الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: في بعض وقائع "الخطّة" و واقعات "المؤامرة".. أين نجحت الحربُ و أين فشلت؟

 [سلسلة الفكر الإستراتيجي "14" الحلقة الرابعة عشرة]أ بهجت سليمان في مكتبه

{في بعض وقائع "الخطّة" و واقعات "المؤامرة".. أين نجحت الحربُ و أين فشلت؟}

ــ د. بهجت سليمان

ناهيكَ عن الخطّة الموضوعيّة التي تنجمُ باستقلالٍ عن الأوضاع التّاريخيّة لعلاقات الأمم و الدّول و المجتمعات العالميّة، و التي تفرز ما يُشبه التّمثّلَ القدَريّ للخطّة الأونطولوجيّة "الكينونة ـ علم الوجود" القاضية في أحدِ بُعدَيها (الفيزيقيّ و الميتافيزيقيّ) بتحقّق متطلّبات الوجوديّة البشريّة من صراعات و تناقضات حادّة في سياق الخلاف و المصالح و الاختلاف؛ فإنّ ثمّة من "المحدّدات" التي تشترط العلاقات و التّفاعلات السّياسيّة في العالم، ما هو لا بدّ منه في التّعايشُ المتكافل للأفكار و المصالح الدّولية، التي تتظاهر بواسطة الدّلالات السّياسيّة المباشرة، بوصف السّياسة، ليست سوى هذا الإعراب عن مقاصد الاجتماع العالميّ غير المنسجم.

تعود هذه المحدّدات بطبيعتها إلى العمل الإنسانيّ المدرك ل"حاجاته" و أغراضه، أو غير ذلك، أيضاً، بأوسع ما يُمكن لنا أن نتصوّر أو أن نتخيّل مفهوم العمل الإنسانيّ فيدخل، مثلاً، في مفهوم "العمل الإنسانيّ" جميع التّصرّفات البشريّة، القصديّة منها و غير القصديّة، كما يدخل فيها ما يمكن أن تتصوّره أفكار بعينها على أنّه سلوك أخلاقيّ و ضروريّ، و يدخل في ذلك تلك "التّصاميم" المرغوبة لقيادة العامّة من البشر بواسطة تنفيذها من قبل من هم يتصوّرون أنفسهم على أنّهم أولياء مُنصّبون على مقدّرات و مستقبل الشّعوب و المجتمعات الإنسانيّة، أو أنّهم، فعلاً، كذلك..؛ و كذلك يدخل في هذا الغمار ما نسمّيه الأدوات و الوسائل لتنفيذ و تطبيق هذه "المعتقدات" و "النّظريّات" و "الأفكار" و المخطّطات.

و من الواضح أنّ الوصول إلى "النّتائج" المرغوبة، جرّاء ذلك، لا يمكن إلّا باجتماع مجموعة الدّوافع مع وسائلها المناسبة من القوة و العنف سواءً بسواء.

لقد رأينا على مدى ما تقدّم من أفكار تخلّلت دراساتنا هذه أنّ التّدليل على أنظمة الدّلالة السّياسيّة في تفسير الحرب، إنّما هو أمرٌ مرهونٌ بقدرتنا على استخدام المعقوليّة بواسطة العقلانيّة..؛

و إضافةً إلى ذلك وجدنا أنّ تحليل الحرب هو أمرٌ مرهونٌ بالاستدلال "المعرفيّ" وحده، و الذي يُتيح لنا الذّهاب أبعد من حدود الظّاهرة و الظّاهريّات. و في مثل هذه الأدوات "الإبستمولوجيّة"، فقط، يكون بمقدورنا أن نبتعد عن المغالطات الصّبيانيّة التي ترى أنّ للحرب سبباً يتعلّق بالثورة على المانع من الحرّيّة و الدّيموقراطيّة، و ما إلى هنالك من خزعبِلات، أو أسباباً تتعلّق بالثّأر أو الانتقام و إثبات الذّات.

و على أنّ للحرب امتداداً في الماضي، كما أنّ لها متعلّقاً بالمستقبل عن طريق المرور بالحاضر، فمن الطّبيعيّ أن يكون لها في كلّ ذلك بُُعْدٌ تنظيميٌّ في التّخطيط، إذ أنّه من غير المعقول أن تكون وليدة ساعتها وفق ما يوحى به أو أن تكون ردّاً على ظرف أو ظروف وضعيّة محدّدة.

يرافق التخطيطُ التّنظيمَ، و يرافق الحرب خطّة تتعلّق بالاشتغال على ممكناتها الّلازمة و الكافية، كما قد مرّ معنا..

