الصفحة الرئيسية

د. مضر بركات: لماذا كل هذا الضجيج حول مشروع (قانون هيكلية وزارة التنمية)...!؟

شخصنة النقد تفسِد النقاش، فهي إما عجز في المعرفة أو عجز في الحجة أو كليهما معاً..، خصوصاً في النقاشات التخصصية، ببساطة لأنها تتناقض مع الكفاءة المعرفية التي يفتقر لها، للأسف، غالبية أصحاب المناصب، خصوصاً أولئك الذين فرضتهم الظروف أو أوصلتهم أحزابهم وعلاقاتهم الشخصية إلى السلطة.. ومعظم هؤلاء هم إما جاهل في مجال الإدارة أو متجاهل لجوهر الإدارة الذي يقول في بعضه أن الأهم من المشروع هو بالحد الأدنى توفر المعرفة التطبيقية (إن لم نقل الخبرة التطبيقية) فيأ مضر بركات كيفية إدارة هذا المشروع أو ذاك.. فنجاح أي مشروع هو رهنُ توفّر إدارةٍ ذات كفاءة تطبيقية حكماً، وليس كفاءة أكاديمية نظرية.. ناهيك عن أن الإدارة عملياً هي النهج العلمي التطبيقي الذي لا يكتمل بالأشخاص بل بتوفّر الأهلية القيادية في الأشخاص، وهذه بحد ذاتها تتطلب نظام تقييم علمي ما يزال يجهله أو يتجاهله المعنيون بالتقييم والتزكية والترشيح، رغم أهميته..

وبناءً على ذلك، ولتقييم إمكانية النجاح.. هل لدينا في مجلس الشعب من يمتلك الكفاءة التخصصية لمناقشة مشروع (هيكلية وزارة التنمية)..!
وهل تمكنت رئاسة مجلس الوزراء بما لديها من خبراء من وضع أسس للتطوير والإصلاح المأمول على نحوٍ عمليّ قابل للتفعيل وغير قابل للخرق في طبيعة العمل من حيث الصلاحيات على غرار ما هو عليه حال وزارة التنمية ذاتها منذ تأسيسها حتى الآن، رغم كل ما لهذه الفكرة من أهمية من حيث الجوهر..!

وبفرض أنه قُيّضَ لهذه الوزارة التنمية أن تمتلك القدرات والكفاءآت الذاتية، فأيّ صلاحياتٍ يمكن أن تفوّضها بها الحكومة لكي تتمكن من التدخل في عمل كافة الوزارات والمؤسسات الأخرى..، وهل يمكن لهكذا وزارة أن تتمكن من تحقيق أهداف الإصلاح والتطوير الوطني في جسد الدولة أفقياً وشاقولياً بينما هي مجرد مؤسسة من مؤسسات رئاسة مجلس الوزراء تخضع لقوانينه وجداول أعماله ولجانه وقراراته، ولا يمكن لوزير هذه الوزارة أن يتخذ أي قرار أعلى من قرارات مجلس الوزراء، ولا يملك أكثر من إمكانية عرض مشاريعه على المجلس..، فهي وزارة محكومة بمحدودية قدراتها التنفيذية بالرغم من كل المحاولات (المحكومة بالفشل مسبقاً) لتوسيع صلاحياتها التي لا يبدو حتى الآن أنها ستتمكن من تجاوز عتبة مشاريع التدريب النظري لمنح شهادات الحضور للمتدربين، أو تقديم دراسات تقييم لموظفي الإدارات الأولى، بناءً على دراسات شخصية واختبارات ثار حولها جدل في المواقع الإعلامية وأثارت الكثير من الانتقادات، حتى أن بعض المعلقين على تلك المواضيع قارنها بشهادات الدكتوراه الفخرية التي سمعنا بها مؤخراً، والبعض الآخر شبهها بالفحص الشكلي لشهادة السواقة التي يبدو أنه ما يزال البعض يتمكن من شرائها كما يشتري الكثير من الاشياء..

على أي حال، طالما أننا ننتقد الشخصنة في الانتقاد، فمن الطبيعي التركيز على دراسة وانتقاد واقتراح تصويب منهج العمل المعتمد، والتعامل بواقعية مع أهمية محاولة الوزارة للقيام بمهمتها، بالتساؤل حول إمكانية نجاح هذه المهمة في ذروة انتعاش بيئة الفساد والإفساد ضمن ظروف هذه الحرب القذرة..

