الصفحة الرئيسية

هل تغازل الحكومة السورية "شهداء" حي الوعر بحديقة؟

شهدت, مؤخراً, صفحات الموقع الازرق, في سوريا, تعاطفاً مع الإعلامي وحيد يزبك وهو أحد نشطاء الفيسبوك الموالين للسلطة السورية.

وذلك على خلفية توقيفه (بضع ساعات) بسبب انتقاده لطلال البرازي محافظ حمص, بخصوص حديقة حي الوعر الذي جرى إخلاءه العام الماضي من المسلحين باتفاق مصالحة, فبحسب يزبك (و المتعاطفون معه فيسبوكياً) أنّ المحافظة ستحولها الى "مقبرة للشهداء" والمقصود بالشهداء هنا "المسلحين" .

في حين قال نالشطون مدافعون عن المحافظ البرازي "أنه بنى سورا حول المقبرة لاخفاء عملية نقل الجثث منها ثم سيجري اعادتها الى وضعها متنفسا طبيعيا لاهالي المنطقة" وان قصة تسمية الحديقة بمقبرة الشهداء مفبركة وليست حقيقية.

الامر الذي استفز أنصار يزبك فقالوا "إن المحافظ كان يريد تمرير تحويل حديقة الوعر الى مقبرة لشهداء المسلحين لكن الحملة ضده جعلته يتراجع"

عندما كان حي الوعر, يخضع, ولسنوات, لسيطرة المسلحين, كانوا يدفنون قتلاهم في الحديقة الخاصّة بالحي, ومن البديهي أنّ الدفن فيها لم يقتصر على قتلى المسلحين من سوريين وغير سوريين, بل شمل المدنيين الذين كانوا محاصرين ضمن الحي بحكم الواقع الذي كان, وفيهم أطفال وعجائز ونساء. وكان أن رسم المسلحون -ضمن الحديقة- من خلال الحجارة اسم "مقبرة الشهداء"!

من بعد عودة "الوعر" إلى كنف الدولة, أزالت السلطات اللافتة الحجرية المكتوب عليها اسم "مقبرة الشهداء", لتعاد مجدداً لافتة نظامية أخرى ثم تُزال من قبل عناصر الجيش, و لتبدأ الزوبعة التي اُتهم فيها محافظ حمص السيد طلال البرازي من قبل فرسان الفيسبوك, وظهر بطل جديد تحت عنوان مسيرة الهاشتاغ "كلنا وحيد يزبك".

ففي الحيثيات اعترض الناشط وحيد يزبك, على ما سماه قراراً من قبل محافظ حمص, خلاصته تسوير الحديقة تمهيداً لجعلها مقبرة تسمى باسم "مقبرة الشهداء", ووجد اعتراض يزبك تجاوباً كبيراً عبر صفحات موقع التواصل الاجتماعي, لتبدأ ما تشبه الحملة ضد المحافظ البرازي الذي سرعان ما سطر كتاباً -بحق يزبك- وجهه الى وزارة الداخلية التي حوّلته الى فرع "جرائم المعلومات".

نفى يزبك, بعد إخلاء سبيله لاحقاً, في فيديو عبر صفحته الشخصية, التهم التي وجهت إليه من قبيل: "النيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور الوطني والقومي... والذم والقدح الواقع على ادارة عامة وانتهاك حرمة الحياة الخاصة", واعتبرها اتهامات دون وجه حق, غير أنّه أكّد تطرقه عبر صفحته إلى موضوع استجرار مادة المازوت الى مصانع لا تعمل في المنطقة الصناعية بحسياء (طريق حمص- دمشق), ما يُخشى انها قد تُهرب الى جرود عرسال وحماه, و لم ينف أنّه اعترض على تسوير الحديقة, لكن المشكلة ليست هذه مع المحافظ بل بيع المازوت لغير مكانه!

وتابع يزبك: تحويل الحديقة إلى مقبرة خاصة بالمسلحين تحت اسم "مقبرة الشهداء" جريمة لا لأنها تضم سوريين قاتلوا الدولة فقط بل في المقبرة جثامين لارهابيين من جبهة النصرة من الاجانب وغيرها من ميليشيات مسلحة قتلت الأبرياء والمدنيين في حمص ومثّلت بجثثهم.. الخ, ومن غير المقبول وطنياً أن تحوّل الحديقة لتصبح مقبرة لهم تُطلق عليهم صفة الشهداء.