و بالتّالي فإنّ على القراءة الاستراتيجيّة للحرب أن تنطلق من واقع تاريخيّ و حقائق تؤكّد أنّ للحرب خطّتها، بقدر ما أنّ سياسات العالم مخطّطة هي أيضاً..
ذلك لأنّ السّياسة ليست فعلاً ارتجاليّاً، كما لأنّ ما يجري في تاريخ العالم ليس وليد المصادفات أو النّزعات الفرديّة المزاجيّة التي يعمل الإعلام على تسويقها بهدف ذرّ الغبار في العقول.

يتعلّق الإيمان بأسبقيّة الفكرة على العمل، في مجال تخطيط الحرب (و في كلّ مجال) بحقيقة التّغلّب على الكثير من الألغاز التي تُحيط، نفسُها، بالحرب، أو توحي بها الحرب عندما تختلط المفاهيم و الوقائع و الأحداث على الثّقافة و الإعلام و الفهم الجماهيريّ الظّرفيّ لمعطيات و أحداث و نتائج الحرب.

و هكذا يتعلّق التّحليل "الإبستمولوجيّ" للخطّة و التّخطيط لمجموعة من المسائل التي لا يمكن للثّقافة مباشرتها في معرض التّنظير على الحقيقة..

يتّصل الأمر بالدّوافع غير الحصريّة للحرب كما يتّصل بالأسباب "الحصريّة" المضبوطة في علاقات العالم الّلا متكافئة و الأكثر دلالةً من حيث احتواؤها لبذور الحرب.

فالبطالة الاقتصاديّة و الاجتماعيّة المنظومويّة في العالم و الرّكود الاقتصاديّ الرّأسماليّ، و تسريع عجلة النّموّ الرّأسماليّ و مداخيل الاحتكارات العالميّة القائمة على صناعات الحروب و وسائلها و أدواتها و حاجاتها الأساسيّة و إعادة توزيع الثّروات العالميّة، و التّحريك الدّيموغرافيّ للأفكار و المعتقدات و الإيمانات و الأديان و الثّقافات، و تفكيك الأديان و المعتقدات، و تخديم ذلك بواسطة الشّعوب و الأفراد.. و القادة و الزّعماء و الدّول و المجتمعات..، و تغيير المجتمعات و إعادة صياغتها بواسطة الأفكار و الظّروف الجديدة التي تخلق وعياً جديداً، و إعادة نشر الثّقافات، و العمل، من خلال ذلك، على إخضاع الشّعوب و الأفراد و تطبيعها بما يتناسب مع أفضل الأشكال للسّيطرة عليها و جعلها سوقاً مستهلِكاً لنواتج العولمة الحديثة في السّلعة و البضاعة و الفكرة المعاصرة إعداداً لقيادها على نحو أسهل بواسطة الإعلام عن قرب و عن بعد، و التّدعيم الأمثل للقلاع الإمبرياليّة للحضارة المعاصرة في الخنادق الأماميّة و الخلفيّة، و تعزيز وجود (إسرائيل) كأحسن ما توصّل إليه الفكر الإمبرياليّ المشخّص في سبيل هذا و ذاك، و تحقيق أبعد النّتائج في القضاء على "الهويّات" بواسطة صراع و اصطراع الثّقافات المختلفة، و إلحاق الأطراف المنظومويّة العالميّة بالمركز الكولونياليّ..، إلخ، إلخ؛

أقول إنّ جميع تلك الأغراض و الأهداف هي ما نسمّيه "خطّة" هذه الحرب، و خطّة كلّ حرب معاصرة، بخاصّة، في العالم.

من جانبٍ آخر، في التّطبيق، فإنّ "الثّقافة" تذهب إلى التّعامل مع "العالم" (الواقع السّياسيّ العالميّ) كمنتج نهائيّ أو معطى مفارقٍ و مستقلّ.. و هذا ما يعمل عليه الإعلام، أيضاً، لإيصاله إلى الإنسان العالميّ؛

و يتضمّن هذا، فيما يتضمّن، زعزعة للثّقة العقلانيّة بهضم و تأليف اكتشافات "المعقوليّات" في التّرابطات.

من هنا كان الإجمال المخلّ بالوظيفة الإدراكيّة السّياسيّة عاملاً من عوامل الارتجال الثّقافيّ المؤهّل لخوض الوعي في الأسباب الواهية و تصديقها على أنّها الأسباب الكلّيّة، و من هنا كان الميل نحو الفهم المباشر و المغلوط ظاهرة ثقافيّة تتعدّى الوعي الشّخصيّ إلى "السّياسيّ".

في الدّخول الفكريّ و العقلانيّ إلى مطابخ السّياسات، فقط، نستطيع أن "نعرف"، معرفةً، "كيف" تؤسّس الخطة العالميّة من أجل قيادة العالم لتحقيق أهداف الحاكمين و المتحكّمين في السّيطرة على الأرض.

