الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: كيف يصنع الرئيسُ "بشار الأسد" السياسةَ؟

[الحلقة السابعة والعشرون "27" من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»]أ بهجت سليمان في دمشق


(من "جبل الأولِمْبو" إلى العنايات الإلهيّة)

{كيف يصنع الرئيسُ "بشار الأسد" السياسةَ}

د. بهجت سليمان

يُعتبر فعل الإحالة من الواقع إلى قراءته أو قراءاته المتعددة و المختلفة، يُعتبرُ فعلاً مرتبطاً بما يُثيره الواقع نفسه من متطلّبات للتّفسير. ذلك أنّ مختلف صنوف التّفسير و استراتيجيّات دوافعه و أهدافه ترتهن، بالتّأكيد، لموافقتنا على تعوّد الواقع و اعتياد حركته في الأحداث التي لا تثير الغرابة أو الدّهشة، أو في عدم قبولنا اعتياد الحدث لكونه يُثير شيئاً جديداً أو مختلف الإيقاع عن الذي نتوقّعه أو نرغبه، أو لأنّه، الحدثَ، يشكّل مستجدّاً لا نعهد له مقدّمات.
و يحصلُ الأمر، على ما فرضناه، عندما تعتورنا الجدّيّة المسؤولة، أو عندما نتوجّسُ قلقاً أو رُهبةً أو خوفاً يرافق طرائقنا في التّفكير.

غير أنّ التّفكير الذي ينشدهُ العقل لا يُحصى هذه الإحصاءةَ التي تُشيرُ إلى قراءة جامدة، لا سيّما أنّه على "العقل" أن يُحيطَ حتّى بما يُدهشه، مع أنّ الدّهشة لا يمكن أن تعتري العقلَ، و إنّما هي أَوْلَى بمصير المُدخَلاتِ القادمة، برّاً.. أو أفقيّاً، عن طريق الأحاسيس!

و كنّا قد تطرّقنا، سابقاً، هنا على هذه الصّفحة، إلى مواضيع قريبة من قولنا إنّ "الحقيقة" هي شيءٌ غير ناجز الدّلالات، و هي مشحونة بالكثير من الذّاتيّات كالخيالات الخاصّة و الأيديولوجيّات الاعتقاديّة و أنانيّات التّحليل و أنويّات التّفكير.

نجتاز في التّاريخ، بسياسة الأرض، اليومَ، مرحلة متقدّمة ممّا بعد الحداثة؛ و ينطبق الأمر، ربّما، أوّل ما ينطبق، على السّياسات الدُّوَليّة باعتبارها المسرح الأقرب و الأوضح لمتغيّرات العقل العالميّ في "النّظام" ، تلك المتغيّرات التي تُصيب في آثارها، مباشرة، مصالح الشّعوب و المجتمعات الأكثر ارتباطاً بحياة البشرِ اليوميّة أو المباشرة في عالم بات منكمشاً إلى درجة يكون فيها التّأثير في أيّ بقعة، و لو قصيّة، فيه، تأثيراً يُصيب جميع أطراف هذا العالم في "النّظام" و لو في جزئيّات هذا "النّظام" و بخاصّة "الفوضى" التي هي جزء أساسيّ و تكوينيّ من هذا "النّظام".

إنّ قراءة العلاقات العالميّة في متواشجاتها الموضوعيّة، هي الوحيدة التي تمنحنا القدرة على استيعاب هذه المتغيّرات الحادّة، و تعطي العقل في تفكيره فرصته المعاصرة لأن يكونَ التّفكير السّياسيّ (الفكر السّياسيّ) الذي يُنتجه مضافاً إلى العالم، بدلاً من أن يُضيف العالمَ إليه؛ و هذا أمر منطقيّ وفق المنطقيّة "الصّوريّة"، على الأقلّ، التي تقبل بانضياف الجزء إلى الكلّ، و ليس العكس.
و إذا كانت القراءات السّياسيّة، في ما قبل العصر الحاضر، تعتمد أسلوب الاستيعاب و الاستقراء، فإنّ السّياسة الدّوليّة اليوم تتطلّب قراءة معمّقة لشبكة العلاقات و زخم الأحداث في تحليليّة مُغالية و أعني في تفكيكيّة حادّة، و مُبَرِّحَة، للحدث السّياسيّ الواحد وصولاً إلى دوافعه المعدودة في عداد البعيد، إضافة إلى عوامله و مقوّماته القريبة و المباشرة و التي تنأى، أحياناً، عن الملاحظة، أكثر ممّا تنأى تلك التي في أبعد التّوقّعات.

في الحقيقة، تتسارع الحاجة إلى الأفكار التي تستطيع أو التي ستستطيع مواكبة الحدث السياسيّ الذي يتسارع، هو، بدوره، في تشكيل المنعطفات التي تدخل فيها، و تظهر و تتخفّى، أحداث الحرب العالميّة السّوريّة، في إيقاعات غير مسبوقة و لا معهودة في السّياسات قصيرة النّفس التي صبغت العلاقات الدّوليّة و الإقليميّة، بسحنة فظّة في العالم ما قبل هذا "النّظام العالميّ" الجديد.

