الصفحة الرئيسية

كيف نشأت مشكلة "أجانب تركيا" في سورية؟.. الإحصاء الاستثنائي في سورية وجروح الهوية الوطنية السوري

قامت الحكومة السورية إبان مايعرف في التاريخ السوري بمرحلة "الانفصال"..

في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1962 بعملية إحصاء استثنائي للسكّان في محافظة الجزيرة (الحسكة)، نتج عنها "تجريد" أو "حرمان" ما​ ​لايقل عن 28% من سكان المحافظة من الجنسية، وتصنيفهم تحت بند "أجانب تركيا" في البداية، ثم تحت بند "أجانب الحسكة" لاحقاً.

وقد قصدت الحكومة بذلك "متسلّلين أكراد" من جنوبي تركيا إلى هذه المحافظة بطريقةٍ غير شرعيةٍ.

تفتقد مدرسة التاريخ السوري إلى أيّ توثيق أكاديمي موضوعيّ لعملية "الإقصاء" هذه، التي تمّت تحت عنوانٍ قانونيّ "حيادي" هو "الإحصاء العام".
لم يبقَ إذاً سوى "التوثيقات" الإيديولوجية التي تصلح في مجال المقاربات السوسيولوجية والأنتروبولوجية للتعّرف على اتجاهات الرأي العام، لكنّها لا تصلح لمقاربة حقيقة المشكلة وسيرورتها.

وقد كان مشروع "سورية 2025" أوّل من قارب هذه القضية بشكلٍ شديد الوضوح والموثوقية العلمية، عبر الاستناد النقدي إلى البيانات الموثقة، التي وإن لم تكن متاحةً للعموم لكنها أتيحت للمشروع.

تحاول هذه المقالة - وهي ملخّص لبحثٍ أكبر وأشمل - أن تضع مقاربة جديدة تنطلق من قراءة المشكلة في سيرورة نشوئها وتشكّلها وتبلورها وتشخيص نتائجها، بصورة أكثر اتساقاً مع التاريخ كسيرورةٍ حية.

*

في أواخر آب/أغسطس 1962، أي في أواخر مرحلة ماتطلق عليه الأدبيات التاريخية اسم "عهد الانفصال" (عن الجمهورية العربية المتحدة)، وعلى خلفية أزمةٍ حادةٍ ذات اتجاهاتٍ مركّبةٍ وشديدة التعقيد طوّحت بحكومة بشير العظمة اليسارية ذات الاتجاهات الوحدوية، والتي اتخذت موقف" الحياد" في الحرب العربية الباردة بين الرياض والقاهرة (16 نيسان/إبريل - 13 أيلول/سبتمبر 1962)، شكّل خالد العظم حكومته الجديدة (17 أيلول/سبتمبر 1962 - 7 آذار/مارس 1963.). وكانت هذه الحكومة خامس حكومة وآخرها في مرحلة "الانفصال"؛ ودشّنت في تاريخ تطوّر الأدوار السياسية لخالد العظم ما يمكن تسميته بـ"مرحلة العظم الثالث" المحافظ في السياسات الاجتماعية، والتسلّطي في ممارسة السلطة، والباحث عن الرعاية الأمريكية، والمتهرّب من دفع ديونه الباهظة التي كفلتها الدولة لمصرف سورية والمهجر، وكانت مع فوائدها يومئذ تصل إلى 430 ألف ليرة سورية .

[1]، وهي صورة مختلفة عن صورة العظم الباشا التقليدي المستنير الأول (1940-1950) ​​​​​​التي​​ ​​ارتبط بها إنجاز أوّل قانون عصري للعمل في تاريخ البلدان​ ​العربية، ومحاولة مأسسة الدولة الفتيّة؛ كما أنّها مختلفة بشدةٍ عن صورة العظم الثاني أو صورة "المليونير الأحمر" في الخمسينيات، ولاسيما في أواسطها التي توّجها العظم بخطوته التاريخية في إبرام اتفاقية التعاون الاقتصادي والتقني مع الاتحاد السوفياتي في ذروة الحرب الباردة.

* قامت حكومة العظم الثالث في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1962، ولمّا يمضِ على تربّعها في الحكم أكثر من ثلاثة أسابيع بإجراء "إحصاءٍ عام للسكان في محافظة الحسكة".
وكانت وزارة الداخلية قد استغلّت شلل حكومة بشير العظمة التي باتت منذ أواخر آب/أغسطس 1962 في وضعية الحكومة المستقيلة نتيجة الضغوط الهائلة والضارية التي مارستها ضدها الرياض وغرفة تجارة دمشق ووكلاء شركات النفط، وجبهة النوّاب السابقين بقيادة خالد العظم وعصام العطار وأكرم الحوراني، وقرّرت في أيلول/سبتمبر 1962 القيام بهذا الإحصاء.

وقضى قرار وزارة الداخلية التفصيلي بإنهاء كافّة سجلات الأحوال المدنية السابقة المتعلقة بسكان المحافظة، وإجراء إحصاء عام جديد لسكان المحافظة سوريين و"أجانب" 2]

* اعتمدت عملية الإحصاء مؤشراً أساسياً في تثبيت الجنسية يقوم على اعتبار سورياً كلّ من كان مسجّلاً في قيود الأحوال المدنية قبل العام 1945، ومقيماً في سورية منذ ذلك الوقت وحتى إجراء الإحصاء.
لكن وزارة الداخلية أمهلت كل شخص مسجل في سجل الأحوال المدنية أن يستحصل خلال مدة شهر من تاريخ صدور هذا القرار على صورة عن قيده وقيد عائلته لإبرازها إلى موظفي الإحصاء المزمع إجراؤه في المحافظة كي يتم تثبيت تجنيسه

​ ​[3].