هنا، يكون من المحتّم علينا الدّخول إلى مفهوم "التّخطيط" من باب "السوسيولوجيا"- السّياسيّة بمعناها الكلاسيكي، و الخروج من دائرة "الأخلاقيّات" السّياسويّة، إلى فضاءات أرحب في السّياسة العالميّة و الأخلاق العمليّة الحاكمة للسّياسة، فيما هي "الخطّة" مجموعة وقائعها التي تُمارَسُ في التّنفيذ.

في بدايات و منتصف القرن العشرين، بخاصّة، ظهرت على "العالم" معالم التّحدّيات الثّقافيّة العالميّة و التّناقضات الأيديولوجيّة المستعصية.
كانت "الحرب الباردة" من أهمّ مظاهر هذه التّحدّيات. و بالإضافة إليها ظهرت، أيضاً، معالمُ تحدّيات ثقافيّة "مُلحقة" بذلك، فكانت الصّراعات الثّقافيّة أن أخذت أشكالاً أخرى من مثل التّحدّيات التي واجهت العالم الإسلاميّ "المركزيّ" في "الشّرق الأوسط"، بخاصّة، و تمّ تحشيد القوى و رأس المال و الإعلام لتفريغ تلك الاحتقانات النّاجمة عن ذلك.

في أواخر القرن العشرين و بدايات القرن الواحد و العشرين ظهرت مجموعة من "الحلول" العنيفة لتفريغ "التّوتّرات" الصّنعيّة في مجرى الصّراع، فكان إسقاط "الاتّحاد السّوفييتي" و حرب "الولايات المتّحدة الأميركيّة" على العالم و التي كانت في الجهر، منذ العقد الأخير للقرن العشرين، فبدأت أوّلاً بالحرب على الجمهوريّة الإسلاميّة في (إيران)- بواسطة عراق صدّام و دول الخليج - و تلتها الحرب على (أفغانستان) ثم الحرب على (العراق).

و في غضون ذلك كانت "الأهداف" الحقيقيّة من هذه الحروب تتراكم في النّتائج المباشرة و غير المباشرة لهذه الحروب، و ذلك في استباحة "العالم" للشّرق الأوسط و استباحة الشّعوب و المقدّرات و الخيرات و الكرامات..

و في العقد الأوّل من القرن الواحد و العشرين، بخاصّة، ظهرت "الضّرورات" السّياسيّة لإحكام القبضة الإمبرياليّة الواحديّة على العالم، انطلاقاً من "الشّرق الأوسط" لما يُمثّله "المكان" من قلبٍ استراتيجيّ عالميّ إن على صعيد التّواصل و الوصل أو على صعيد إخضاع المنطقة الإقليميّة المحيطة ب(إسرائيل) أو على صعيد استنزاف الاقتصادات الوفيرة في المنطقة.
و كان الجواب العمليّ الوحيد على "الأسئلة" المطروحة ضمناً في هذه "المسألة" هو متابعة الحرب على نواة هذه المنطقة العالميّة، فكانت الحرب المتّصلة على العراق، ثمّ الحرب على (سورية) هذه الحرب غير المسبوقة في التّاريخ، و ذلك بما تمثّله (سورية) من عقدة حضاريّة (ثقافيّة) عالميّة و ركنٍ جوهريّ في تماسك بقاياالثّقافات العربيّة- الإسلاميّة، إلى الجوار من (إسرائيل)، و نموذج حيّ على تفاعل الثّقافات ما بين الشّرق و الغرب، و الانسجام الحضاريّ الذي يؤرّق هناء و صفاء أهداف العنف المستمرّ في العالم..!

كانت "الخطة" هي إسقاط (سورية) بما تمثّله من دولة وطنيّة و مجتمع واعد - و لو بتفاوت في "مكوّناته"..!- في ظلّ "الدّولة"، وحذفها من جغرافية "المنطقة" و إلحاقها ب(تركيا) الأخوانيّة- السّياسيّة و الوهم الإمبراطوريّ الأحمق، و من ثمّ ضمّها (سورية) نهائيّاً إلى المشروع "الإسرائيليّ" التّوسّعي بشكل مباشر أو غير مباشر كما أصبح اليوم واضحاً من خلال سيرة حرب السّبع سنوات هذه و اصطفافات "المعارضات" و قوى الإرهاب السّوريّة في فضاء (إسرائيل).

من أجل ذلك كان لا بدّ من مشاركة "الثّقافة" السّوريّة في رأسمالها الرّمزيّ من معتقدات دينيّة و أخلاقيّة و سلطويّة و عرفيّة و اجتماعيّة في الحرب على (سورية)، فتظاهرت "الحرب" على أنّها "حربٌ سوريّة" على (سورية) في الوقت التي احتفظت فيه هذه الحرب بجميع الحقوق و الممتلكات التي تجعل منها حرباً عالميّة على (سورية).

