غسّان المعلم: وما أجمله من قٓدَرٍ عندما تكون سوريّاً.. تعقيباً على الحلقة 17 من سلسلة الفكر الاستراتيجي

كتب الباحث والكاتب السوري غسان أديب المعلم, تعقيباً على الحلقة رقم "17" من سلسلة الفكر الإستراتيجي للدكتور بهجت سليمان، عن "القَدَرْ" مايلي:أ غسان المعلم

(وما أجمله من قٓدَرٍ، عندما تكون سوريّاً)

تحيةً لجميع الأصدقاء الكرام ولك سعادة السفير والمفكّر الرائع بهجت سليمان لما تقدّم دوماً من أفكار ورسائل في هذه السلسة الفكرية الرائعة

سيّدي الكريم:

أتوقّع أو أكاد أجزم أن للحديث بقيّةً في خصوص هذا السرد الفلسفي الجميل وإسقاط معطياته في حلقات مقبلة على الواقع السوريّ، وإن لم يكن.. فأكون قد قدّمت شيئاً في هذا الخصوص لعلّه ذو فائدة

دائما ما كانت أسئلتي في الصغر غريبة وقد تكون جريئة
كيف خُلق هذا الكون.. ومن الخالق ولماذا؟
وكثيرا ماكنت أصطدم بعدّة حواجز، منها الجهل بالجواب او الكلام الفلسفي الذي لم يدركه عقلي آنذاك والنهر والتأنيب، لأنني سألت أو كلمة "الله" وهكذا.

وكثيراً ماكان السؤال الأكثر فضولا هو: كيف أتينا؟ وهل نحن مسيّرين أو مخيّرين في ذلك؟ و مالفائدة؟ ولأجل ماذا وكيف ستكون النهاية؟

أبحرت كثيراً في هذا الموضوع وأحيانا كثيرة انتابني الخوف من بعض التفسيرات وخصوصا (جون كالفن) عندما وضع القدر بحكم (المنتهي) وأن الناس مقدّرٌ عليها إمّا الشقاء أو السعادة..
وبقيت النقطة الأهم (من هو المتحكّم؟) أنا أم الله سبحانه وتعالى؟

في الديانة الهنديّة (adrsta مصطلح الأدرست) تعزي ذلك لقوة مجهولة تتحكّم في الكون..
عند جماعة الملحدين تكون الطبيعة..

في عموم الأديان يكون الخالق (مقدّر كل شيء وقاضيه)..
وفي الديانة الأكثر رواجاً واتبّاعاً في وطننا (الإسلامية) يكون الله سبحانه قدّر كل الأشياء في سابق علمه، ولا يكون الحدث او أي فعل إلا بعلمه..
(ولو شاء ربّك مافعلوه)
(وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)
(وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا)
(إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر)

وذهبت كافّة المشارب بعيدا في التفسيرات عن بعضها البعض..

غيلان والصوفيّة والأشاعرة والمعتزلة والقدريّة وغيرهم، لكن لم يوصلنا أيّ منهم، حتّى المشارب الباطنيّة (كالغنّوصيّة) مثلاً، لفهم أو إدراك أو إلمام بالمعنى كنظريّة ثابتة أو مثبتة أو محقّقة النتيجة.

قد تروق للبعض وقد يحتار بأمرها البعض الآخر وخصوصاً في بعض المذاهب التي ربطت (القضاء بالقدر)،
رغم ان الفارق كبير (وقضى ربّك ألّا تعبدوا) أو
(وقضينا على بني اسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرّتين)..

هنا استوقفني قول الإمام الشافعي:
(ماشئتٓ كان وإن لم أشأ .. وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن)

إذن الأمر مسلّم ومنتهي وغير قابل للزيادة أو الإبحار وربّما حتى الوقت الحالي، لأننا وقفنا بالحدود العلميّة عند (Spactaime الزمكان) والبعد الرابع الذي تحدّث عنه آينشتاين.