فمن تفكيك المعادلات و الاتّفاقيّات الدّوليّة التي رافقت أعراف السّياسات العالميّة حتّى أوائل هذا "القرن"، إلى تفكيك الأفكار و اكتشاف جمودها و تواضعاتها المفهوميّة المعبّرة أو غير المعبّرة عن حصيلة مفردات لغة تطوّر القوّة في "العالم" (القوّة العسكريّة و الاقتصاديّة مثالان محدودان في هذا السّياق)، إلى تفكيك الكتل السّياسيّة العالميّة، إلى تكريس مفهوم "التّفكيك" في ذاكرة المستقبل عن طريق صناعة و رعاية "الإرهاب"..، إلى قدرة "النّظام" نفسه على القبض على آفاق التّطوّرات الثّقافيّة.. و تصنيع الأنماط الإنسانيّة تصنيعاً رقميّاً..، إلخ؛

فقد ولّتْ حداثة التّكتّلات السّياسيّة المتحلّقة حول مفاهيم و شعارات التّنوير و "الثّورة الفرنسيّة" و "الحرب الباردة" و "عدم الانحياز"..؛ و انفتح الباب الخفيّ للدّاخلين فيه إلى عصر المستقبل الذي يبدأ، اليومَ، بتفكيك و تشريح الفكرة الواحدة و الفرد الواحد و الشّخص الواحد و الجماعة الواحدة، و كذلك المجتمع الواحد و الوطن الواحد و الدّولة الواحدة و الأمّة الواحدة..
مع أنّ هذا "التّفكيك" هو موضوع المادّة السّياسيّة التي يُعاد تشكيلها، طبعاً، في أطراف "النّظام العالميّ" الجديد، هذه المادّة التي هي، بالضّبط، محلّ اشتغال السّياسات العالميّة في حقولها "المفضّلة" و فضاءاتها المغرية؛ طبعاً هنا، يتساوى أن نقول إنّ "النّظام العالميّ" هو بقطب واحد أو بقطبين، أو إنّه متعدّد الأقطاب.

عندما يتغيّر "الواقع"، فإنّه من الطّبيعيّ أن تتغيّر معه طرائق التّفكير، و بخاصّة عندما يكون مُلحّاً علينا، هذا الواقع، و هو يطلب أجوبة سريعة على تغيّرات دراماتيكيّة مباغتة و متفوّقة و سبّاقة من حيثالأداء مقارَنةً مع تقاليد التّفكير.

لقد تجاوزت الحرب السّوريّة ما كان مخطّطاً لها.. أو ما كان متوقَّعاً منها و ما كان يبدو أنّه نتائج منطقيّة لها في عالم لا منطقيّ. و إنّه في العالم الّلا منطقيّ تصبح ضرورات التّفكير العقلانيّة و المفارِقة ضروراتٍ مطلقة.

في (سورية)، اليوم، تجاوزت الأفكار قابليّاتها للاجترار، و صار من المطلوب التّفكير السّياسيّ، و بخاصّة، في أداء الأفراد الفاعلين، بطريقة أكثر استراتيجيّةً، بحيث يُضاف إلى الاستراتيجيّات السّياسيّة في التّفكير ما هو من قبيل المواقف الجديدة الابتكاريّة إزاء الوقائع المتغيّرة في كلّ مكان و شأن.

و ثمّة من الوقائع المضافة ما يكفي لهذا التّحدّي التّاريخيّ الطّارئ في الجغرافيا و التّاريخ و الدّيموغرافيا و الأنثروبولوجيا و الاعتقاد و الاجتماع.
و من المفهوم كيف أنّ كلّ ذلك إنّما هو معطيات التّفكير الاستراتيجيّ الذي يعبّر، بصدقيّة و واقعيّة، على هذه التّحوّلات السّحيقة التي تصنع (سورية) المستقبل، و هو ما ينبغي أن يكون قاعدة في كلّ مل هو حاضرٌ و مستقبليّ من الدّراسة المستفيضة و السّريعة للمعطيات العمليّة التي تصنع القرار التّالي على كلّ صعيد.

نكاد لا نخرج، البتة، على موضوعنا إذا قلنا إنّ تغييراً مرافقاً يجب أن يلازم البناء الذي تبدو فيه عمليّة "إعادة التّعمير" مجرّد تعبير عنه بما هو مخاوف و قلق و اهتمام و جِدّيّةٌ موعودة في "القرار"، مع أنّ الكثير من الوقائع العمليّة في الممارسات الواقعيّة المؤسّساتيّة توحي بالتّواضع الشّديد مقارنة بالحاجات، لولا أنّ "القرار السّياسيّ" يبدو متجاوزاً جميع مستويات العمل التّنفيذيّ؛ و هذا ما قد أصبح، في سورية، بحكم العرف و العادة المؤسفة، منذ أكثر من نصف قرن.

إنّ حدث "الحرب"، في مناسبة هذه القراءة، يمكن أن يُقرأ بمستويين:

المستوى الأوّل، هو أن نخرج بنتيجة ألمحنا إليها أعلاه، و هي أنّ "الحرب"، بمفاعيلها، لا تنتظر المخطّطين لها، و إنّما هي تتجاوزهم، حتّى أنّها يُمكن أن تفاجئهم، أيضاً، في انحرافاتها، النّسبيّة منها و المطلقة؛

و لهذا الأمر أثران، أحدهما سلبيّ و الآخر إيجابيّ، بشرط مواكبةِ تفاصيل "الإيجابيّات" المرافقة للمآسي الغالبة.

و أمّا سلبيّات الحرب، فهي ممّا لا يحتاج، هنا، منّا، إلى أيّ بيانٍ، بعد كلّ هذه المظاهر الفتّاكة للنّتائج التي تحدّثنا عليها، هنا، مراراً و تكراراً، أو التي تتكاثر أمامنا يوماً بعد يوم؛

على حين أنّ "الإيجابيّات"، إنّما هي من صنف هذه "الخبرة" الواسعة التي تحمّل و تجاوزَ الشّعبُ السّوريّ الشّريف و جيشه الأسطوريّ امتحان تجربتها "السّورياليّة" (أو ما فوق الواقعيّة)، فكان لهم شرف هذا الصّبر التّاريخيّ الذي أبدوه؛ و لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أن تبقى هذه الخبرة النّضاليّة الوطنيّة ممّا يُبنى عليها.. في مستقبل النّتائج و البيانات.