بعد أن استفحلت الحملة ضد المحافظ البرازي, التي رآها البعض ظالمة, ولا تخدم الشعب السوري , كتب اللواء الدكتور بهجت سليمان صاحب صفحة "خاطرة أبو المجد" المتابعة على نطاق واسع, مقالاً يفنّد فيه, ما سبق أن شطح به بعض فرسان الفيسبوك وغلمانه, وأبرز ما أتى في تفنيده: "عندما جرى تحرير "منطقة الوعر" وصارت في كنف الدولة.. بات من الواجب، إخلاء هذه الحديقة من الجثث، لكي يجري نقلهم إلى المقابر، بالتعاون مع الهلال الأحمر و وزارة الأوقاف.. لكي تعود كما كانت، حديقة عامة.. وهذا يقتضي إخلاء الحديقة من كل "الرفات" الموجود فيها.. وكما يقتضي العرف والعادة، في مجتمعنا - كما جرى في معلولا - يجري إقامة سور صغير حول الحديقة التي تحولت إلى مقبرة، لكي لا يرى المارون عملية إخراج الجثامين من القبور ونقلها إلى مكان آخر.. علما أن كلفة السور، بلغت (مليون وستمائة ألف ليرة سورية).. ولكن المغرضين، ضربوا الرقم بعشرة، وجعلوها ستة عشر مليونا.. ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بنشر لافتة سابقة في عام 2015 كانت معلقة في "الحديقة - المقبرة" مكتوب عليها "حديقة الشهداء" عندما كان الإرهابيون هم المسيطرون عليها. علما أنه جرى نزع هذه اللافتة، منذ استعادة "الحديقة - المقبرة" إلى كنف الدولة".

في حين أن ناشطاً من حمص, رفض ذكر اسمه لاعتبارات قانونية (إذ هو في خدمة العلم ولا يحق له التصريح), أكد لـ"آسيا" أن الحديقة: "تحولت لمقبرة وتم تسويرها بسور بيتوني دائم.. و وضع عليها لافته باسم مقبرة الشهداء, لكن بعض العساكر من ثكنة مجاورة للحديقة كسروا اللافتة".

وعندما نسأل ذلك الناشط: متى كان كسر اللافتة؟

يفيدنا أن ذلك كان منذ شهر ونصف فقط, في حين كان يوجد اسماً مكتوباً بالحجارة عندما كانت تحت سيطرة المسلحين, وهذه تم نزعها من قبل بعض السلطات المختصة في وقت سابق (كما أسلفنا) على وضع اللافتة الثانية الكبيرة والنظامية وهي التي حطمها جنود من الثكنة المجاورة لها! بحسب تأكيد الناشط.

أما الصحفي محمد علي الضاهر (و هو ابن حمص ومن سكّانها), فقد أوضح لنا أن ما يقوم به البعض عبر الفيسبوك عبارة عن "مزاودة", ليذكر لنا رواية تتقاطع كثيراً مع ما كتبه الدكتور بهجت سليمان, إذ يقول: "عند انجاز اتفاق الوعر الذي أشرفت عليه اللجنة الأمنية في حمص ممثلة باللواء بركات بركات و مسؤولي مركز المصالخة في القاعدة الروسية حميميم. خرج المسلحون وعائلاتهم من الحي على دفعات باتجاه ريف ادلب ومدينة جرابلس بريف حلب, ودخلت الجهات الرسمية الى الحي, وتم افتتاح الدوائر التي أغلقت على مدار 5 سنوات. وبعد ايام من عودة حي الوعر الى سيطرة الدولة تم اكتشاف مقبرة استحدثها المسلحون في احدى الحدائق وعليها كتابات من مخلفات المسلحين تسميها "مقبرة الشهداء" فتم ازالة الكتابة عنها, ليتم اتخاذ قرار من المكتب التنفيذي في محافظة حمص بنقل الجثث منها".

