى، و وصفه لها بالحرب االبورجوازيّة القوميّة التي تضحّي بالإنسان و بالمبادئ، من أجل حفنة من المصالح السّياسيّة للطّبقات الحاكمة في دول ”السّعار” القوميّ الأوروبّيّ..
و ذلك تحت شعار (لينين) الواقعيّ البسيط: (الأرض و السّلام و الخبز).. عندما وجد في الحرب و انضمام روسيا السّوفييتيّة إليها لعبة من ألاعيب السّياسات البورجوازيّة العالميّة، التي لا مصلحة فيها لروسيا أمام معاناة الشعب الرّوسيّ و تهديد مصيره الوطنيّ و الإنسانيّ في واقع تلك الحرب..

7 و هو ما كان جذراً نهائيّاً في الخلاف الحادّ بين (لينين) و بين اليهوديّ الماسونيّ (ليون تروتسكي)، بوصفه القائد الثّاني، بعد (لينين)، لثورة أكتوبر الاشتراكيّة التّاريخيّة، و صاحب شعار ”الثّورة الدّائمة”، المنافق و الانتهازيّ، و الذي لا يشبه إلّا مزايدات مثقّفينا ”المزيّفين”، اليوم، في هذه المناسبة، و في غيرها من المناسبات الكثيرة الشّبيهة التي تمتدّ على تاريخ سوريه من أوّل ستينيات القرن العشرين الماضي و حتّى اليوم، في صلب و جوهر ”الخلافات” المبدئيّة في المفاصل التّاريخيّة، ما بين ”البعثيين” الذين قاتلوا و ناضلوا و ضحّوا و استُشهدوا و جاعوا، و بين ”مثقّفي” المنتجعات.

8 يفهم ”مثقّفونا” العلمانيّة فهمهم لغيرها من المصطلحات التي أفرغوها، في ممارساتهم، من مضامينها و مفاعيلها المعبّرة، فيحكمون بها على ”المجتمع” بممنوعيّة تديّنه..
في الوقت الذي يُدركون، هم، و لا بدّ، أنّ مسألة عدم تديين المجتمع ليست مسألة قرار سياسيّ، و طبعاً ناهيك عن أنّ العلمانّية هي في أوضح و أبسط تعريفاتها، حرّيّة ”التّديّن” و حرّيّة ”الإلحاد”، على أن تضمن الدّولة كلّاً من الحرّيّتين.

9 لم يكن ”المرسوم التّشريعيّ رقم 16” لعام (2018)، فاتحة لعهد دينيّ جديد في (سورية)، و لم يكن ”المجتمع” السّوريّ، كما يعرف ”مثقّفونا”، بأنّه عبارة عن ”جماعات” و ”فئات” و ”عصبويّات” و ”تجمّعات” تاريخيّة حازت على مشروعيّتها ”الواقعيّة” بفعل تقادم الجهل و الأزمان و المصالح الطّبقيّة السّياسيّة و زعامات و وجاهات ”الحارات”..
هذا و لم يعمل هذا ”المرسوم” أكثر من كونه قد أذاع واقعاً موجوداً لا يوجد من ”مثقّفينا” واحد منهم بريئا من الإسهام في موجوديّته و شرعيّته، على السّواء، بمواقفهم التّاريخيّة المحدودة المعادية للوطنيّة في مراحل شهيرة و تاريخيّة من تاريخ سورية المعاصر، و لسنا الآن بصدد تفصيلها و تفنيدها فهي معروفة للجميع.
والطامة الكبرى، عندما يتصوّر واحد من البشَر أنّه أقدر من غيره على فهم الدّين الإسلاميّ، أو غيره من الأديان، ناهيك عن أنّ الإيمان في إطار الدّين، إنّما هو إيمانٌ فرديّ ليس لأحد القدرة على مراقبته و التّّدخّل فيه، لأنهّ علاقة بين المخلوق و الخالق..
و أمّا إذا ما تصوّر أحد، أنّه قادر على ممارسات ”سلطويّة” دينيّة سياسيّة، فعندها سوف يكون البعثيّون هم أوّل من سيلجمون هذا ”الواقع”..
فسورية المتعدّدة الأديان و المذاهب و الطّوائف، لن تقبل بمسخرات ”المطوّعين” أو ما سُمّي في ”السّعوديّة” بجماعات الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، ذلك أنّ يهود السّعوديّة الصّهاينة الحاكمين للفقراء، كا نوا و ما يزالون يحتاجون إلى شهادة اجتماعيّة بالتّديّن ”الإسلاميّ”..

10 و لسنا، هنا، في الدّولة الوطنية السّوريّة (سورية الأسد) كبعثيين و مواطنين أحرار، نحتاج لشهادات في التّديّن و الإيمان لا من وزارة أوقاف و لا من غيرها، مادامت الدّولة، بنظامها السّياسيّ العلمانيّ، قائمة و هي سوف تبقى قائمة إلى ما لا يُدركه الذين يعيشون خارج حركة العالم المعاصر و التّاريخ..
والعالم يتقدّم و ينزع من حياءاته المجاملات الدّينيّة، و نحن علينا أن نتفهّم حركة وزارة الأوقاف من باب أنّها تتوجّه بدافع التحسب و الحذر من التّطوّرات العالميّة في المحيط الإقليميّ و في كلّ مكان في العالم؛
لكن من المؤكد أنه لن يكون لوزارة الأوقاف ولا لغيرها، أن تجعل من سورية بديلاً للسّعوديّة بنظامها الصّهيونيّ الدّينيّ، بعد أن عصف التّغيير بنظام الدّين السّعوديّ..
ولن يحلّ محلّ البعث العربيّ السّوريّ، نظامٌ من أنظمة المِلّةِ العثمانيّ الصّهيونيّ السّاداتيّ، و هذا ما هو أبعد من لون الليل عن لون النّهار عن أبواز جميع المراهنين و المحازبين و المتحزّبين الصهاينة، بإسم الدّين الإسلاميّ، أو بإسم غيره من الأديان في سورية، في داخل سورية و خارجها و في كلّ مكان.

● تصوروا هذه المهزلة!
● دركي سابق، مهاجر تخلى عن جنسيته السورية منذ أكثر من ربع قرن، وغير متوازن نفسيا!
● هو رأس دعوة الاحتجاج و مرياع بيانها.

● احذروا الإنسياق وراء ثورجيي الدركي السابق.

December 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
25 26 27 28 29 30 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31 1 2 3 4 5
عدد الزيارات
4898641

Please publish modules in offcanvas position.