و المستوى الثّاني، هو الضّرورة التّاريخيّة لعدم التّفريط في هذه "الإيجابيّات" التي سَتُسْطَرُ و تتأسطر في التّاريخ على أنّها مزايا "أنثروبولوجيّة" للسّوريّ و هي تستحقّ الدّراسة، تحت طائلة ارتدادها عكسيّاً، كأحد مفاعيل التّاريخ الماكر..، أيضاً، عندما لا يؤخذ مضمون هذه "الظّاهرة" النّادرة في الزّمان على جدّيّة الأخذ في مقوّمات توزيع غنائم الحرب الرّمزيّة توزيعاً عادلاً، بواسطة ما تستحقّه هذه القاعدة "الأخلاقيّة" (الاجتماعيّة و الفرديّة) من أخلاقيّات سياسيّة و إداريّة، لتصبحَ هذه مقوّماتٍ عرفيّةً سوريّة، تاريخيّاً، و هي تستطيع ذلك.

يستطيع "العقل"، إذا واتته فرصة القوّة و القرار، أن يخلق المفاجآت.

و في هذا المناخ السّوريّ العام الذي يُسوّغ لنا قراءته قراءة تفكيكيّة، فلسفيّة سياسيّة، يمكن أن نرصد فيه اتّجاهات خاصّة و جديدة على مستوى "السّياسة" و "الدّبلوماسيّة"، على الفكر السّياسيّ أن يتنبّه لها كقراءة وحيدة تجعل من التّصوّرات واقعاً على الأرض.

- أشياء و أفكار واقعيّة:

نمرّ اليوم، في (سورية)، بتفكيكٍ شامل سأختصر تسميته بإعادة صياغة القيم بما هي القيم محلّ نزعات و نزاعات في تاريخ الفكر و السّياسة و العمل.

و ما أعنيه من إعادة صياغة "القيم"، هو في ذلك المستوى من القرار الذي تتوازى فيه الجرأة مع الحداثة البعيدة و المتقدّمة في آفاقها و منظورها السّياسيّ المستقبليّ، الذي يعصو على الكثيرين من دعيّي المفكرين السّياسيين و آل فلاسفة المزعومين.
من الواضح أنّني أتحدّث على "القيم السّياسيّة" السّوريّة، المعاصرة, التي يختزنها "القرار السّياسيّ" المعاصر.

خلقت الحرب مناخاً جديداً للتّجربة القيميّة (الأخلاقيّة) التي تتنبّه إلى مستقبل المجتمع و مستقبل الوطن و الأمة، كمقابل لهذا الإعصار الذي ألمّ بسورية و شعبها الشّريف القويّ.
نحن يمكن أن نتلمّس مكامن قوّة السّوريين في الكثير من المظاهر و المواطن الحقيقيّة، فما من داعٍ للتّعداد.

و لكنّ الأهمّ في هذا المفصل إنّما هو مواكبة "القرار السّياسيّ" لتفاصيل هذا المخزون السّوريّ الهائل من الإصرار و التّصميم، على النّصر في حرب أسطوريّة، و الإصرار على العيش في الغدِ الذي بدتْ ملامحه أنّها لم تكن، في الحقيقة، قيد اليقين، على طول خطّ مسافة و صعوبات و مُحالات هذه الحرب.

من الطّبيعيّ أنّ إعادة صياغة القيم الأخلاقيّة (على اعتبار الأخلاق شيئاً معياريّاً متغيّراً في الزّمان و المكان) يُرافقه عودٌ إلى نقد القيم السّياسيّة التّقليديّة، و إنّ العكس، أيضاً، صحيح.

و إذا دققنا، قليلاً، بهذه الأطروحة أدركنا، مباشرة، كيف أنّ مفهوم "التّفكيك" الدّلاليّ هو جوهر صياغة "القرار السّياسيّ" المعاصر الذي ينهض بكلّ ثقله أسد بلاد الشّام، الرّئيس بشّار الأسد.

نحن أمام عصر جديد من طرائق التّفكير السّياسيّ، و على "فلسفة السّياسة" أن تتبعَ هذه الممارسة السّياسيّة في "القرار"، أو أن توازيها، و هذا في الأقلّ.

يتمثّل الجوهر الفلسفيّ، أو البنية الفلسفيّة، للقرار السّياسيّ السّوريّ المعاصر، في مسألة اقتصاديّة فلسفيّة نادرة و جديدة، و سابقة، في التّاريخ النّضاليّ الوطنيّ، و أعني بها هذه "التّبادليّة" الاقتصاديّة، القيميّة (من القيمة التّبادليّة، بلغة الاقتصاد) ما بين التّكلفة الباهظة للحرب، و ضرورة أن يتجاوز مردودها السّياسيّ جسامة هذه التّكلفة، في قرارات سياسيّة، كمحلٍّ للتّبادل، تتجاوز في مستقبلها القريب و الملموس جميع مستويات التّكلفة في ميزانيّة المطاليب و المداخيل، و أي "المدين و الدّائن" بلغة المحاسبة الاقتصاديّة القوميّة.

يجب أن يكون الحديث على هذه الدّرجة من "الملموسيّة"، ليتناسب مع ملموسيّة الواقع السّياسيّ الذي علينا أن نشهده، عبر أصعب القرارات السّياسيّة و أنضجها و أسلمها في مدرسة الوطنيّة السّوريّة المعاصرة التي يصوغها أسد بلاد الشّام، من جديد.