لهذا نحن أحياناً نختصر في التّسمية فنقول ب "الحرب السّوريّة"، بينما نحن نرمي في هذا إلى القول بالحرب العالميّة- السّوريّة على سورية من حيث التّخطيط و التّنفيذ في آن معاً.

نحن نعاود فنؤكّد على خطورة "التّخطيط" الشّامل لهذه الحرب.

الجميع، بـ"ما" فيهم المثقّفون(!)، يدركون دور العامل "الاقتصاديّ" في مثل هذه الحرب و في كلّ حروب التّاريخ، تقريباً، و هذا أمر سهل..
و لكنّ "المثقّفين" - حسب (بيير بورديو): [عالم الاجتماع الفلسفيّ الفرنسيّ المعاصر (1930- 2002م)] يعيشون "مفارقة" متطرّفة عندما يعزون جميع "الظّواهر" الاجتماعيّة و السّياسيّة - و الحرب، طبعاً، في عداد هذه "الظّواهر" - إلى "علاقات المبادلات الاقتصاديّة" لكي لا يتعرضوا إلى "المجازفات" العقلانيّة في الفكر، فيما يُهملون أهمّيّات "المبادلات الثّقافيّة" الرّمزيّة بواسطة "رأس المال الثّقافيّ" الذي هو حسب (بورديو) من أكثر الموادّ الخاضعة للتبادل في ظروف عدم المساواة..! [بيير بورديو - مسائل في علم الاجتماع].

من هنا نستطيع أن نفهم لماذا لا تستطيع "الثّقافة" هضم "أخلاقيّات" السّياسة في السّلم و في الحرب.
عندما تُريد "الثّقافة" أن تحلّل كلّ الظّواهر بناء على "المعطيات" و "الأسباب" الاقتصاديّة، فإنّها ستقع في "غربة" و "اغتراب" مباشَرين، عند أوّل امتحانٍ عقلانيّ يتطلّب التّوسّع في "التّحليل".
و عندما هي (الثّقافة) لا تجد ما يُناسب هذا الأمر من أدوات نقديّة و مرتكزات "عقلانيّة"، فإنّها تجنح مباشرة إلى مفهوم "التّواطؤ" و الّلا أخلاقيّة و الشّعور بالضّيم و الدّونيّة الوضعيّة، جاهلةً أنّ الأخلاق السّياسيّة هي مفهوم كلّيّ في الاجتماع السّياسيّ التّاريخيّ العالميّ، و أنّها تخضع أكثر ممّا يُعتقد للفلسفة السّياسيّة، في الوجود و التّأويل، الأمر الذي تعجز عنه "الثّقافة" في جميع المناسبات.
إنّ الاستراتيجيّات الخاضعة للدّخول في خطّة المستثمرين العالميين - كما جرت مراحل الإعداد و التّخطيط، في سورية - هي هذه، بالضّبط، التي لا يُمكن لحظها أو ملاحظتها في "الثّقافة" المعهودة، بما يرغبه الجميع، بِيُسر..
و هي تلك التي نسمّيها و نصفها، عادة - مع (بورديو)- بتلك "الاستراتيجيّات" التي "لا تعاش بصفتها "استراتيجيّات"؛
و هنا، بالضّبط، نكون قد دخلنا في عمق الحقول الاجتماعيّة- السّياسيّة القابلة للتّخطيط..؛
و هنا هو مكمن "التّخطيط" الدّقيق الذي كان مقدّمة كافية لأعمال هذه الحرب، بصفتها أعمالاً كانت "كافية" أيضاً لإحداث كلّ هذا الدّمار التّراجيديّ.

على عكس جميع معطيات الفكر، فإنّ "المعرفة"، بالذّات، لا تكمن في ما هو "بَدَهيّ"..!

من هنا كان علينا أن نبحث في "التّخطيط" للحرب، معرفيّاً، بواسطة العقلانيّة السّياسيّة التي تجنّبنا "الحدوسَ" تجنيباً كافياً من دون أن نسقط في أوهام المحفوظات السّرديّة التي استولت عليها "الثّقافة" استيلاءً غير مأسوف عليه، على كلّ حال.

على ما تقدّم حتّى الآن، يمكننا، إذاً، أن نفنّد جميع تخرّصات الثّقافة و الإعلام و أدب السّياسة الصّحفيّ، اللّّاعق لأكاذيب السياسيين المأجورين، و "المعارضين"، حول قيام الحرب على سورية نتيجة لانتفاضة جماهيريّة أو شعبيّة كانت أن بدأت أو قامت بسبب مطالب اجتماعيّة و سياسيّة؛ هذا كما أن نكذّب جميع المقولات "الأكاديميّة" الأخرى التي تتّهم "الدّولة" بمباشرة القوة المفرطة أو العنف للتّعامل مع الجانحين الأوائل في هذه المهزلة السّياسيّة، التي جرّت وراءها مجزرة دمويّة طائلة.

