الصفحة الرئيسية

طرطوس.. فقرٌ في المعاملِ والمصانعِ أمْ إفقارٌ ممنهَج!؟.. و"تطفيشٌ" للمُستثمرِ الوطنيّ

 لمْ يعرف الساحل السوريّ حتى ثلاثينيّات القرن الماضي شيئاً من مقوّمات الاقتصادِ الحديث، إلى أنْ أتى الانتدابُ الفرنسيّ فأسّسَ عام 1935 شركةَ الريجي (المؤسسة العامة للتبغ) التي أمّمتها الحكومةُ السوريّةُ عام 1951. وهذه الشركةُ احتكرت شراءَ التبغِ من الفلّاحينَ بأسعارً بخسة و زهيدة، و في السنواتِ الأخيرة طرأ تحسّنٌ في سعرِ الشراءِ لمصلحةِ المُزارِع (بالمناسبة، هذا العام لمْ تشترِ هذه المؤسّسة التبغ من الفلاحين!)، وكانت زراعته في الساحل السوريّ، إضافةً إلى زراعةِ أشجارِ التوت لأجلِ تربية دود القزّ وإنتاج الحرير إذ كانت توجدُ بضعةُ معامل حرير أكثر من بدائيّة في بلداتٍ كمشتى الحلو ومصياف) عماد الاقتصاد الفعليّ للفلاحين، إذ لم تكن غالبيّة الأراضي صالحةً للزراعة؛ طبعاً، حالياً، تبلغُ مساحةُ الأراضي الزراعيّة التي تُروى من مشاريعِ الريّ العامّة في محافظةِ طرطوس 22 ألف هكتارٍ موزّعة على أربعةِ سدودٍ شَهدَتها المحافظةُ في تسعينيّات القرن الماضي، وللحديث عن هذا الجانب مقال آخر.

بقيت طرطوس (البالغة مساحتها 1900 كيلو متر مربع) منذ الاستقلال 1946 حتّى عام 1974 دون مصانعَ حكوميّة ودون أهميّة تُذكر، والمعروفُ أنّ طرطوس لم تصبحَ محافظةً حتّى عام 1970، فكانت قبلَ ذلك التاريخ جزءاً من محافظةِ اللاذقية.

ومن المنشآتِ الهامّة اقتصاديّاً التي شَهدَتها المحافظةُ من أواسط سبعينيّات القرن الماضي، هي: مصفاة بانياس، المحطّة الحراريّة في بانياس، معمل إسمنت طرطوس، ورغم الأهميّة الاقتصاديّة لتلك المنشآت وتوفيرها العمل لأكثرَ من عشرةِ آلاف عامل، غير أنّها أضرّت كثيراً بالبيئة، عدا ذلك لمْ تشهد المحافظة أيّة منشأة ذات أهميّة اقتصاديّة مُعتبَرة لا سياحيّة ولا زراعيّة ولا تعليميّة ولا طبيّة، مثل معاملِ الأدويةِ والتجهيزات الطبيّة، الجامعات. وهنا كان يتساءَل كثيرٌ من أبناءِ محافظة طرطوس في جلساتِهم الخاصّة عن السببِ في إهمالِ المنشآتِ الصناعيّة والإنتاجيّة فيها التي من شأنِها امتصاصُ عشراتِ آلاف العاطلينَ عن العمل، على نقيضِ ما كانت تُوليه الحكوماتُ المتعاقبة للمحافظاتِ الأُخرى (حمص، دمشق، حلب، مثالاً لا حصراً)، ولم يكن يتوانى الهامسون من الطراطسة عن القول إنّ الغايةَ من ذلك الاهمال هي تغذيةُ الجيش في ظلّ عدم وجودِ طريقٍ آخرَ أمام العاطلين عن العمل.

بعد عام 2000م تغيّرت الحالُ نسبياً، إذ شَهدَت المحافظةُ قفزةً تُعتبرُ نوعيّةً قياساً بما كانت عليه قبلَ ذلك التاريخ، إذ بُوشِرَ العملُ بتحسينِ كورنيش المدينة، ما انعكسَ إيجاباً عليها جماليّاً وسياحيّاً واقتصاديّاً.. إلخ، وبدأت تشهدُ وجودَ عددٍ من فروعِ الجامعةِ مثل التربية والاقتصاد.. الخ) التابعةِ لجامعة تشرين في محافظةِ اللاذقية، ولاحقاً أُنشِئت جامعة (على الورق، وحجر أساس) وُزّعَ طلابُها في أماكن متفرِّقة من المحافظة (جوار المدينة) تدرّسُ الطبَّ والتربية وكليّات هندسة عدّة، إضافةً إلى إنشاءِ عددٍ من المعاهد، ولُوحِظ هنا أنّ الدورةَ الاقتصاديّة في المحافظةِ بدأت تشهدُ انتعاشاً، فالمبالغ التي كان يصرفها عشراتُ آلاف الطلّاب سنويّاً في جامعاتٍ ومعاهدَ حلب ودمشق واللاذقية وحمص باتت تصرف فيها.