و إذا كانت "كلفة" هذه الحرب الظّالمة على السّوريين، قد تجاوزت الحدود "المعقولة"، فإنّ على الجميع أن يُدرك و يواكب القرارات السّياسيّة المكافئة و الحاصلة بواسطة أقصى "العقلانيّة" السّياسيّة، حيث تستغرق "العقلانيّةُ" حدودَ "المعقوليّة" و تختزلها إلى عنصر في الفاعليّة السّياسيّة و البناء التّاريخيّ.

ربّما أنّنا، و في تفكيك منطق "الحداثة" السّياسيّة، نعود إلى ما قبل الحداثة، و أعني إلى ما قد أسماه (ماكس فيبر) بالعالم المسحور.
طبعاً هو كان يعني بذلك تعددّ آلهة "العالم القديم المسحور"، و الذي جعلت منه "الحداثة" (حسب فيبر) عالماً معقولاً..!

ما يستقر في "سحريّة" عالمنا، اليوم، هو، بالفعل، تعدّد للآلهة و لو في سياقٍ غير "دينيّ"، و لكنه يأخذ من هذا "الدّينيّ" ما هو "كهنوتيّ" سياسيّ حقيقيّ، بمعنى أنّ الكثير من قراراته (العالم المسحور)، و بخاصّة على مستوى السّياسة و القيم الأخلاقيّة السّياسيّة، تبدو و كأنّها من فعل فاعل "عليٍّ" و "قدير"..!؟

هنا تكمن المفارقة التي قلناها أعلاه، حول استطاعة "القرار" السّياسيّ السّوريّ، على تواضع مقوّماته الموضوعيّة، أن يكون فاعلاً في عالم مفروض بقوّة "الآلهة"!
هذه مسألة ربّما يتجاهلها أو ينساها الكثيرون، فيما يُنكرها البعض الآخر في ساحات المواجهات و القتال.

من وجه آخر، نحن نعيش، اليومَ، عصراً مفارقاً؛ أو هكذا يبدو لنا على الأقلّ.

ثمّة اتّجاهٌ تفكيكيّ في التّفكير يطغى على كلّ المسائل و الأفكار و المشكلات و الآثار الإنسانيّة. و يطمح هذا العصر، بتفكيكيّة أفكاره و ثقافته، أوّل ما يطمح، إلى إلغاء وثوقيّة الكتابة. ليس للكتابة، أو للمكتوب بالّلغة، بحسب هذا الاتّجاه، أيّة قيمة أو مصداقيّة يُعَوَّلُ عليها أو يركن إليها أو تستحقّ التّصديق. و هذا اتّجاه خطير ، كما يبدو منه، يهدف إلى "البدء" من جديد، و كأنّه عصرٌ للبداياتِ و ليس لأيّة استمراريّة لأيّ شيء.

و بين هذا الاتّجاه، و اتّجاه سحريّة العالم المعاصر، بلاهوتيّته و كهنوتيّته، و بين اتّجاه تفكيك الأقدار السّياسيّة؛ نستطيع فقط، هكذا، أن نفهم أبعاد القرار السّياسيّ السّوريّ، و أن ندرك مداه الواسع في صناعة تاريخ المكان، كإضافة جوهريّة إلى التّاريخيّة السّوريّة الخاصّة، و المختلفة، و التي ما تزالُ حيّة تفعل فعلها في مواجهة التّغريب.

عرفت (سورية)، مع «حافظ الأسد»، مبكّراً، لغة التّفكيك السّياسيّة، و ربّما كان "الأسد الخالد" مدرسةً في التّفكيكيّة السّياسيّة التي واجه بها خرافات الحظائر و مقتنيات الانتماء.
لقد جعل له أفقاً سياسيّاً تجاوز الجغرافيا و التّاريخ معاً، و ذلك بتحالفاته و شراكاته الاستراتيجيّة السّوريّة مع الآخرين.

كان المطلوب هو التغلّب على أقدار الجغرافيا و التّاريخ، هذه الأقدار الصّنعيّة التي هي من "أخطاء" التّاريخ نفسه، أو قل من انحرافات التّاريخ غير الواعية.

و إذ أنّ الخلاف مستعصٍ، حتى اليوم، بالنّسبة إلى كون السّياسة علماً أو فناً، فإنّ ما يميّز خاصّيّة هذا الخلاف إنّما هو انفتاحه الدّائم على الجديد و التّجديد في العمل الإنسانيّ الذي لا تحدّه القوانين.

لا يقتصر "الكفاح السّياسيّ" على ما اقترحه (موريس دوفرجيه) من أنّه: "يجري في مستويين: يجري من جهة بين أفراد و فئات و طبقات تتصارع للحصول على السّلطة أو للمشاركة فيها أو للتّأثير عليها. و يجري من جهة أخرى بين السّلطة التي تحكم و المواطنين الذين يقاومونها".

[موريس دوفرجيه. مدخل إلى علم السّياسة. ترجمة الدكتور جمال الأتاسي و الدكتور سامي الدّروبي. دار دمشق للطّباعة و النّشر و التّوزيع. ص(17)].

و إذا كنّا لن نخوض هنا في طبيعة الحروب و الكفاحات السّياسيّة المسلّحة و غير المسلّحة، الدّاخليّة و الخارجيّة، ضدّ العدوان الخارجيّ أو في مواجهة عدوّ داخليّ للدّولة؛ لنضيف اختلافات أخرى مع (دوفرجيه)؛ فإنّه يكفينا أن نشير إلى اختلاف واحد مع التّعريف التّقليديّ للكفاحات المسلّحة ألا و هو "الابتكار السّياسيّ" الذي تخلقه الدّولة الحامية في مواجهة التّمرّد و العصيان النّوعيّ الذي يأخذ شكل الصّراعات أو الكفاحات المسلّحة.