و على طول أحاديثنا السّابقة، هنا، وقفنا على الكثير من المرتكزات "الدّاخليّة" التي جعل منها "التّخطيط " الخارجيّ، الدّوليّ، أدواتٍ كافيةً لولوج هذا الصّراع التّاريخيّ.

تنضمّ، إذاً، موضوعة هذه الكفايات الكيفيّة (التّخطيط للحرب و تنفيذها) إلى مجمل الأدوات "الإبستمولوجيّة" لتحليل الحرب، لنستطيع، بعدها، أن نُخرج، نهائيّاً، هذه الحرب من لغة "اجترار" و "علك" الإعلام الذي تفرّد حتّى الآن بإمكانيّات نوعيّة لحرف الانتباه الجماهيريّ، بخاصّة، خارج إطار الوعي العامّ لتعقّد و تركيب هذه الحرب، بما فيه أفواج "المحلّلين" و البحاّثة السّياسيين و من لفّ لفيفهم، ممّن ظهر على زبدِ التّناقضات العنيفة التي أحاطت بمجمل وقائع و ظروف الحرب.

إنّ إعداد "الدّاخل" السّوريّ بالتّأليب الاجتماعيّ و السّياسيّ و الدّينيّ و الطّائفيّ و الغرائزيّ على العنف، كان الحليف المباشر لتحضير الرّأي العام العالميّ و تجهيزه ضدّ الدّولة الوطنيّة السّوريّة، و كذلك لحشد الأموال العربيّة- الإسلاميّة و إدارتها من قبل الولايات المتّحدة الأميركيّة و بتنفيذات ذليلة لدول الغرب الأوربّيّ، بحيث استطاعت هذه الجمهرة من "الأسباب" أن تكون أدوات "الخطّة" العولميّة للحرب.

و كانت هذه الخطّة ستحقّق جميع أهدافها، لولا أنّها تحطّمت فيما دون قيام "الحرب الأهليّة" الشّاملة في سورية، و التي كانت جزءاً جوهريّاً من قائمة أهداف و عناصر هذه الخطّة.
و مع ذلك فإنّ الاعتبارات العمليّة التي تدفعنا إلى تأكيد نظريّتنا على هذا التّخطيط الدّقيق، و النّاجح، نسبيّاً، هو ما تمكّنت منه هذه الحرب من شرخ "المجتمع" السّوريّ، و الجاهز، أصلاً، للدّخول في الّلا تكافؤ السّياسيّ، من جهة أنّه يقومُ، في الكثير من جنباته، على أساس التّمايز ما قبل المجتمعيّ و أعني على أساس التّمايز الانقساميّ الثّقافيّ.

هنا يُصبح من الضّروريّ النّظر في الجانب الدّاخليّ من هذه "الخطّة"، بعد أن نكون قد اتّفقنا على "المبدأ" العولميّ لخطة الحرب، و هو مبدأ ثابت و نظيرٌ للعالميّ في العامّ و الخاصّ من شنّ الحروب العالميّة في مختلف مراحل تاريخ البشريّة؛

يعني كيف نُجيب على سؤال: هل كان للخطة "عنصر" داخليّ واضح و مفهوم؟

تبني قوّة "السّيطرة" العالميّة مشاريعها على أساس الممكن و المحتمل و لكنّها تبنيها أوّلاً و قبل كلّ شيء على المعلومات الأكيدة المبنيّة على واقعيّة و عملانيّة التّجاوب الدّاخليّ للدّول أو المجتمعات، التي تمارسُ فيها مشاريعها السّياسيّة و العسكريّة في صيغة الحرب المعاصرة مركّبة الأبعاد و الأهداف، و لو بنسب تتفاوت بالاعتماد على ذلك من واقع إلى آخر و من مجتمع إلى آخر و من بيئة للحرب أو أخرى.

و على أنّ الدّول و الأنظمة و المجتمعات لا تسقط إلّا من داخلها، فقد كان مقيّضاً للحرب إنتاج آثارٍ بليغة في سورية، تبعاً لحجم دور العملاء و الخونة الذين فاق تعدادهم التّوقعات.

لقد تلاقت في سورية مشاريعُ الخارج مع مشاريع الدّاخل، فكان أثر "التّخطيط" كافياً لإحداث هزيمة معاصرة ل"الحاضر" الاجتماعيّ و السّياسيّ و الثّقافيّ..
نعم هُزم الحاضر و معه هُزمت قوى المستقبل و أصبح من الّلازم معاودة العمل من جديد على بناء أسس للمجتمع تكون كفيلة بتجاوز أثر هذه الحرب، و ذلك بواسطة تفرّغ "العقلانيّة" من أجل إعادة اكتشاف و إنتاج تأليف و وصل بقايا أشلاء "المعقوليّة" الضّائعة..!

