الصفحة الرئيسية

د. مضر بركات: لن نصنع أي إنجاز حقيقي ما لم نواجه الواقع بحكمة وجرأة..!

من البديهي أن يكون معاون الوزير من ذوي الخبرة والمؤهلات العلمية والكفاءة التخصصية، حيث من المفترض ان تقع على عاتقه أهم الواجبات المتمثلة بشكل رئيسي بإدارة فريق صناعة مسوغات القرار والدراسات التخصصية للوزارة، بينما يكون منصب الوزير عادةً موقع سياسي قيادي ولا يقتضي بالضرورة أن يكون ذا خبرة عملية في اختصاص الوزارة.. أ مضر بركات

وبناءً عليه، بفرض أن المرشح لمنصب معاون وزير كان قد تم تعيينه في الوظيفة بعد أدائه للخدمة العسكرية مباشرةً، فهذا يعني أنه بدأ الوظيفة بعمر 28 مثلاً.. فهل سيتمكن شخص ما من التدرج في المراتب الوظيفية لتحقيق الخبرة الكافية خلال سبع سنوات فقط ليتم ترشيحه لمنصب معاون وزير لمجرد بلوغه 35 سنة كحد أدنى للعمر، كما ورد في مشروع قانون تعيين معاوني الوزراء..!

على أي حال.. إذا كانت الحكومة تنظر إلى الأمر بهذا المعيار، فمن باب أولى أن تعيد النظر في الحد الأدنى للعمر في تعيين القضاة العدليين الذين يكاد بعضهم يبدو أبعد ما يكون عن الأهلية والكفاءة والنضج الوظيفي لتحمل مسؤولية البت في القضايا العدلية التي تحتاج إلى الحكمة ورجاحة العقل قبل الخبرة في القانون، والحكمة لا تخلق مع الإنسان بل هي تراكم خبرة يجري على مدى سنين العمر.. وهذه ليست وجهة نظر بل قوانين طبيعية عرفها والتزم بها عقلاء البشر منذ القدم فوضعوا تدبير القضاء في أيدي الكبار الحكماء الخبراء.. عكس ما نراه اليوم في محاكمنا.. ولا يتطلب الأمر سوى التدقيق بأمانة في أعمال محاكمنا كي يتبين الحال المزري للقضاء في ظل النهج المتبع في تعيين القضاة، ناهيك عن سوء الإدارة بحد ذاته في المؤسسات العدلية كغيرها من مؤسسات الدولة التي يعشعش فيها الفساد..

والأنكى من ذلك.. بدلاً من تشكيل هيئة استشارية مثلاً لقيادة ورشة عمل دائمة للتنمية والتطوير تقتصر مهمتها على وضع معايير وأسس لتقييم الكفاءآت وإدارة الموارد البشرية بطرق علمية لا تأثير للمزاج البشري عليها، وتنفيذ دورات تطبيقية مختبرية وليس نظرية في علوم الإدارة.. نرى الحكومة وقد فوضت وزارة التنمية بتقييم وترشيح الأفراد للمناصب.. بينما في الواقع نجد أن هذه الوزارة ذاتها ليست سوى إدارة أخرى من الإدارات العاجزة عن تطوير ذاتها، فهي ما تزال تعاني عجزاً في الكوادر والخبرات وتعتمد على الارتجال في تطبيق الطروحات النظرية التي لم تثمر منذ إنشاء هذه الوزارة سوى تنفيذ دورات تدريبية نظرية تعجز الوزارة عن إثبات جدواها..، بالإضافة إلى سيل من الوعود التي توحي كأنما لدى الوزارة طبخات ووصفات جاهزة لا تتطلب سوى (فقسة زر) كي تنجز إصلاحات على مستوى الدولة، علماً أن المعطيات تشير إلى عجزها عن تطوير آليات علمية فعالة بعيدة عن الارتجالية في تفعيل دورها في الحكومة.. فأي مصداقية علمية وعملية يمكن أن تحوز عليها هذه الوزارة للقيام بالمهمة التي تنطعت لها أو ألقتها الحكومة على عاتقها..!
وهنا سأكتفي بنموذج من معايير اختيار معاون الوزير كما ورد في وسائل الإعلام نقلاً عن مشروع القانون الذي قدمته وزارة التنمية..:
يقول مشروع القانون: "يتمتع المرشح بسمعة وظيفية في الإنجازات المتميزة التي حققها أثناء عمله السابق في مجال تخصصه، إضافة إلى السمات الشخصية والالتزام بأخلاق وقيم العمل وروح المسؤولية بتنفيذ القوانين والأنظمة النافذة.."..!