كان الهدف من ذلك التمييز بين السكان ، هو حصر سكان الحسكة غير المسجّلين في قيود الأحوال المدنية، إذ أن عدد السكان السوريين المقيّدين في سجل الأحوال المدنية مثبّت ومعروف.

* ولكن لم يكن مؤشّر التسجيل في قيود الأحوال الشخصية واقعياً؛ لأنّ ظاهرة المكتومين الذين ليسوا مسجّلين كانت منتشرةً لدى العرب والأكراد على حدٍّ سواء في ذلك؛ وهي ظلت منتشرةً بدرجاتٍ أقلّ خلال العقود القادمة التي تلت عملية الإحصاء، وماتزال منتشرة حتى الآن بمعدّلاتٍ مرتفعةٍ نسبياً في محافظات المنطقة الشرقية في سورية.

هكذا لم يكن الهدف من الإحصاء هو توثيق المسجّلين، بل توثيق من تمّ وصفهم بـ"المتسلّلين" أو ما سيطلق عليه اسم "أجانب تركيا"، ثمّ" أجانب الحسكة" بعد اعتراض السلطات التركية على استخدام هذا الوصف.

* ولهذا قامت سلطات الإحصاء بالتوثق من الهوية الاثنية لـ"المكتومين".
وكان التوثّق يتمّ وفق نمط علاقات السلطة والمجتمع يومئذ عن طريق موظّفي جهاز الدولة، ومخافر الشرطة ومفرزة الشعبة السياسية، والوجهاء وزعماء العشائر الذين لم تكن مصالحهم تخلو من التضارب.

وتمّت عملية الإحصاء برمّتها تحت إشراف عرّابها الحقيقي الذي دفع بها من ألفها إلى يائها: (سعيد السيّد) محافظ الجزيرة؛ وكان السيّد يصف نفسه في سيرته الذاتية بأنّه "قومي عربي متطرّف، واشتراكي المذهب غير متطرِّف، يعمل للوحدة العربية بكل جوارحه، وهي شغله الشاغل، وأمله الوحيد في الحياة" 4].

وكان السيد شقيقاً لة "جلال السيد" أحد مؤسّسي حزب البعث الذين انشقوا عنه مبكراً بسبب نزعاته الاشتراكية وموقفه من مسألة الوحدة مع العراق، لكنه لم يكن بعثياً، بل أقرب إلى الجيل القومي التقليدي الذي كان بعض رجاله متأثّرين بالفكر القومي المتطرِّف والشوفيني.
ولعبت اتجاهات السيد هذه دوراً حاسماً في تقرير نتائج واتجاهات عملية الإحصاء، بسبب إحكامه السيطرة على مركز السلطة في محافظة الجزيرة.

* هكذا نتج عن عملية الإحصاء تسجيل(85) ألف "مقيمٍ" في محافظة الحسكة في يومٍ واحدٍ بصفة "أجانب أتراك"، وكانت الأغلبية الساحقة من هؤلاء من بين "الأكراد"، اتّهموا بـ"التسلّل" من تركيا إلى سورية، في حين كان عدد السكان من العشائر العربية والسريان [5] الذين شملهم "التجريد" قليلاً.
وقد شكّل هؤلاء "المكتومون" الذين وضع لهم سجل خاص مانسبته 28% من إجمالي عدد سكان المحافظة المسجّلين والمقدّر يومئذ ب (302) ألف نسمة، في ضوء نتائج التعداد العام الذي تمّ في العام 1960، والذي كان أول تعداد عام يجري في سورية وفق الضوابط العلمية للتعدادات العامة 6].

* قلّص إذاً هذا التصنيف من عدد الأكراد ونسبتهم إلى المجموعات الثقافية - الإثنية الأخرى؛ وترتّب عليه إخراجهم من عملية الملكيّة والسياسة والانتخابات، وإضعافهم عموماُ مع قياداتهم في توازنات القدرة Pouvoir والسلطة Autorité والثروة والتوزيع الإثني، لصالح منافسيهم الأشدّاء وهم :
" الآشوريون" الذين استوطنت موجتهم الحديثة في القرن العشرين في المحافظة خلال سنوات 1933- 1936بموجب اتفاقية فرنسية - ​ ​عراقية برعاية عصبة الأمم
وتمويلها، بعد الأزمة التي حصلت لهم في العراق.

* لم يكن عدد سكان الجزيرة يومئذ كبيراً بسبب أنها كانت ماتزال في مرحلة "التوازن السلبي" في مراحل التطوّر الديمغرافي للمجتمع السوري، أيّ المرحلة التي يكون فيها معدّل النمو السكاني صفرياً بسبب حصد الوفيات للولادات، بينماكانت المناطق الأخرى في سورية قد دخلت في مرحلة النمو السكاني السريع.

* من هنا كانت المحافظة تحتلّ يومئذ المرتبة السادسة بعدد السكان بين المحافظات السورية، وتتّسم بما تطلق عليه أدبيات السكان والتنمية بـ"التخلخل السكاني"؛ في حين أنها كانت قابلة إلى أن تحتلّ المرتبة الثالثة على الأقلّ.
وكانت تصورات خطط التنمية ترشّحها لاستيعاب أعدادٍ كبيرةٍ من السكان بسبب الثورة الزراعية الحادثة فيها، وتوسّع مشاريع الري واستصلاح الأراضي (بحيث دعيت تلك المنطقة حينها "كاليفورنيا الشرق")؛ والأهم في عوامل زيادة الاهتمام هو ارتفاع وتيرة العمل لتصميم بناء سد الفرات الذي خطّط له أن يضاعف المساحات المروية من الأراضي القابلة للاستصلاح والاستثمار والزراعة، واكتشاف النفط فيه بكميات تجارية.