يمكن القول إن خطّة الحرب على سورية كانت ناجحة إلى حدّ بعيد في التّدمير المنظّم السّاعي إلى أهدافٍ محدّدة (أو الممنهج) الذي أصاب الأرض و البنيان و الاقتصاد و العمران و الإنسان و الأخلاق و الاجتماع.

و على أنّ أهداف التّخطيط لم تقتصر على هذه المجموعة الواسعة من من "الأهداف" و "النّتائج"، فإنّ الحرب قد فشلت، حقيقةً، في أمرين جوهريين:

الأوّل: عدم انجرار "الشّعب" السّوريّ إلى حرب أهليّة عمياء و طاحنة، و ذلك راجع إلى السّلوك السّياسيّ "الدّقيق" و "المحنّك" للقيادة السّياسيّة التي استطاعت، و بدهاءٍ و احتناك..، "امتصاص" كلّ "الجاهزيّات" المجتمعيّة و التّاريخيّة لممكنات الحرب الأهليّة المتوفّرة في قاع الثّقافة المجتمعيّة المؤسّسة أصلاً على الاختلاف و الخلاف..
إنّ للاختلاف أيضاً، و عدا جميع إيجابيّاته التي من المفترض أن تًثري تنوّع المجتمع في "السّلم"، مخاطرَ كافيةً لتحوّله إلى خلاف و نزاع مسلّحين في أوقات الحروب و ثورة الغرائزية الأنانيّة المتوحّشة عند الأفراد و الجماعات..

و الثّاني: في عدم انهيار نظام الدّولة الوطنيّة و سلطاتها السّياسيّة بحيث أظهرت الحرب قوّة "الدّولة" ممثّلة بالسّيادة و الحماية الكافيتين.

و يبقى من المحاذير التي ترافق "نتائج" الحرب المتحقّقة بالنّسبة إلى السّلوك المجتمعيّ الذي أظهر انعزاليّات حقيقيّة و انفصاليّات في بنى العمل الاجتماعيّ و القواعد العامّة و الأخلاق العمليّة في السّلوك، يبقى من الخطير أن لا يؤخذ ما تقدّم من نتائج ذين "الأمرين"، بالغيّ الأهمّيّة، بالاعتبار؛ فلا يتمّ، مثلاً، اعتماد أسس هذه "القوّة" التي أبدتها "الدّولة" في "التّماسك" الأسطوريّ، و استثمارها، عمليّاً و اجتماعيّاً و سياسيّاً و سلطويّاً، في سبيل تعزيز الثّقة السّياسيّة للدّولة بقدرتها، من جديد، على الضّبط الأوسع و المفقود، الأمر الذي يعفيها من الكثير من الصّمت و الأحرى "السّكوت" على تحدّياتٍ تبادرها في العلاقات "الحكومية" و "المجتمعيّة"، باستهتار و وقاحات مسلكيّة و سلوكيّة..، في آن واحد...!؟

و سيكون لنا وقفة أطول عند تفاصيل هذه الملاحظات عندما سنتحدّث عن أهداف الحرب و تحقّق الأهداف أو تحقيقها، فيما هو مقبل في هذا سلسلة هذه الأحاديث.

إنّ أبسط ما على جميع سلطات الدّولة من مهمّات كبيرة، اليوم، بعد امتصاص قوّة الانفجار في الصّدمة الأولى للحرب، هو أن تستطيع تحييد جميع "القوى" الأخرى التي كانت بمثابة "حمار طروادة" في دورها في التّفجير البنيويّ للدّاخل السّوريّ..
و أن لا تسمح "الدّولة" السّياديّة لهؤلاء، أن يدخلوا في تنظيم السّلام المقبل ببطء بعد أن كانوا من عدّة الحرب..!؟
و هكذا تكون خطّة الحرب ليست موقوفة، بالمطلق، على ما أراده الآخرون، و إنّما نستطيع أن نبرز الحقائق التي بفضلها لم تتحقّق كافة عناصر الخطّة التي بدأت الحرب و استمرت لأجلها كلّ هذه السّنين الفائتات.

في حقبة "الأنثروبوسين" (Anthropocene) هذه التي نعيشها ("الحقبة الجيولوجيّة" المعاصرة التي بدأت مع التّجارب النّوويّة منذأربعينات القرن العشرين) يبدو العالم متهالكاً و متسارعاً و فوضويّاً إلى حد كبير.
و يظهر مع ذلك ميل العالم إلى الانضغاط في أفكار ممسوخة و ضيّقة الرّئات. و معه أيضاً يظهر شغف العنف الذي يُريد أن يستولي على كلّ العالم، في تبادل للأدوار ما بين "الأقوياء" و في الخضوع الإراديّ الذي يُمارسه العالم الوظيفيّ ممثّلاً بالشّعوب و المجتمعات، و الدّول، الضّعيفة التي تكتفي بدورٍ تابع لمحرّكات التّاريخ.