من بعد بدءِ الحربِ على سورية في عام 2011, وتدمير المسلّحين للمعامل والمصانع في مدنِ الداخل كمعملِ البيرة في "الهامة" ومعمل "تاميكو" للصناعاتِ الدوائيّة وكلاهما بريفِ دمشق، ومصانع حلب في "الشيخ نجار" وسرقتها من قِبَل النظام التركيّ، سُمِحَ بترخيصِ معملينِ للأدويةِ في محافظة طرطوس (ريف صافيتا) وهما من أصلِ نحو تسعين معملاً كانوا موجودين في معظمِ المحافظاتِ السوريّة باستثناءِ الساحل!

وعلى الرغم من أنّ الحربَ ومفرزاتها، كتدمير الاقتصاد الوطنيّ، دفعت بالحكومةِ السوريّة للترخيصِ لإقامةِ المعاملِ في المناطقِ الآمنة (كالساحل) بغيةَ الحفاظ على أبسطِ مقوّمات الاقتصادِ الوطنيّ، غير أنّ المعوّقات عادةً ما توضع في وجه المستثمرِ الوطنيّ، خاصّةً إذا ما كان ابن المنطقة، هذا ما حصلَ مع صاحب فكرة مشروع معمل البيرة (المغترب عادل ناصر) الذي سرعانَ ما نَسِيَ الفكرةَ لكثرةِ المعوّقات التي واجهها، وقفلَ عائداً إلى بلاد الاغترابِ (ألمانيا). وحالياً، يُعاني المغتربُ علي عجيب من معوّقاتٍ شبيهةٍ فـ"رغم مضي أكثر من ثلاثة أشهر على موافقةِ رئيس الحكومة.. وشهرين على قرارِ الوزير.. ما زالت الإضبارةُ في أروقةِ وزارةِ الأشغالِ والإسكان"! (الثورة، موقع سيرياهوم 15 شباط 2018). ويقولُ العارفونَ ببواطنِ الأمورِ إنَّ أيادٍ خفيّة في بعضِ الجهات تعملُ لمنعِ الترخيصِ لمصنعِ الحمضيّات العائدِ لأحدِ المغتربين في طرطوس.. نقولُ ذلك لأسبابٍ عديدةٍ بعضها قديمٌ وبعضها الآخر جديدٌ لا يتّسعُ المقامُ لذكره.

توضعُ المعوّقات أمامَ السيّد عجيب, برغمِ الحاجةِ الماسّةِ للساحلِ لهكذا معمل، خاصّةً إذا علمنا أنّ كميّة ما يُتلَفُ سنويّاً من البرتقالِ والحمضيّات، بسببِ سوء التصديرِ، وتغطيةِ السوقِ الداخليّة، يزيدُ عن 13 ألف طنّ!

ليس فائض الحمضيّات والبرتقال وحدها ما يُتلفُ في الساحلِ، بل محصول البندورة والخيار وما تبقّى من مزروعاتٍ يشتهرُ بها سهلُ عكار, والسببُ عدم وجودِ معمل كونسروة في المحافظةِ علماً أنّها تحتاجُ لوجودِ أكثر من معملِ كونسرة كي يفي بالحاجة.

الغريبُ في الأمر، أنّ الحكومةَ ذاتها التي كانت تحتفي بالمستثمرِ الخليجيّ (سابقاً, قبل 2011) مع أنّ هذا المستثمرَ لمْ يقدّم خدماتٍ ملموسةً على أرضِ الواقع (عدا جانب من القطّاع السياحيّ)، هي ذاتها الحكومةُ التي تحتفي بالمستثمرينَ العرب (الذين لم يعادوا سورية خلالَ هذه الحرب) في الساحل ذاته، فبتاريخ 16 شباط 2018 "بحث وفدٌ من رجالِ الأعمالِ الجزائريّين مع محافظ اللاذقية إبراهيم خضر السالم إمكانيّة إقامة معملٍ للعصائرِ وتوضيبِ الفاكهة الطازجة في المحافظةِ لتلبيةِ جانبٍ من حاجاتِ السوقِ المحليّة والتصديرِ للأسواقِ المجاورة"(سانا 17 شباط 2018), ويعتقدُ بعضُ المتابعينَ لمجرياتِ محادثات الوفد الجزائريّ مع المسؤولينَ في سورية، أنّ مطالبهم ستُلبّى، وهذا أمرٌ جيّدٌ، لكن ماذا عن المُستثمر الوطنيّ؟ ولماذا دائماً توضعُ المعوّقات أمامه؟!

تناقضات،ٌ وأسئلةٌ لا أجوبةَ لها.. تماماً، كما هي الحربُ الدائرةُ في بلادِ أبجد وهوّز، إذ لا يبدو في الأفق نهاية لها...

أُبي حسن

آسيا نيوز

تنويه: ذكر الزميل هيثم يحيى محمد, في صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي, أمس, أن مشكلة المستثمر علي عجيب قد حلّت, وأنّها نالت اهتمام محافظ طرطوس السيد صفوان أبو سعدى, لذا وجب التنويه.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4357456