و في هذه الحالة ليس على الدّولة أن تواجه العصيانات المسلّحة بالسّلاح فقط، و إنّما عليها أن تواجهها، أيضاً، بالأفكار و النّظريّات الجديدة التي تساهم في تفريغ و تسخيف الأسس النّظريّة التي قام على أساسها "الصّراع"، و أعني في "تفكيك" النّظريّة العامّة للصّراعات و الحروب عن طريق ابتكارات مستحدثة من النّظريّة و الفعل في وقت واحد.

الواضح لكلّ ذي بصر و بصيرة أن أسد بلاد الشّام، الرّئيس بشّار الأسد، قد خطا الخطوة الحاسمة في التّركيبة الوطنيّة، ذات البعد الإقليميّ و الدّوليّ، عندما تمكّن من فرض الحضور السّوريّ في مجريات و نتائج هذا الصّراع العالميّ على سورية، فكان أن أعاد إلى الواقعيّة السّياسيّة مفهومها الفلسفيّ الذي نستشفّه من قول (هيجل): "كلّ ما هو واقعيّ عقلانيّ، و كلّ ما هو عقلانيّ واقعيّ".

إنّ ردم الهوّة السّياسيّة ما بين "العقلانيّ" و "الواقعيّ"، هي مسألة محض فلسفيّة، و هنا نكون مع درس جديد و بليغ في "فلسفة السّياسة" التي تعتبر ذروة في "الفلسفة التّاريخيّة" في السّياسات و ذلك في استعادة مطاوعة المُحالات في استطاعات و طاعات فلسفيّة، شرطها الصّعب و الحاسم استبعاد نتائج السّياسة في نتائج السّياسة، نفسها، و استبعاد "الغرابات" عن طريق "غرابات" مكافئة، و هذا هو أفضل تفسير لقول (هيجل) في أنّ "السّياسة هي تغريب الاغتراب".

و على عكس "المنطقيّة الوضعيّة"، في السياسة، تلك التي لا يسعها إلّا أن تُقرّ و تعترف بالأمر الواقع في نتيجة تفاعلات الظّروف السّياسيّة السّالبة التي يؤيّدها واقعٌ محدود أو متواضع؛ فإنّ القرار السّياسيّ السّوريّ لم يبحث على نموذج سياسيّ يحتذى أو مجرّب في تاريخ الحروب و الصّراعات، بل، على العكس، إذ استحالت، في السّياسة السّوريّة، كلّ قائمة تفاوتات موازين القوى إلى قوّة فكريّة (عقلانيّة) سياسيّة جديدة في "القرار" الذي..
و لا بدّ، قد أخذ بعين الاعتبار انكماش العالم المعاصر في حدود رمزيّة ضيّقة و متقاربة؛ فأخذت سورية، بالتّالي، موقعها الذي عزّ على أقوى دول العالم المعاصر أن تتمكّن من احتكاره في لعبة السّياسات و صراع الإرادات و آفاق الطّموحات

إنّ السّياسة الخلّاقة لا تنتظر اكتشافاتها في النّظريّات السّياسيّة المكتوبة و المأهولة بالتّجارب التّطبيقيّة، و لعلّها، على العكس، هي ما يجعل للنّظريّة السّياسيّة العالميّة مستقبلاً مفتوحاً على الممكن و الحقيقيّ.

إنّ مسألة معاصرة الفلسفة السّياسيّة للسّياسات و النّظريّات السّياسيّة، هي بحد ذاتها "علمٌ" و لو أنّه غير مطروق الباب، بعد.

و إذا كانت الدّراسات النّظريّة الفكريّة، ما بعد الحداثة، تؤثر أهدافها في مواضيع كالثّقافة و الطّبيعة و الأنثروبولوجيا الشّعوبيّة البدائيّة (كما هو الأمر عند ستراوس و دو سوسير)، ففي رأينا أنّها ابتعدت (أو نكصت)، في الحقيقة العلميّة، عن الهدف "الإناسيّ" الذي يعني عالمنا المعاصر، من حيث أنّ "البدائية" الأنثروبولوجيّة للإنسان تبقى قائمة في الإنسان السّياسيّ المعاصر مهما تقدّم به الزّمان من جهة أنّه لا ينفد فيه الطّبيعيُّ تكوينيّاً أو بنيويّاً في عصر معيّن مهما كان هذا العصر متقدّماً في التّاريخ.

إنّ السَّعة التي هي في صميم تكوين الإنسان تسمح لنا، دائماً، بتجديد النّقد الأنثروبولوجيّ في البعد السّياسيّ للإنسان المعاصر، إلى درجة تجعل من دراسة "الإنسان السّياسيّ" ما بعد الحداثة، في العلاقات المبتكرة في سياق إنتاج الآثار، هدفاً حيويّاً دائماً لقراءة حتّى و لو كانت هذه القراءة تتطلّع إلى الجذر البدائيّ للإنسان، ذلك أنّ هذا الكائن لا ينفكّ يحمل دوافعه البدائيّة في أرقى أشكال و أحوال عيشه المعاصر.

و إذا كان الأمر على هذا النّحو، كما هو بالفعل، فإنّه ما من نظريّة سياسيّة أو نظريّات، بالجملة، ستكون كافية من أجل اجتراح الوسائل و الأفكار و الأفعال السّياسيّة التي هي في اختلاف و تجدّد يكفيان ليكون المعبّر عليها هو الإبداع في السّياسة و الابتكار في الفكر السّياسيّ.