و في هذه الأثناء لا تُبدي الأمم الزّاحفة على بطنها (و على بوزها، أيضاً!) أيّة صيغة من صيغ المشاركة العالميّة في صناعة التّاريخ.

و عندما يمكننا أن نفهم دور الأطراف العالميّة في النّظام الدّوليّ المعاصر، من حيث أنّ المركز لا يقوم لوحده، مطلقاً، دون أن يكون بحاجة إلى الأطراف، أيضاً، فإنّه عندها، فحسب، يمكن لنا اختيار الدّور الأقوى أو الدّور القويّ في الخطّة العالميّة في الحرب و السّلام، و لو في رهانات و مساومات سياسيّة لا تنتهي.. (!)، بحيث لا نبقى ذلك الصّدى المتردّد في المسافة الحضاريّة التي تفصلنا، كأطراف، عن مركز أو مراكز "النّظام".

و في الوقت الذي علينا فيه، نحن كأمم و مجتمعات هامشيّة..، أن نشارك في خطّة العالم و أن نرفض إعادة استهلاكنا في خطط الحرب و السّلام، لتحقيق مآرب "الآخر"..، فإنّ علينا أن ندرك دورنا التّاريخيّ في وجود "النّظام" و أن نعمل، بالتّالي، على الرّهان على القيمة الفعليّة لدورنا في استمرار نظام العالم على ما هو يصبو إليه.

نحن نستطيع ذلك و لو كلّفَنا الأمرُ شيئاً من المغامرة و كثيراً من "المساومات" السّياسيّة التّاريخيّة التي تُحسّن صورتنا و موقعنا في ربوع "النّظام العالمي".

إنّ "النّظام العالميّ" هو أيضاً نظامٌ جبانٌ على كلّ ما يُبدي من عنف و قوّة و مخاطرات. و لن ندخل، هنا، في التّدليل على جبن "النّظام العالميّ"، إذا أنّه أمرٌ واضح في التّحدّيات التي يواجهها و التي تصدر عن أمم و مجتمعات و دول يبدو أنّها هي الأخرى تندرج في قائمة الضّعفاء و ليس في قائمة الأقوياء..! (وو كوريا الشّماليّة مثال).

هنا أصبح واضحاً أنّنا علينا أن نقف عند ما هو يتجاوز وقائع "الخطّة" إلى واقعات "المؤامرة".

يُفيد فرقُ "الجَمْعَين" المفهوميّ الفقهيّ ما بين "الوقائع" و "الواقعات"، في أنّ "الوقائع" هي ما قد تمّ و أنجز من ممارسات قدّمت أقصى ما فيها من مفاعيل و مضامين في سياق "الخطّة" ذات المعالم المقضيّة في النّتائج.
و أمّا "الواقعات" فهي توحي بالمفاعيل المستمرّة و المستغرقة لزمنها و لزمنٍ آخر يتوقّف على مستقبل تفاعلات "النّتائج" في فرضيّات "الأهداف" المعمول على حلّها حلّاً في "البرهان" المستمرّ؛
و من هنا، حصراً، نستطيع الدّخول إلى مفهوم "المؤامرة" كواقعة أو "واقعات".. مستمرّة الأثر في مشاريعها التي هي تتقاسم مع المستقبل مضامين الإنجاز.

فالمؤامرة، على هذا الأساس، هي ليست فعلاً منقضياً كما هو الأمر عليه في مفردات "الخطّة" النّاجزة في "النّتائج"، و إنّما هي الفعل المستمرّ الذي تتعلّق نتائجه في الأهداف التي لا تنتهي في مشروع العنف العالميّ.

و "المؤامرة"، بهذا الاعتبار، هي ليست، فقط، في أنّها كانت في صلب "خطّة" الحرب، و إنّما هي ممتدّة إلى أبعد من "الخطّة"، و هذا عندما نكون قادرين على الزّعم بأنّنا قد أحطنا بتفاصيل هذه "الخطّة"، و هوشيء عمليّ و ممكن على كلّ حال.

"الخطّة"، إذاً، جزء من "المؤامرة" السّياسيّة في هذه الحرب و في عموم تاريخ السّياسات العالميّة كما هو مكتوب أو معروف، و ليس العكس. و إذا كانت "الخطّة"، في المفهوم، تقتضي إمكانيّة وصفها الضّروريّ فإنّه ليس للمؤامرة ذلك مع اجتماع أو تداخل المفهومين.