* إعادة تعريف منطقة الجزيرة: مفارقات أولى

* كان تعريف منطقة الجزيرة يتمّ دوماً منذ نهاية الأربعينيات بواسطة مفهوم الزراعة التي تشكل المصدر الأساسي للناتج المحلّي الإجمالي السوري؛ لكن اكتشاف النفط الثقيل فيها بكميات تجارية أخذت تتنافس على استغلالها الشركات النفطية الأوروبية والأمريكية المتوسطة في العام 1962 على وجه التحديد أضاف مصدراً ثانياً أساسياً لتعريفها، وهو تعريفها بواسطة أهميّة النفط . إذ كانت الحكومات السورية الخمس المتتابعة في مرحلة "الانفصال" قد باتت مقتنعةً أشدّ الاقتناع بأنّ سورية قد باتت قابلةً للتحول إلى منتجٍ "صغيرٍ" للنفط.

* برز تعريف منطقة الجزيرة من خلال النفط في اعتبار حكومة العظم أن​ ​"عملية تسلّل الأكراد الأتراك إلى سورية" بأنها تشكّل مؤامرةً تهدف إلى توطين بعض الفئات غير العربية ضمن المثلث البترولي في سورية" [7]، وأن الحكومة عازمة على "بناء خط الأنابيب بين حقول النفط في الجزيرة وبين مصفاة بانياس، وبين مصفاتين جديدتين تعتزم الحكومة بناءهما" [8].
وكان ذلك مرتبطاً بإتمام حكومة العظم الثالث مفاوضاتها مع شركة "كونكورديا" الألمانية لاستغلال النفط السوري الثقيل الذي بات يومئذٍ قابلاً للإنتاج بكمياتٍ تجاريةٍ، سواء في الحقول التي استكشفتها "كونكورديا" في السويدية أم في حقول الهيئة العامة للبترول في كراتشوك.

* وتكمن المفارقة في أن عملية الإحصاء قد "جرّدت" مالا يقل عن 28% من سكان المحافظة من الجنسية، وجعلتهم عديمي الحقوق، وبالتالي فاقمت من مشكلة مايسمى في أدبيات السكان والتنمية بـ" التخلخل السكاني" بينما كانت تنمية الجزيرة على أسس الزراعة ومشروع سد الفرات من جهة، وكذلك استغلال النفط من جهة ثانية يفترض اتباع سياسات توسعية تقوم على "التركّز السكاني"، والبحث عن زيادة عدد سكان الجزيرة لتوفير اليد العاملة الضرورية للمشاريع الجديدة.

التسويغات الأمنية والكيانية : صفحة غير منظورة في دور الأمن و زعامات الأكراد في المأساة

شكّلت التسويغات "الكيانية" أو "السيادية" مجرّد غطاء إيديولوجي لتبرير عملية إقصاء 28% من سكان محافظة الجزيرة عن المواطنة، ووضعهم في مأزق أن لا مكان لهم في الدولة.
هكذا قد تشكّل إجراءات الدولة المركزية "شؤماً" لكثيرٍ من مواطنيها؛ لكن "الويل كل الويل" لمن ليس له دولة كما يعبّر جوزيف شتراير [9] ..
إذ زادت عملية" التجريد" أو "الإقصاء" من هامشّيتهم؛ وهم بسبب أن معظمهم كانوا فلاحين فقراء، وغير متعلّمين، وخاضعين لسيطرة زعماء العشائر والعائلات الكردية ، لم يحسّوا في البداية بدلالات "الإحصاء"، لكن بعد فترةٍ وجيزةٍ جداً استيقظوا على " الكارثة"، أو على مايصفه شتراير بـ"الويْل".*

كان سعيد السيّد هو العرّاب الحقيقي لعملية الإحصاء، فهو من تولّى صياغة المسوّغات والتبريرات.
فقد قام بعد "تكريس" نتائجها بتبرير ذلك بقوله بأنّ هجرة الأكراد الأتراك إلى سورية "تشكّل خطراً كبيراً على سلامة سورية العربية" [10]، في محاولة لاستثارة الرأي العام السوري.
ولم يكن للعظم الثالث أية صلةٍ، لامن قريبٍ ولامن بعيدٍ، بإيديولوجيا السيّدة​"​القوماوية​"​ المتطرّفة؛ لكنّه استخدمها في مرحلة بحثه بشتّى السبل عن تكريس "الانفصال" تحت اسم الدفاع عن "الكيان الخالد" لتزويد سلطته بأدواتٍ إيديولوجيةٍ إضافيةٍ.

* من جهة أخرى لعب أيضاً دوراً في الأمر ، تنامي نشاط الحزب الديموقراطي الكردي ( البارتي) الذي تشكّلت هيئته القيادية الأولى في 14 حزيران/ يونيو 1957 من نخبةٍ محدودةٍ من المثقفين الشباب الأكراد، ثم تحوّل إلى مركز جذبٍ للجمهور الفلاحي الفقير والمعدم.
وفي حين لم تكن اتجاهات هذا الجمهور متطابقةً بالضرورة مع اتجاهات الحزب الفتيّ، ولكنّه كان القوة الكرديّة الوحيدة المنظّمة يومئذٍ، على شاكلة "الحزب السوفييتي" التي خبرها قادته ، إما بحكم كونهم من الشيوعيين السابقين أو من محيط الحزب الشيوعي السوري.

وقد تعرّض هذا الحزب إلى محاولة تفكيك في شباط/فبراير 1962 إبّان عهد الانفصال، حيث كانت جماهيره قد غدت أكبر من قدرة كوادره على استيعابها وتنظيمها [11]، وبات أكثر ارتباطاً بما يجري في العراق، وفي الاندراج في الثورة الكردية التي شرع بها مصطفى البارازاني منذ أيلول/سبتمبر 1961 ضد نظام عبد الكريم قاسم.