و نحن، في هذا الإطار، علينا أن نقرأ هدفنا السّياسيّ الرّاهن في سورية، بحيث ننظر إلى العالم و كأنّنا نخوض غماره للمرّة الأولى، و هذا هو ما يميّز جرأة القرار السّوريّ مع بشّار الأسد.

سيكون علينا أن ننعم الفكر السّياسيّ لمواكبة السّياسات السّوريّة المعاصرة، كما سيكون علينا أن نتقدّم في مناهج النّقد السّياسيّ للموقف و الفكرة، في وقت واحد، خارج التقاليد السّياسيّة المُهينة التي يحفظها الانعزاليّون و السّياسيّون و السّاسة الببغاويّون ممثَّلين بقوى ما سمّي بِ"المعارضات" السّياسيّة في سورية و من لهم من المريدين الاجتماعيين و الأتباع.

و مثلما نشهد في السّياسات، اليوم، عودة صادمة إلى "الأصوليّات" الرّجعيّة، بخاصّة، في الإسلام و المسيحيّة، معاً؛ فإنّ مواجهة هذه النّزعة "النّكوصيّة" لا يمكن أن تكون بأفكار محفوظة، لا سيّما أنّ هذه "الرّجعيّات" التّاريخيّة و الأنثروبولوجيّة و السّياسيّة تطرح أمام العقل المعاصر الحيّ أسئلة جديدة تماماً فيما يخصّ الواقع العالميّ و النّظريّة أو النّظريّات العالميّة السّياسيّة، في وقت واحد.

- إضافات إلى الواقع:

في المناخات السّياسيّة الدُّوليّة الصّعبة يصبح العقل مواجهاً لأسئلة طبيعيّة تأسيسيّة جديدة لا يمكن له الإجابة عليها، في المسؤوليّة و الأمانة و الأخلاق و العمل، إلّا بواسطة التّجديد الشّجاع، ليس بإعادة صياغة القيم كما ذكرنا، أعلاه، و حسب، و إنّما، أيضاً ، بواسطة رؤية واقعيّة جديدة تضاف إلى مفاهيم و مضامين "الواقع" لتصبح جزءاً منه لتأليف المزيد.

لقد كان المطروح أمام القرار السّياسيّ، في أهوال هذه الحرب، سؤالاً يتعلّق بالوجود، أوّلاً، و بالممكنات، ثانياً، في هذا الوجود.

تفاقم الخطر الواقع على سورية و تعاظم إلى درجة كانت فيه (سورية)، كلّها، تاريخاً و جغرافيّة و شعباً و دولة، مهدّدة بالزّوال تحت سلطة هذا الخطر الذي أحدَقَ بكلّ تلك الثوابت و الأصول، و كان الرّهان السّوريّ و المطلوب الملحّ هو الخروج من دائرة براثن هذا الخطر.

أنتَ أمام الأهوال، إمّا أن تنهزم هزيمة اليائسين الجبناء و إمّا أن تواجه مواجهة المؤمنين الشّجعان.

شكّل الخيار الثّاني خياراً وحيداً أمام سورية الأسد، فكان لا بدّ من مصارعة هذا الغول الأسطوريّ الذي بات حقيقة و هو "الإرهاب" الإسلامويّ المدعوم من قبل جميع دوائر و أوساط و قوى الرّجعيّة العربيّة، بأموالها و مقاتليها، و دول الإقليم المتربّصة بسورية، و كذلك من قبل أوساط الغرب الصّهيونيّ- الإمبرياليّ بكل أسباب الدّعم الحديث و المعاصر بدءاً من السّلاح الفتّاك و التّدريب عليه مروراً بالتلقيم الاستخباراتيّ المتطوّر و نهاية بدعم الفضاء و الإعلام و الأقمار الصّناعيّة و وسائل حرب الفضاء.

استطاع الرئيس بشّار الأسد، في هذا التّحدّي العالميّ، تحدّي العصر، تحدّي القرن الواحد و العشرين، أن يتجاوز جميع "التّوقّعات" المعلنة و الضّمنيّة و التي تحمل في ثناياها الرّغبات المختلفة، سواءٌ من قبل السّوريين الوطنيين أو من قبل أعداء الوطن، فكان "الفيلسوف السّياسيّ" قبل أن يكون القائد "السّياسيّ" التّاريخيّ، الذي فاجأ العالم، هنا و هناك، ببساطة خياره و أسطوريّة هذا الخيار: "لا بديل أمامنا من النّصر".

أحياناً، و في غمرة أحداث التّاريخ الجسام، يتنزّل "الحقّ" كلّه بصورة الرّجال المؤمنين بعدالة قضاياهم، ليكون "الحقّ" نفسه، مجتمعاً، في مواجهة مطلق "الباطل" الذي تتوسّع به عاديات الزّمان..! و سِيّان، هنا، أن يُبذل من أجل تحقيق "العدالة" كلّ ما قد تيسّر و صُمّم، أصلاً، لهذا النّزال التّاريخيّ بين "حقّ السّماء" و "باطل الأرض".

يلاحظ القارئ، و لا بدّ، أنّنا نستخدم الّلغة الجليلة، في كلّ مرّة نلجأ فيها إلى تصوير جلال هذه الحرب العظيمة التي ضحّت فيها سورية، من أجل انتصارها، بأخيَرِ أكثرِ رجالها و شبابها و نسائها و شيوخها و أطفالها و مقدّراتها و ثرواتها و حاضرها و أحلامها، و لكن في سبيل قضيّة العزّة و المنعة و الكرامة المتمثّلة في الوجود الحرّ الكريم، صانع أمن المستقبل و أمانه و أهدافه المكتوبة على سورية و شعبها الشّريف في سجلّات الأقدار العاليات.