فأيّ معايير علمية هذه.. وأي أخلاق هذه التي يتحدثون عنها في زمن الفساد والإفساد..!

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل وزارة التنمية بلغت مرحلة الآهلية فعلاً للقيام بالدور المتوقع منها..!

لن نخوض في تفاصيل أهلية الوزارة فهي وزارة محدثة وأمامها الكثير من الجهد كي تصل إلى مستوى تحقيق الأهداف فعلاً.. لكن لا شك تَنَطُّعَها للقيام بهذا الدور على هذا النحو ليس سوى انعكاس لعجز الحكومة عن تقديم حلول علمية معيارية لإدارة الموارد البشرية واستثمار الكفاءآت، ولا تفسير لحصر هذه المهمة بوزارة التنمية سوى سوء التدبير والتخطيط.. فإما أن يفضي الأمر إلى مزيد من الفساد في بيع المناصب، وإما إلى مزيد من الفوضى وهدر الوقت والمال العام في محاولات عبثية لتطوير النهج الرديء في إدارة مؤسسات الدولة..

باختصار.. لا يمكن توصيف علاج دون تشخيص المرض.. وعليه.. إن ما طرحته الحكومة ومجلس الشعب في مشروع قانون معاوني الوزراء لا يبدو على مستوى المسؤولية العلمية والوطنية.. ويكاد يكون مجرد تخبط لا تفسير له سوى عدم الكفاءة..، وأما ما نحن بحاجة إليه فهو آليات تقييم علمي وجداول إحصائية تقرن بنظام محاسبة فعال وليس دوائر رقابة للعب دور نواطير وحرامية..، ويننعكس نظام المحاسبة هذا بالثواب والعقاب في سجل كل موظف وعلى السلم الوظيفي والمكافآت أو العقوبات المالية والمسلكية، دون أن يكون هناك دور لمزاج المدير والوزير في التقييم أو فرصة للتلاعب بنتائج التقييم، وبعد ذلك يمكن النظر إلى التقييم الأخلاقي للموظف..
وأما الدورات التدريبية النظرية فيمكن تقديمها في كراسات تثقيفية للموظفين..

وطالما نحن لا نملك منهجاً تعليمياً وتربوياً كما في الدول المتقدمة لتأهيل الكوادر القيادية التخصصية انطلاقاً من المرحلة الابتدائية حتى نهاية المراحل الدراسية، فإن أبسط الحلول المتوفرة هو اللجوء إلى التدريب المُجدي بإعادة تأهيل الكوادر من خلال إقامة ورشة عمل دائمة تُبقي الباب مفتوحاً للتطوير بلا حدود وضمن الإمكانات المتاحة في حينه، وبإشراف رئاسة الوزراء و وزارتي التنمية والتعليم العالي، ويمكن أن يُعتمد في هذه الورشة العمل نظام دورات التأهيل والتطرية (ريهابيليتايشن آند ريفريشمنت تريننغ كورسز) الذي تفرضه منظمة (أياتا) الدولية للطيران على كافة شركات الخطوط الجوية سنوياً وتمنح بموجبه شهادات تحدد أهلية المتدربين للعمل ومستوى تأهيلهم، وهذا النظام معروف لدى شركة الطيران السورية..
ويمكننا أن يدعى إلى ورشة العمل هذه بشكل دوري خبراء تخصصيين من سوريا ومن الدول الصديقة، حيث تقام من خلال هذه الورشة العمل دورات مختبرية تطبيقية عملية حسب المعايير العلمية العالمية في مجالات الإدارة والخدمات الإدارية يتم تفصيلها لتعويض العجز التخصصي الإداري في مؤسسات الدولة وليس تفصيلها كما جرت العادة على قياس متعهدي دورات التدريب الذين لا تقل ضمائرهم تعفناً عن ضمائر مختلف الانتهازيين الذين تاجروا بكل شيء خلال هذه الحرب...
.
لتحيا سوريا...

أضف تعليق


كود امني
تحديث

February 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 1 2 3
عدد الزيارات
2440776