* ولكن للحقيقة لاتوجد وثائق تثبت أن "البارتي" قد واصل نشاطات​ ​"استفزازية" للسلطة السورية بعد حملة شباط/فبراير 1962، دفعت هذه السلطة إلى إلى أن تتّخذ أخيراً قرار "الإحصاء الاستثنائي" في أيلول-تشرين الأول 1962.
لكنّ صراعاً عنيفاً كان دائراً بين الزعامات الكردية التقليدية التاريخية وبين الحزب الصاعد في إطار موجة جماهيرية قوميّة كردية أذكتها الثورة في العراق، قد دفع القيادات الكردية التقليدية في إطار منظورٍ ضيّقٍ لمصالحها إلى تحريض السلطة على نشاطات "البارتي".

* استغلّ السيّد ذلك بشكلٍ بارعٍ، واستمر بضغطه على الحكومة لتقرير الإحصاء الاستثنائي، وتمكّن من ذلك في فترة شلل حكومة العظمة وتسليمها الأمر إلى العظم ​ ​"الثالث".
وقد اندرج العظم الثالث الذي شاخ فكرياً وسياسياً وتجاوزته التحوّلات في اللعبة.
في حين كانت هذه هي لعبة معقّدة للسيّد، بينه وبين كبار الملاك الأكراد الذين شملهم الإصلاح الزراعي، أو باتوا معرّضين لخطر الاستيلاء على ملكياتهم المشمولة به، وكانوا مستعدّين لفعل أيّ شيءٍ، حتّى تجريد مواطنيهم من المواطنة في سبيل مصالحهم الآنية، مدمّرين في الوقت نفسه قدراتهم ونفوذهم على المدى الطويل.

كانت هذه مثلاً هي محنة عائلة ( نظام الدين ) التي كانت إحدى المسبّبين بالإحصاء ، ومن ضحاياه في وقتٍ واحدٍ.
وكانت براعة العظم الثالث وبراغماتيّته في الانخراط في اللعبة بهدف تقويض قانون الإصلاح الزراعي تحت ستار إصلاح منطقة الجزيرة؛ حيث صوّت العظم بقوّة لإلغائه باسم "التعديل"، ودافع في تصويته ومواقفه وكلامه عن "إخلاء" الفلاحين أو "تهجيرهم" من أراضي كبار الملاك.

* الحقيقة الأساسية" الصلدة" المموّهة : هي الإصلاح الزراعي

* لطالما تداخلت المصالح مع السلطة في تاريخ سورية الحديث، وجعلت من الدولة مركبةً لأصحاب المصالح المسيطرين.
وقد اشتدّ هذا التداخل في مرحلة الانفصال بحكم أنّ عبد الناصر كان قد وجّه ضرباتٍ تاريخيةً كبرى لأصحاب القوة والنفوذ، تفتح المجال أمام توسيع مشاركة "العامّة" في قرارات السياسة.
ولم يكن عبد الناصر ليقبل أن يفرض عليه ​ ​"العامة" تأثيرهم، بحكم حجزه للسياسة في نطاق السلطة، لكن إجراءاته قادت هؤلاء "العامة" إلى إثبات حضورهم وقدراتهم حتى ولو تطلّب ذلك التضحيات والسجون بحيث تمّت ثورة "العامة" للمفارقة باسم عبد الناصر نفسه.

هكذا تعيد هذه المسألة القصة إلى بداية إشكاليتها​ ​.... إذ كانت عملية تثبيت الجنسية في الإحصاء الاستثنائي الخاص بمحافظة الحسكة قد اشترطت أن يكون السوري هو من كان مسجّلاً في قيود الأحوال المدنية قبل العام 1945، وأن يستحصل مسبقاً على صورة عن قيده وقيد عائلته لإبرازها وتسجيلها.

ولكنّ هذا الشرط كان غير واقعيّ في حدّ ذاته، ولايشكّل مؤشراً يعتدّ به في إثبات الجنسية، إذ أن ظاهرة "المكتومين"، آباءً وأبناءً معاً، كانت من أبرز خصائص المجتمع السكّاني العربي أو الكردي على حدٍّ سواء في محافظة الحسكة.

هكذا كانت تصفية حسابات القوّة والنفوذ والقدرة والسلطة جزءاً من عملية الإحصاء، أي من العملية المعقّدة التي قادت إليه.

* كانت وظيفة هذا المؤشّر الذي اعتمده الإحصاء الاستثنائي واضحةً تماماً، إذ صمّم بشكلٍ أساسيِّ على مستوى الدوافع والوظائف كي يتمّ تجريد الفلاحين الأكراد الذين استفادوا خلال فترة الجمهورية العربية المتحدة من الانتفاع بأراضي الإصلاح الزراعي المستولى عليها والموزّعة يومئذ، من حقوقهم في الانتفاع.

إذ أنّ عبد الناصر لم يميّز في توزيع الأراضي المستولى عليها بين كرديّ وعربي، ولا ​ ​بين كرديّ "أصلي" وكرديّ "متسلّل"، بل ميزّ بين كبار الملاك وبين الفلاحين.
وهو في الأصل لم يكن ضد قضية الأكراد بل أوّل زعيمٍ عربي اعترف بثقافتهم وحقوقهم الثقافية القومية، وقدّم براهين على ذلك 12]. *

لكن ما ​ ​أثارته حكومة العظم، وحاولت تهييج الرأي العام ضدّه هو أنّ هؤلاء المستفيدين من قانون الإصلاح الزراعي لم يكونوا سوى "متسلّلين" مشبوهين للحصول على ملكية الأرض، ممّا يهدد "أمن" سورية "وعروبتها" ثم "سيادتها".

فخلال فترة 17 نيسان/إبريل- 13 أيلول/سبتمبر 1962 لم تقدّم ولا شكوى واحدة تشير إلى أن هناك "أجانباً متسلّلين" قد استفادوا من قانون الإصلاح الزراعي في الجزيرة [13]، مع أن هذه الفترة كانت أكثرها تسريعاً لتطبيق القانون ممّا كان عليه إبّان فترة الوحدة.
لكن بعد تمكُّن الرياض والولايات المتحدة وغرفة تجارة دمشق وشركة "كونكودريا" المتضافرة مع جهود "العظم الثالث" من التخلّص من حكومة بشير العظمة، أثيرت هذه "الأكذوبة" التي لم يسمع مثلها إبّان حكومة العظمة.