عادةً، يقترن إنتاج الأفكار المبدعة الجديدة في التّاريخ، بأوقات الوفرة التّأمّليّة في فراغات العمل، فيما تنصرف أوقات العمل لسدّ رمق الحاجات اليوميّة و الحيويّة المباشرة.

غير أنّ من يتأمّل "النّظريّة السّوريّة" في "الوجود"، يكتشف مفارقة قمينة بأن تُدرَّسَ و تُدرَسَ في أرفع المُقامات العالميّة البحثيّة و الأكاديميّة و الفلسفيّة السّياسيّة و فلسفة التّاريخ السّياسيّ.

لقد استطاع أسد بلاد الشّام، صاحب هذا القرار السّياسيّ التّاريخيّ الذي أحبط جميع أهداف هذه الحرب السّوريّة، و الحرب على سورية، و جعل من المُحال واقعاً ملموساً في الانتصارات المتواليّة ؛استطاع أن يُبدع "النّظريّة السّوريّة المعاصرة" في أثناء مواجهة تحدّي هذه الحرب العالميّة المعاصرة في أتون الحرب حيث لا وقتَ للتّأمّل في أوقات الفراغ، و حيث ليس هنالك من أوقات للدّعة و التّرف و الفراغ..!؟

هذه مفارقة جديدة في التّاريخ العسكريّ و السّياسيّ الإنسانيّ، و سوف يحتفظ بها تاريخ العالَم في ذاكرته لتكونَ مثالاً تحفّه أسرار الأرض و السّماء في صيغة الأقدار التي يُساهم في صنعها رجال القدَر.

حقّاً، لقد مَثّل (الأسد بشّار) صيغة اختلافيّة، و خلافيّة، من نظائر آلهة "جبل الأولِمْب" المتكرّرين في المكان و الزّمان..!؟

أحياناً، تحفر لها "الأسطورة" مستقرّاً ثابتاً و عميقاً في ذاكرة العالَم، حتّى يُخيّلَ إلينا أنّ "الأسطورة" نفسها كانت واقعاً تطلّبه توضّع "المعقوليّة" في عقلانيّة الفكرة التي أنقذت التّاريخ من عجزه المحتمل في الحَدَثان.

و لا مانع أمامنا، إذاً، أن نتحدّث على "العقل" في التّاريخ كتطبيقٍ "هيجليّ" (نسبة إلى هيجل الفيلسوف) في السّياسة، إذ أنّنا، نحن، نؤمن بأنّ ثمّة "عقلاً" في التّاريخ المُجَسَّد أحداثاً و أفكاراً و آثاراً و وقائع و ظاهرات، لا يُمكن إلّا أن يتشخّص، أوّلاً و أخيراً..، في "الواقع"، و ذلك مهما كان لهذا الواقع من صفات الإبهام و الغموض و التّأقيت و الإلغاز.

و منذ (أنكساغوراس)، ثمّ و بخاصّة (أفلاطون)، و حتّى يومنا هذا، مروراً بِ(هيجل)، فلقد اجتاز تاريخ "العقل" المسافة ذاتها التي اجتازها تاريخ "الله" في فكرتنا عليه، بحيثُ أنّ العالَم قد أبدى رغبة في الاستمرار على الرّغم من جميع محاولات الفقدان الدّلاليّ في أن تنالَ من منظومة الدّلالة التّاريخيّة في "المغزى".

يقول (هيجل):

"إنّ تفسير التّاريخ إنّما يعني تصوير انفعالات البشر أو الكشف عن عواطف الإنسان و عبقريّته و قواه الفعّالة التي تلعب دوراً كبيراً في المسرح الكبير. و المسار الذي تحدّده العناية الإلهيّة و الذي يُعرضُ على هذا المسرح يشكّل ما يُسمّى بصفةٍ عامّة "بخطّة" العناية الإلهيّة".

[هيجل. العقل في التّاريخ- المجلّد الأوّل- من محاضرات في فلسفة التّاريخ. ترجمة و تقديم و تعليق د. إمام عبد الفتّاح إمام. دار التّنوير للطّباعة و النّشر و التّوزيع. بيروت. الطّبعة الثّالثة- 2007م. ص(82)].

و نحن ميّالون، هنا، إلى نكون في اضطرارٍ إلى أن نوردَ ما هو أكثر دلالة فلسفيّة لما عرضنا له على طول فكرة هذا الحديث، في "نصّ" اقتباسيّ مديد، نسبيّاً، لنرى كيفيّات تواشج الأفكار، في الحقب المتوالية، في التّاريخ، أوّلاً، ثمّ لنرى كيف تتّخذ لها النّبوءات الفلسفيّة في السّياسة شكلاً مصيريّاً من أشكال الإيمان الذي تفرضه علينا وقائع الحياة التي تفاجئُنا في الّلحظة التي يوشك فيها اليأس أن يتصدّر، فينا، آليّات الإيمان.

يقول (هيجل):

"إنّ الإيمان الشّائع بالعناية الإلهيّة يتّخذ له مثل هذا الموقف"،

[و الموقف الذي يُشير إليه، هنا، (هيجل) هو معارضة "العوامّ" لمبدأ (أنكساغوراس)، "العقليّ"، الذي اتّخذه (سقراط) خطوةً، سبيلاً، لفهم الوَحدة بين العَينيّ و الكُلّيّ]..