في الحقيقة وبعد جهد وعناء في الوصول للحقيقة، أدركت اختصار ذلك بعدم الاختيار في أمرين مع العقل
"الولادة والموت".. هنا القدر..
أما التفاصيل فهي قضاء
بمعنى أو كمثال:

مكان الولادة يضفي على الإنسان (بنيّة جسديّة معيّنة فيزولوجيّة لاتتوافر في أماكن أخرى من ناحية اللون وقدرة التحمل ومعايشة الطبيعة)
طبعا معايشة الطبيعة، قد يظنّ البعض أنها مهارة مكتسبة لا علاقة لها بالولادة.. لكن في الحقيقة الطبيعة تفرض ذلك..
في بلد مثل بوليفيا وفي اماكن معيّنة، تكون المجاري الهضميّة مع الرئتين، أكبر قليلا.. مقارنة مع الإنسان العادي بسبب إرتفاع البلد عن سطح البحر..
وأذكر أن لاعب كرة القدم العادي عندما يلعب في ملعب بوليفيا الدولي، فإنّه يحتاج للأوكسجين، أكثر من اللاعب البوليفي المتعايش مع الطبيعة بالولادة.

مع الولادة يأتي الأمر الثاني: وهو الموت وما بعده..
هنا قدر غير معروف تماما: (موت بسبب لاشيء).. وما بين الأمرين يكون القضاء.
لكننا نتكلّم مجازا عن أقدار، رغم أن عامل الولادة هو من يحدّد الطريق.. ويبقى عامل الإدراك..
بمعنى: يكون لعامل الزمان والمكان في الولادة، تحديد الشقاء أو السعادة أو غيرها من الأمور.

مثال: عندما تكون الولادة في أفريقيا مثلا وفي دول مثل "راوندا"، فنسبة تحصيل السعادة (مثلاً) قليلة جدا، بما يحتويه هذا المصطلح من الحصول على الأساسيات في الحياة (غذاء وماء وهواء صحي وبيئة نظيفة الخ)..
بينما في الدول الاسكندنافية، يكون العكس تماماً في هذا الأمر (في الأساسيات)
طبعا مكان الولادة والزمان (مرتبط) هنا.. استحضرتني ذكرى منذ سنة تقريبا عندما قام الفيسبوك باستحضار شخصيّة المستخدم ماقبل العالم الحالي (عمليّة التقمّص) وهي غالباً (دعابة)..
وفعلا قمت بالدخول لتلك الأيقونة وقال لي الموقع بأنني (جون كنيدي) رئيس الولايات المتحده الامريكية في الزمن السابق!

هنا فكّرت بالأمر للحظة (رغم معرفتي بأنها مزحة فيسبوكيّة) لكنني تخيّلت نفسي فعلا في هذا المقام والقدر فماذا سأفعل حينها؟
قلت في نفسي سأسخّر قوّة أمريكا العظمى وأقسم العالم إلى قسمين:
الأول (كل أطفال العالم والسورييّن والإنسانيين)..
الثاني (هو ما تبقى من العالم.. وسأقذفه للجحيم من كل الجنسيّات والأديان)..
عدت بعدها لأسأل ذات السؤال في بداية تعليقي (لو كنت امريكيّا هل سأحبّ سورية هكذا، أم أن قدر الجغرافيا لا يحتسب)؟
كل إنسان يبحر في هذه المسألة وتأخذه الأفكار بعيدا وتبقى المعرفة مقتصرة ومحدودة في هذا الزمان (بمعنى أننا نسلّم ذلك - والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربنا)

لكنني واثق بل أجزم أن القدٓر عندما يضعك في سورية وتشرب من مائها وتستنشق هواءها.. فهناك متلازمة الكرامة والشرف تُخلق مع (اللبنة الأولى) ويكون القضاء والقدر أن تكون مقاوماً عزيز النفس..
هكذا أرى القدر من وجهة نظر شخصيّة.

شكرا لك مرّة ثانية وأكثر لما تقدّمه أيها الإنسان النبيل سعادة السفير والمفكر الرائع.

رابط الحلقة 17 من سلسلة الفكر الاستراتيجي http://www.fenks.co/%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85/13643-%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8E%D8%AF%D9%8E%D8%B1-%D9%83%D9%85%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%A9%D9%8D-%D9%88-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%B5%D8%A7%D9%84%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%B9%D9%86-%D9%85%D9%82%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85.html

December 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
25 26 27 28 29 30 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31 1 2 3 4 5
عدد الزيارات
4864202

Please publish modules in offcanvas position.