* ولم تتعامل أيّ صحيفة سورية مهنيّاً مع هذه القضية ، كما صمتت عنها الأحزاب كافّةً بما فيها الحزب الشيوعي السوري الذي تميّز أكراد الجزيرة وسريانها بثقلٍ فيه.
ويعود سبب ذلك إلى أنّ الصحافة كانت إلى حدٍّ كبير خاضعةً لـ"التوجيه" الذي يجد سلطته في إنفاق رئيس مجلس الوزراء "الأموال المستورة" على أصحاب الصحف 14].
وفي ضوء ذلك قامت بعض الصحف السورية بتقدير أنّ عدد المتسلّلين خلال فترة الوحدة للانتفاع بأراضي الإصلاح الزراعي كان ( 50 ) ألف متسللاً [15] ..وكان ذلك نوعاً من "المبالغة التبريريّة" من أجل تجريد الفلاحين الأكراد البؤساء من الأراضي التي وزّعت عليهم إبان عهد الجمهورية العربية المتحدة.

* وفي الحقيقة، هناك فرق شاسع بين "المكتومين" وبين "المتسلّلين". ولكن حكومة العظم الثالث قد استخدمت توزيع الجمهورية العربية المتحدة في مرحلة عبد الناصر الأراضي على الفلاحين "المكتومين" على أنّها توزيع للأراضي على "المتسلّلين المشبوهين".
وقد كشف السيّد بشكلٍ صريحٍ للغاية وظيفة الإحصاء الاستثنائي من خلال قوله "إنّ توزيع الأراضي لا يجري جزافاً وعلى كلّ طامعٍ، وإنما يجري التوزيع على قواعدٍ ثابتةٍ محدّدةٍ، ولايتناول إلاّ أبناء البلاد فقط؛ أمّا الغريب فلن يكون له أيّ نصيبٍ في الأراضي التي توزّع" 16]

كان ذلك هو جوهر هذه القصة الرهيبة.

وقد شّكلت قضية قرية "أبو راسين" نموذجاً لها، تستحق إضاءةً تاريخيّة.
مشكلة قرية "أبو راسين": تواطؤ الملاكين الأكراد مع حكومة العظم ضدّ أبناء قوميتهم ..
كان النائب والوزير السابق "النافذ" في الخمسينيات ( عبد الباقي نظام ​الدين ) ​ينتمي تقليدياً إلى كتلة خالد العظم البرلمانية، وكان يمثّل معتمد العظم في توزيره في الحكومات التي يتعاقد على تشكيلها تحالفياً في إطار اللعبة السياسية-البرلمانية.
وقد اشتهرت قصّة هذا النائب بشره التملك، إذ ادّعى ملكية الأرض التي كانت الدولة ستقيم عليها مطار القامشلي، لكنّه خسر الدعوى وهو وزيرٌ للعدل في أوائل الخمسينيات.
ويعود ذلك إلى أن القضاء السوري في النصف الأول من الخمسينيات، قبل أن تتشكّل محكمة ( عفيف البزري ) السياسوية العرفية "الفاجرة" بحقّ القانون وإجراءاته كانت له حرمة و"عصمة"، إلى درجة أن ديكتاتوراً مثل أديب الشيشكلي قد اضطرّ إلى احترام إجراءاته في دعوى على أحد خصومه، في حين كان سيّد السلطة.

* كان ( عبد الباقي نظام الدين ) يملك أشياءً كثيرة لكنّ إحدى ممتلكاته وأهمّها، وهي قرية "أبو راسين" في الحسكة قد تعرّضت إلى استيلاء الإصلاح الزراعي عليها.
هكذا قامت وزارة الإصلاح الزراعي إبان الجمهورية العربية المتحدة بتوزيع أراضيه المستولى عليها على الفلاحين، وتمليكهم حيازاتهم لها بموجب سنداتٍ نظامية.
وكان نظام الدين قد دخل في خلافاتٍ مع إخوته وأقربائه حول ملكيتهم "المشاعة" لهذه القرية كما في ادعاءاتهم القانونية.
وبغية التخلّص من الفلاحين المنتفِعين بتوزيع أراضي الدولة عليهم، ادّعى نظام الدين أنّ هؤلاء الفلاحين ليسوا "سوريين" بل مجرّد "أتراك" متسلّلين بهدف تملّك الأراضي تحت اسم الإصلاح الزراعي، و أنّه لايحقّ لهم التملك بسبب نقص أهليّتهم.
ولأسباب اللياقة سمّت الحكومة يومئذ هؤلاء الفلاحين باسم : "مكتومين" وليس "متسللين" ولكن كان المقصود بـ"مكتومين" أنهم أتراك وليسوا سوريين مسجلين[17]

* هكذا نشأ "تحالفٌ" غريب بين سعيد السيّد، وزير الإصلاح الزراعي في مرحلة حكومة مأمون الكزبري الانتقالية، وهي أوّل حكومة بعد الانفصال، وبين نظام الدين، حاول فيه سعيد السيّد أن يرغم كافة الفلاّحين المنتفعين بموجب سندات بتوزيع أراضي قرية "أبو راسين" على إخلاء الأرض، سواء أكانوا "مسجلين" في الأحوال المدنية أم "مكتومين" بدعوى أنّهم "أتراك" الجنسية.