في الحقيقة لا بد من تكرار الحديث حول أهمية (الإدارة) في تحقيق (الإرادة)، لأنه في هذه الحالة بالذات لا يمكن التعويل على أن "الحاصود بيحصد بقرن العنزة".. وبناءً عليه، لا بد من التأكيد على ضرورة إعادة النظر في فكرة الوزارة وفي هذا النهج في السعي نحو التطوير والإصلاح، طالما أننا ما زلنا نفتقر إلى الوسيلة العلمية التطبيقية في تقييم الكفاءآت، وهو الأمر الذي لطالما تحدث عنه السيد الرئيس في مناسبات عدة بهدف تبني وسيلة أو آلية للتقييم العلمي بعيداً عن تدخل الأمزجة الشخصية، حيث يمكن حينها القول أن ترشيح شخص ما لمنصب إداري هو أمرٌ منوط بكفاءته وليس بولاءآته وصداقاته وانتمائه الحزبي وخلاف ذلك..، كما يمكن حينها القول أننا قد خطونا الخطوة الأولى على طريق التطوير والإصلاح، لأنه حينذاك فقط يمكن التحقق من كفاءة طبيب بيطري ليكون مديراً للمناهج في وزارة التربية، والتحقق من كفاءة خريج علم اجتماع ليكون مديراً لمطار مدني دولي، والتحقق من كفاءة مهندس أو محامي أو طبيب ليكون وزيراً للتجارة أو السياحة مثلاً.. إلا إذا بدا للدولة أن تتخذ قراراً باعتبار هذه المناصب الإدارية التخصصية مناصبأً سياسية، على يتم تشكيل طاقم من الخبراء التخصصيين ذوي الكفاءة إلى جانب المدير أو الوزير لإدارة المنشأة أو المؤسسة أو الوزارة، على أن يقتصر عمل ومهمة شاغل هذا المنصب السياسي، مديراً أو زيراً كان، على التوقيع والمصادقة شكلياً على قرارات وأعمال هذا الفريق، خصوصاً أن بعض ذوي المناصب، رغم ما يعانونه من عدم كفاءة شخصية في الخبرة التخصصية، تجدهم يلجأون إلى الاجتهاد ويتصرفون في شؤون العمل كما لو أنهم على عداوة مع الخبرات المتوافرة في إداراتهم..!!

على أي، وبالنتيجة.. أليس من الأجدى إدارياً وعلمياً ومنطقياً أن يعاد النظر في فكرة هذه (الوزارة التنمية) فتُستبدل بـ(هيئة عليا للتطوير والإصلاح الإداري والمنهجي)، بصلاحيات توازي (أفقياً) صلاحيات رئاسة الوزراء، وتمتلك الحق في المخاطبة الأفقية لرئاسة الوزراء، ومخاطبة السلطة التشريعية إلى جانب وليس عبر رئاسة الوزراء، فتكون قراراتها قوانيناً ملزمة لجميع مؤسسات الدولة بما فيها رئاسة الوزراء، وتكون قراراتها قوانيناً ومناهج تطبيقية في التطوير والتحديث والإصلاح، مرفقةً بتعليمات تنفيذية واضحة صريحة كجزء لا يتجزأ عنها، وغير قابلة للالتباس والتأويل والخرق والتلاعب..، وأن يتم تكليف رئاسة الوزراء بتطبيق قرارات هذه الهيئة في إطار مهام رئاسة الوزراء ذاتها، التي يمكنها أن تلزم كل وزارة بما يخص عملها من خصوصيات قرارات الهيئة، كما تلزمها بالخضوع لمنظومة محاسبة فعالة تعتمد على منهج علمي في تقييم الإنتاجية الإدارية لتكون النتائج حسابية رياضية يمكن تحويلها إلى جداول الثواب والعقاب التي يتم على أساسها ترفيع أي شخص لكفاءته، أو عزله لعدم كفاءته، وليس على أمزجة أشخاص يتحكمون بالقرار هنا وهناك..، كي ينقطع دابر هذا النوع من التدليس، وكي لا تعود حليمة إلى عاداتها القديمة، وكي تضيق أبواب الفساد والإفساد، ليشعر المواطن حينها بتجدد الأمل في أن يعم الخير في ربوع البلاد..!!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4037575