"فهو يُعارضُ على الأقلّ استخدام المبدأ على نطاق واسع، و يُنكر إمكان التّوصّل إلى خطّة العناية الإلهيّة.
و مع ذلك فهذا الإيمان يفترض أنّ هذه الخطّة تكشف عن نفسها أحياناً في حالات جزئيّة معزولة، بحيث يُحفَّز الأتقياء على أن يتعرّفوا في الحالات الجزئيّة على شيء أكثر من مجرّد الصّدفة، أي أن يتعرّفوا على يد الله المرشدة، كما يحدث، مثلاً، عندما تصل النّجدة فجأة لشخصٍ يكون في حالة ارتباك هائل و بؤس عظيم.

غير أنّ هذه الأمثلة المتعلّقة بتدبير العناية الإلهيّة هي من نوعٍ محدّد جدّاً، و هي لا تتحدّث عن شيءٍ أكثر من إشباع رغباتٍ معيّن للفرد الذي تتحدّث عنه.
لكنّ الأفراد الذين ينبغي علينا دراستهم في تاريخ العالم هم شعوب، و شموليّات كلّيّة Totalities أعني دولاً: و من ثمّ فنحن لا نستطيع أن نَقنعَ بما يُمكن أن نسمّيه هذه النّظرة "التّافهة" للعناية الإلهيّة التي تريد للإيمان المشار إليه أن يَحصِرَ نفسه فيها، و كذلك لا يكفي الإيمان المجرّد غير المُعيّن بالعناية الإلهيّة، عندما لا يُقدّم لنا هذا الإيمانُ سوى فكرة عامّة عن وجود العناية الإلهيّة، دون أن يُقدّمَ لنا تفصيلات المسار الذي تسلكه. و إنّما ينبغي أن نوجّه جهدنا الدّائب إلى معرفة طرق و أساليب العناية الإلهيّة في التّاريخ، و الوسائل التي تستخدمها، و الظّواهر التّاريخيّة التي تتجلّى فيها و لا بدّ أن نبينَ ارتباطها بالمبدأ العامّ الذي ذكرناه فيما سبق".

[المصدر. ص(82- 83)].

في نصّ (هيجل) المميّز، هذا، نؤكّد معه إدراكنا لحقيقة خاصّة و ثابتة:

ليست من المصادفات التّاريخيّة، كما يُسمّيها البعض، أن يتولّى رجالٌ على التّخصيص مهماتٍ مرتبطةً بمصائر الشّعوب و المجتمعات و الأفراد و البشر.
إنّ الحجم الإلهيّ في الغاية السّياسيّة يتطابق دائماً مع تفاصيل السّيرورة على كوكبنا الأرض، على نحو يمكن تعميمه، بالإيمان بعدالة المساواة، على باقي أجزاء و أصقاع هذا الكون.

و السّياسة، شأنها شأن "السّلطة" السّاطعة على الموجودات، هي الجزء الإنسانيّ في المواردِ التي استقيناها على طول الخضوع البشريّ للتّكليف الغائيّ الذي يَرومَهُ المطلق في فكرته الأولى و المستمرّة في هويّة هذا الوجود.

كلّ الوجود ما هو إلّا شرحٌ متواضعٌ و مفهومٌ في إدراك العقل الإنسانيّ بالعقلانيّة التي تتوّج غرضَ الإنسان في ذاته و من أجل ذاته في انعتاقه من ربقةِ التّكليف الباهظ و المُتعِبِ في أجزائه التي تبقى خفيّة على تطاولات الخلاعة، التي يُبديها المشروع الإنسانيّ عندما يدخل، كعنصر خامل، في توالي حركة الأحداث في السّياسة العامّة التي يزعم اختراعها الإنسان بحماقاته الموصوفة.

و عندما لا يكون فعل "العناية الإلهيّة" فعلاً شاملاً و كلّيّاً- كما ألمح (هيجل)- فإنّه من غير الإخلاص أن يكون ذلك الفعل محلّاً للتّبجيل و الإجلال.

إنّ جميع ما يُبهرُ البشر في العمل، في السّياسة، في الحرب و السّلم، و في النّتائج المذهلة بعدالتها، إنّما هو ليس سوى تفاصيلَ مكمّلة و بسيطة في خطّة "العناية" التي تمسح بشموليّتها منظرَ العالم.

و عندما يتوفّر رجالٌ يُدركون الضّرورة و يتجاوزون توقّعات المحدوديّة السّياسيّة و يُحطّمون رغبات الضّآلة التي تعيّنت في كائنات ملفوظة من سجلّ الشّرف التّاريخيّ، فإنّ الذي يجري، على هذه الصّورة، هو، ببساطة، استجابة عبقريّة لخطّة الفكرة المطلقة في عالم ينبغي أن يكون مناسباً، بقدر ما تكون رؤيته الواضحة من الضّرورات؛ إذ أنّ فعل "العناية" لا يكتمل إلّا بوجود هذا الصّنفِ الأسطوريّ من الرّجال.

و لا بدّ لتاريخ الشّعوب من رجال يسطّرون الأشياء في أماكنها الوحيدة الصّحيحة، ليكون تاريخاً مشرّفاً تستحقّه الشّعوب الشّريفة؛ و نحن لا نَحيدُ عن العدالة عندما نقرأ، اليومَ، أحداث هذه الحرب و نتائجها، و بخاصّة، أيضاً، في الغدِ، فننظر بفخر إلى قائد تاريخيّ ستحفظ (سورية) إسمه، إلى أبد وجودها، كما سيحفظه العالم كعلامةٍ فارقةٍ في سجلّ الخالدين.
أكيدٌ أنّني أقول، بلغة أخرى، (بشّار الأسد).

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2076595