* ثمّ تحولت قضية فلاحي قرية "أبو راسين" في شباط/ فبراير 1962 إلى إحدى أبرز قضايا المداولة في المجلس النيابي السوري.
ولكن بسبب نفوذ نظام الدين"التاريخي" في السلطة، فإن سكرتارية مجلس النواب السوري في عهد الانفصال قد شطبت الفقرة المتعلّقة به من سؤال أحد النواب، وهو ( نوري العار ف ) نائب حلب، وهو كرديّ ينتمي إلى الزعامات ولكنه كان متحسّساً بشكل مخلص لقضايا الفلاحين 18].

* وقد اضطرّ وزير الإصلاح الزراعي اللاحق بكري قباني ( الحزب الوطني-حلب ) : وهو وزيرٌ حلبي "شرس" اختير في منصب وزير الإصلاح الزراعي كي يلغي هذا القانون ، إلى منع نظام الدين "ظاهرياً" من فلاحة "أبو راسين"، وإجازة العائلات التسع "المكتومة" بتسجيل نفسها كي تتمتّع قانونياُ بسندات التمليك، بينما بقيّة المنتفعين كانوا من غير المكتومين 19].

* أما القصة الكاملة لقرية "أبو راسين" نفسها فكانت في الحقيقة قصّة أراضي دولة وضع ( نظام الدين ) حين كان في السلطة ، يده عليها، واعتُبِرَ بموجب القانون مستأجراً لها مقابل 3 آلاف ليرة سنوياً.
وفي آخر محاولة له لمعاودة استيلائه على هذه الأرض اقترض نظام الدين مبلغ40​​ ​​ألف ليرة سورية من مصرف سورية والمهجر كي يثبّت حقه في استثمار الأرض
وعدم "هجرانها".
غير أن الحملة البرلمانية التي أرغمت الحكومة على إعادة النظر بقرار سعيد السيّد بإلغاء توزيع أراضي "أبو راسين" على الفلاحين، قد دفعته إلى التوقّف عن تسديد القرض، مما دفع مؤسسة الإصلاح الزراعي إلى حجز كافة ممتلكاته بما في ذلك الأراضي التي يحقّ له الاحتفاظ بها 20].
بينما سار سيده خالد العظم في طريقٍ آخر، فقد رفع دعوى على الحكومة كي لا يسدّد قرضه وأدخلها في "أغنية الشيطان" ورحل دون أن يسدّده، حيث كان قرض العظم بعد إسقاط حكومة ( الكزبري ) الفوائد عن الملاكين المقترضين من البنوك وغير المسدّدين لها قد بلغ يومئذ 300 ألف ليرة سورية، بينما كان قرض نظام الدين لايتعدّى 25 ألف ليرة سورية.
وقد لعب عدنان العيطة، مدير مصرف سورية والمهجر حينها، المعروف بميوله الناصرية الداعمة للإصلاح الزراعي، دوراً في الضغط على نظام الدين والعظم، مرسلاً الشرطة كي تحجز عليهما.

الحصاد المرّ لكبار الملاك الأكراد

كان (عبد الباقي نظام الدين) أحد أكبر "شياطين" عملية الإحصاء الاستثنائي حيث بادل سعيد السيّد حين كان وزيراً للإصلاح الزراعي "إخلاصه" للدولة حول "خطر المتسلّليين" عبر محاولة إخلاء الفلاحين "المتسلّلين" من أراضيه، إذ كان يعتقد أن إلغاء قانون الإصلاح الزراعي قد سار إلى نهايته.
ففي فترة حكومة(بشير العظمة) واصلت الحكومة اليسارية توزيع الأراضي دون أيّ تمييزٍ ثقافيّ أوعرقيّ أو إثني وبوتيرةٍ سريعةٍ جداً.
والحقيقة أن أحمد عبد الكريم قد أكمل الاستيلاءات على أراضي كبار ملاّك كانوا قبل سنوات سادة القرار في سورية.
وفي فترة "وهن" حكومة بشير العظمة تمّ تمرير مشروع الإحصاء الاستثنائي دون مناقشة حكومية حقيقية ، ليصبح هذا الإحصاء هو قضيّة حكومة العظم الثالث ، الأولى، لكن تحت اسمٍ مفخّم هو "برنامج إصلاح منطقة الجزيرة".

* تمّت عملية الإحصاء، وهي عملية سياسية-اجتماعية وليس أمراً فنياً على الإطلاق , حيث كانت الزعامات العشائرية والعائلية الكردية الكبرى حينها منقسمةً فيما بينها، ووقفت صفاً واحداً تقريباً ضد صعود الحزب الديموقراطي الكردي، وكانت تحاول جميعاً الدفاع عن مصالحها.
ودخلت في الحقيقة كطرفٍ فعليّ في عملية الإحصاء.

لكن صراع المصالح الضاري أدى إلى نتائج "مفاجئة"، فقد جرى تصنيف كثيرٍ من العائلات على مستوى الأسرة الواحدة نفسها إلى مواطنين ومكتومين ومتسرّبين.. حتّى أنّ عائلة نظام الدين نفسها كانت منقسمة أشدّ الانقسام حول الملكية، وصلت منازعاتها إلى القضاء، بل إلى محاولة التحكيم بالقبضات بحيث شملها من اعتبره الإحصاء أجنبياً متسلّلاً ومن اعتبره مواطناً.
وانطوى ذلك على فضيحة تمثلت في أنّ النائب والوزير السابق (عبد الباقي نظام الدين) بذاته، وشقيقه اللواء المتقاعد (توفيق نظام الدين) الذي كان رئيس هيئة أركان الجيش السوري في العام 1955 (الأدق مابين 56 – 57​ : كمال​) وأحيل إلى التقاعد،
وكان يقبض راتبه التقاعدي قد اعتبرا من "أجانب تركيا"، بينما لم يجرّد آخرون من عائلة نظام الدين من الجنسية 21].