و في الوقت الذي يؤكّد فيه الناشط الذي يرفض ذكر اسمه لاعتبارات قانونية, أن المحافظ طلال البرازي وعد عينة من آهالي حمص -أمام شهود- بأن الحديقة ستبقى مقبرة وأقسم لهم على هذا, يفيدنا محمد الضاهر أنه تواصل مع نائب محافظ حمص المهندس دمر العلي الذي زوده بصور عن جلسة المكتب التنفيذي ومقرراته باعتبار ان هذا الأمر حساس ويجب الرد عليه بالوثائق. و وثائق الجلسة تؤكّد أن ما يدّعيه فرسان الموقع الأزرق غير صحيحة.

وأضاف الضاهر معلومات تتقاطع مع ما ذكره د. بهجت سليمان في مقاله المشار إليه آنفاً: "المهندس دمر العلي أكد لي ان هذه المقبرة هي حديقة, ويتم العمل على نقل الجثث منها بالتنسيق مع الشرطة والاوقاف ومجلس المدينة. وريثما تتم عملية النقل, فقد تم التعاقد على تسويرها بشكل مؤقت بارتفاع 4-5 بلوكات اخفاءاً لعمليات الحفر التي لاتليق اصولا مع مرور المواطنين والاطفال بالقرب منها".

وبالعودة إلى الناشط الذي يرفض ذكر اسمه, عدا أنّه يشاطر الاعلامي يزبك مسألة تزويد المحافظ البرازي المنطقة الصناعية بحسياء بمادة المازوت في وقت كانت المصانع فيها مغلقة بسبب انعدام الأمن في حمص فيما سبق, فإنه يعتقد بأن ما يجري في حمص مقصود لأجل خلق فتنة حتى تظل الفئة الموالية للدولة مُستضعفة, ليستدرك بالقول: "هل لاحظت اليوم ضبطهم للسيارة المفخخة التي كانت متوجهة للزهراء ( يقصد 7 آذار 2018)؟.. اعمل بحثاً وستجد أنّه كلما أثُيرت زوبعة في وجه المحافظ تنتهي باكتشاف القوى الامنية محاولة لتفجير ارهابي نلتهي به!"

قبالة ذلك الاتهام للمحافظ, يؤكّد الدكتور بهجت سليمان, في بوست سابق له, أنّ "محافظ حمص أ. طلال البرازي من أنشط وأشرف المحافظين في سورية.. وهذا مدقق ومؤكد.. ولذلك لا يحاربه المغرضون فقط, بل الجهلة أيضاً". وهو بوست شاركه الاعلامي وحيد يزبك راداً عليه بالقول: "نحن نحترم سيادة السفير بهجت سليمان ونحترم تاريخه. كما نشيد بموقف ابنه الصديق حيدرة, ولكن يا سيادة السفير نحن لسنا مغرضين وجهلة ومطرودين ومرتزقة. لاننا اعترضنا على تشييد مقبرة للمسلحين اصبحنا كذلك..؟ نحن ذوي شهداء ونحن جرحى ونحن ابناء البلد. وشكرا". طبعاً ردّ الناشط والإعلامي حيدرة سليمان على يزبك موضّحاً له إنّه ليس المقصود بذلك البوست, بل من استثمر توقيفه.

ولئن انتهت الآن, زوبعة "الحديقة- المقبرة", بيد أنها تؤكّد حقيقة أنّ آلام الجراح بعد العملية أصعب بكثير مما هي عليه خلال العملية؛ بمعنى أن آلام وأوجاع المناطق التي عادت لكنف الدولة ومحيطها في حمص (وغيرها من مناطق سورية) هي أعقد مما كانت عليه إبّان الحرب, وسبق للرئيس السوري بشار الأسد أن أشار إلى هذه الصعوبة في إحدى مقابلاته الصحفية خلال الحرب, وكان يقصد إعادة تأهيل الإنسان الذي دمرته الحرب وحملات التكفير والتكفيريين.

خلاصة القول: ما جرى في حمص مؤخراً, وبمعزل عن كلّ الانتقادات التي يقولها البعض (وقد يكون بعضها محقاً) عن المحافظ طلال البرازي, والمديح الذي يُكال له (وقد يكون مستحقاً لبعضه), يؤكّد أنّ الأولوية الآن هي لصوت العقل ولحضور العقلاء, بعيداً عن صوت الرصاص وشظاياه, وإلّا لا مناص من الخروج من دائرة العنف والعنف المضاد.

أبي حسن

آسيا نيوز

أضف تعليق


كود امني
تحديث

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4017113