* لم يكن الأمر مدفوعاً بسياسة نظامية مركزيةٍ من حكومة العظم الثالث ​ ​لـ"إبادة" الزعامات، بقدر ماكان​ ​نتاج حرب "الإبادة" بين هذه الزعامات.
هكذا سمحت فوضى الصراع لسلطة السيّد حتّى بتجريد أبناء إبراهيم باشا الملّي وأحفاده من الجنسية، وهم الذين كانوا سادة الجزيرة خلال الفترة العثمانية وحتى آواخرها، وحاربوا الانتداب الفرنسي ليس لدواع وطنيّة وقومية، بل للدفاع عن سلطاتهم التاريخية الكبرى التي كانت لهم بالفعل. وقد تمكّن هؤلاء بيسرٍ من استعادة الجنسية.

برنامج إصلاح الجزيرة: تعريب وتحضير وبوليس مدجّج للاستيلاء على نهر الذهب

في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 1962 استكملت حكومة العظم وضع مبادىء برنامج إصلاح منطقة الجزيرة، وتولّى سعيد السيد محافظ الحسكة واللواء عزيز عبد الكريم وزير الداخلية صياغته الأخيرة في ضوء المداولات البينية مع الوزراء [22] .

* لم يكن هذا البرنامج في حقيقته إلا ستاراً لعرقلة تطبيق وتنفيذ الإصلاح الزراعي تحت اسم مواجهة المؤامرة "المشبوهة" لـ"لمتسللين".
فطموحاته التنموية كانت "فارغةً" من المعنى، لأنّه لم يكن هناك في الموازنة العادية والاستثمارية المعتمدة ما يساعده، سوى في بند قوى الأمن الذي كان حصيلة البرنامج الفعليّة.

أمّا اهتمام جهاز السلطة في مرحلة العظم الثالث بمنطقة الجزيرة، فقد أتى من أنّ التركّز الأكبر لكبار الملاّك المشمولين بالقانون هو فيها؛ فقد بلغ عددهم في الحسكة (1036) ملاكاً يشكّلون 32% من إجمالي عدد الملاكين الشمولين البالغ 3240 مشمولاً.
كما كان التركّز الأكبر للأراضي المشمولة بقانون الإصلاح الزراعي هو أيضاً في الحسكة، إذ بلغ 37.6% من إجمالي الأراضي المشمولة بالقانون، تشكل الأراضي المروية منها مانسبته 20.7% إلى إجمالي الأراضي المروية في سورية، أو ما يفوق خمسها المشمول.

* إضافةً إلى ذلك، بلغت نسبة الأراضي التي تمّ الاستيلاء عليها فعليّاً حتّى حينه النسبة الأكبر في سورية : 56.6% من مجمل الأراضي المشمولة مقارنةً مع 38% لمجمل سورية، و28.2% من مجمل الأراضي المروية المشمولة مقارنةً مع 15.2% لمجمل سورية 23].

* لقد شكّلت هذه الوضعية مصدراً للأطماع بـ"نهر الذهب"، والتمتّع على الأقل بحريّة بالنصف الثاني منه، بينما يتمّ عرقلة استفادة الفلاحين من نصفه الأول ضمن دوامة "أغنية الشيطان" التي اقترحها سعيد السيّد.

لقد كان بؤساء الـ 85 ألفاً عشية ذلك اليوم "الجهنّمي"، يوم الإحصاء، هم ضحايا طمع سادة السياسة والسلطة في سورية بـ"نهر الذهب"، بمن فيهم الزعامات الكرديّة.
بحيث كانت عملية الإحصاء الاستثنائي فاتحة عمليّات حكومة العظم الكبرى، زرعت هذا الندب والجرح في الهوية الوطنية السورية.

* هكذا تمّ تغريب أبناء محافظة الحسكة في سورية داخل مسقط رأسهم، والذين لم يعرفوا سوى سورية وطناً لهم، في أواخر عهد جمهورية الانفصال التي قلّصت السلطة لصالح أصحابها.
أمّا اليوم، فقد آن لهذه المأساة أن تنتهي بضربةٍ واحدةٍ أي بقرارٍ واحدٍ يعادل وزنه قوّة خطّة إقصاء ثنائي السيّد-العظم لهؤلاء عن الدولة - الوطن.

* لقد آن لفضيحة ( العظم الثالث - السيّد ) التي "تخجِّل" تاريخ أي دولةٍ في العالم أن تنتهي، وأن تكون الدولة بالفعل لجميع مواطنيها.


المراجع :

* [1] مذكرات خالد العظم، الدار المتحدة للنشر، بيروت،1973، ج3، ص 236 *

* [2] كانت وزارة الداخلية وراء اتخاذ هذا القرار. وهذا ما يفسر قرار وزير الداخلية في 6 أيلول/سبتمبر بإصدار التعليمات التنفيذية للإحصاء.
وتبع ذلك اتخاذ وزارة التخطيط القرار رقم (57) تاريخ 9 أيلول/سبتمبر 1962، بتحديد تاريخ إجراء الإحصاء العام للسكان في محافظة الحسكة في يوم الجمعة 5 تشرين الأول/أكتوبر 1962.
وكانت اللجنة فنية بحتة، وكلّفت بـ"تنظيم عملية الإحصاء الميدانية" (الجريدةالرسمية، العدد رقم 48 لسنة 1962، ص 8245).
وقد صدر هذا القرار في اللحظة التي كانت فيها حكومة العظمة في وضعية المستقيلة، وبشكل محدّد قبل أربعة أيام من تقديم استقالتها رسمياً.
ولم تتخذ في هذه الفترة أي قرارات حكومية أخرى (محادثة في 15 تموز مع أحمدعبد الكريم).(

* [3] صحيفة الأيام 7 أيلول/سبتمبر 1962*

* [4] مادة سعيد السيد في: جورج فارس (محرر)، من هم في العالم العربي؟ الجزء الأول: سورية، 1957، مكتب الدراسات العربية، دمشق، 1957، ص ص323*

* [5] كان معظم سكان المحافظة عرباً وأكراد من العشائر المتحضّرة وشبه المتحضرة.*

* [6] محمد جمال باروت (المؤلف الرئيس)، اتجاهات التحول السكانية والمجالية المحتملة خلال العقدين القادمين، مشروع سورية 2025، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة تخطيط الدولة، دمشق، 2007، ص402.
استناداً إلى حسابات البحث لبيانات المجموعة الإحصائية لسنوات 1962-1976، ومقارنتها مع بيانات وزارة الداخلية حول حجم مايعرف الآن تصنيفياً بـ"أجانب الحسكة" ص 80.
وفي مرحلة الرئيس حافظ الأسد، تمّ التوسع بتيسير الاعتراضات الفردية وقبولها، وتطوّر ذلك في العام 1985 بتوجيهٍ منه إلى تجنيس( 29682 ) منهم بموجب إبراز وثائق من أيّ نوع تثبت سوريتهم، حتّى لوكانت إيصال ضريبة أو أي شيءٍ شبيه بذلك
​ ​وتم فتح الباب بشكلٍ واسع أمام عملية التجنيس.
ولكن الزيادة الطبيعية كانت كبيرة فيهم، بسبب دخول محافظة الحسكة في مرحلة النمو السكاني السريع في النصف الثاني من الستينيات، فبلغت 100 ألف نسمة
و35 ألف "مكتوم" في نهاية العام 2006 (المصدر السابق، ص402-403).*

* [7] تقرير موجز عن مداولات مجلس الوزراء بخصوص منطقة الجزيرة، الأيام 6/11/1962.*

* [8] جورج فارس: تقرير مكتب التوثيق السورية والعربية، من 17 إلى 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1962.*

* [9] Joseph R. Strayer: On the Medieval Origins of Modern State;

Princeton University Press; 2005 *

* [10] تصريح سعيد السيد، الأيام 6/11/1962.*

* [11] عبد الحميد درويش، أضواء على الحركة الكردية في سوريا، دون ناشر، دونةمكان، أيار 2005.

* [12] إضافة إلى توزيع الأراضي المستولى عليها على الفلاحين دون أي تمييزٍ قومي بين عرب وأكراد، خصّص عبد الناصر قسماً في الإذاعة باللغة الكردية، ووضع فيه محلاً للثقافة الكردية، ولم تظهر في عهده سياسات تمييزية ضد الأكراد سواءوأكانوا في الجيش أم في الإدارة .

راجع : جمال باروت: سياسات الإصلاح الزراعي في منطقة الجزيرة إلان الوحدة.
ةدراسة غير منشورة، 2009.

* [13] محادثة مع أحمد عبد الكريم وزير الإصلاح الزراعي في حكومة بشير العظمة تمت يوم 15 تموز 2009.*

* [14] العظم، ج3، ص348-349*

* [15] جورج فارس: تقرير مكتب التوثيق السورية والعربية، من 7 إلى 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1962.*

* [16] تصريح سعيد السيد، الأيام 6 ت2، 1962*

* [17] يشير وزير الإصلاح الزراعي بكري قباني إلى أن القرار المتعلق بقرية "أبو راسين" قد اتخذه الوزير الذي سبقه، ويعني به سعيد السيد (مداخلة بكري قباني، الجريدة الرسمية، مذاكرات المجلس التأسيسي والنيابي في 17 شباط1962، ص569) كما يتبين ذلك من خلال موقف النائب محمد نوري عارف (عفرين-حلب) الذي ساءل الحكومة خطياً عن خرقها ما تعهدت به في بيانها الوزاري من
"صيانة حقوق الفلاحين المكتسبة"، حيث يشير إلى أنه لمس شخصياً "محاولة وزيرالزراعة والإصلاح الزراعي الرامية إلى انتزاع هذه الحقوق المكتسبة منهم،وإعادة القرية إلى مالكها السابق السيد عبد الباقي نظام الدين"، وكان نوري عارف يقصد بذلك سعيد السيّد (الجلسة الثانية عشرة في 2شباط 1962،
* مصدر سبقذكره، ص593)

* [18] تقدم النائب نوري عارف بثلاثة أسئلة إلى ديوان مجلس النواب، فاعتمد الديوان سؤالين وأهمل السؤال المتعلق بـ"حقوق بعض الفلاحين في ناحية أبو راسين التابعة لمنطقة القامشلي (نوري عارف، الجلسة الحادية عشرة في 17 شباطة1962، الرسمية،رقم19 لسنة1962، ص519)*

* [19] مداخلة بكري قباني، الجريدة الرسمية، مذاكرات المجلس التأسيسي والنيابي في 17 شباط 1962، ص569)

* [20] في 23/9/1962 صدر قرار عن مؤسسة الإصلاح الزراعي بنزع يد عبد الباقي نظام الدين عن كافة الأراضي التي يستثمرها بما في ذلك الأراضي التي احتفظ بها وكل ماعليها من محاصيل وأداوت ومنشآت لتسديد الديون المترتبة على نظام الدين لصالح مصرف سورية والمهجر وقدرها 25 ألف ليرة سورية (الجريدة الرسمية، العدد رقم 50 لسنة 1962، ص8715).

* [21] تمّ الأمر كلّه خلال يومٍ واحدٍ تمكن خلاله أعداء عبد الباقي داخل عائلته وخارجها من التدخّل للتخلّص منه عبر تجريده من الجنسية؛ وانتهزها السيّد فرصة للتخلّص من الزعامات الكردية نفسها، فجرّد قسماً من عائلة نظام الدين من الجنسية.
حبكت إذاً "مؤامرات حقيقية" ذاك اليوم كان السيد فيها مرجع فضّ تسوياتها.

جمال باروت - تشرين الأول 2009

نقلاً عن صفحة الدكتور بهجت سليمان "خاطرة أبو المجد"

أضف تعليق


كود امني
تحديث

July 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
3429951