بالكاد نحن نستطيع تمييز "الخطّة" عن أدواتها السّابقة عليها و المعاصرة و الّلاحقة؛ و لكنّنا نستطيع، و بكلّ ثقةٍ، أن نجد في مفهوم و آليّات "المؤامرة" ما هو يستوعب حجم "الخطّة" و ينوف، أيضاً، في الزّمان و المكان.

و من أفضل التّشبيهات الإيضاحيّة التي تحضرنا، هنا، هي أن نتصوّر "المؤامرة" على أساسٍ من ثابت فقهيّ سياسيّ و جنائيّ، و ذلك في أن نقارن "المؤامرة" ب "الجريمة السّياسيّة" من حيث أنّ كلتيهما هما من "الجرائم التّامة" بالمفهوم الجنائيّ.
إنّ كلا "الجريمة السّياسيّة" و "المؤامرة" تشتركان في الاستمرار و في تعدّي حقول المكان و الزّمان، كما تشتركان بأنهما، معاً، مفهومان عمليّان و تامّان. و بالأحرى فإنّنا لا يُمكننا أن نتصوّر واقعاً يحتوي على "جريمة تامّة" (بالمفهوم الجنائيّ)، إلّا في معرض فحصنا لعناصر "المؤامرة" و الجريمة السّياسيّة" على التّحديد، و إلّا، أيضاً، في اكتشافنا هذا "الضّائع" من الحقائق الجرميّة السّياسيّة في كلتيهما، فحسب.
هنا نكون قد تجاوزنا، نهائيّاً، ذلك الاجترار الإيهاميّ السّياسيّ الثّقافيّ الإعلاميّ..، الذي يُكذّب مفهوم "المؤامرة" في تاريخ السّياسة، بخاصّة، و في تاريخ جميع الفعل الإنسانيّ الهادف و الموصوف.
سنضيف إلى ما تقدّم فكرة أنّ من لا يرى في التّاريخ "مؤامرة"، إنّما هو، على الحصر، أحد حالين: فإمّا أن يكونَ، هو, صانع المؤامرة أو طرفاً فيها أو خادماً واعياً لها.. أو أجيراً صغيراً فيها؛ و إمّا أن يكون موضوعاً أصمَّ للمؤامرة بالذّات..، بما في ذلك ما يكونه علىغباءٍ و محدوديّة لا يمكن أن يكون لهما حدود..!

على أيّة حال، فإنّه ليس لنا من أوجهٍ للقوّة، تقينا الاستغباء السّياسيّ، في مواجهة مشاريع تهميشنا و دحرنا، سوى تلك القوّة التي تسمح لنا، أيضاً، بأن نكون متجاوزين لضعفنا في "المعرفة"، أوّلاً، و ذلك عندما نستطيع أن نُقرّ، بشجاعة، و نقرّر غنى "الوقائع" و "الواقعات" في "معقوليّة" أو "معقوليّات" العالم.
و أمّا هذه و تلك فإنّما هي أشياء لا تُعرف، بالإدراك، إلّا بما هي كامنة فينا، أو متاحة لنا، عندما نُجيد "التّخطيط" المعرفيّ المواجه ضدّ "خطّة" العالم العنيف، كما الواعي لحجم و أهداف "المؤامرة" العالميّة التي تريد، في أهدافها، أكثرَ بكثيرٍ ممّا يتجاوز تقييدنا و استثمارنا كأمم و دول و مجتمعات و كيانات لم تُدرك حتّى الآن كيفيّات إثبات الوجود.

لم تصبح، بعد، لغة القوّة العالميّة ُمباحةً و ُمتاحةً للجميع، و إن كنّا نظريّاً قادرين على تفهّمها بالوسائل و الأدوات المختلفة التي فاتتنا، نحن، حتّى الان.

غير أنّه، أحياناً، فإنّ الموقف الواحد، المدفوع حتّى نهاياته القصوى، و لو بشيء من "المخاطرة"، هو موقف كافٍ للحدّ من الاستباحات التي تُمارس علينا، فيما هي تُمارَسُ في أطراف نظام العالم المتسرّع و المتهوّر في كثير من مفاصل "خططه" سواء منها الاستراتيجيّة أو المتعدّدة أو المتبدّلة في كلّ يوم..!

لا يمكننا، إذاً، أن نواجه "تخطيط" العنف و "مؤامرات" الجريمة المباشرة، إلّا بقوة "مخطّطة"، على نحو سياسييّ و "محدّد" (!)، تعمل على مواجهة العنف بالقوّة المبنيّة على "التّضحية" ببعضِ "المفاهيم" الأخلاقويّة الكاذبة التي تحجّرت، فيها، بنا، الثّقافات و المحفوظات، و التي قدّمت لنا صورة، عنّا، مشوّهة و كاذبة و متضخّمة إلى حدود ليست في المنظور.

هذه مفصليّة هامّة يُفضّلُ أن نقف عندها الآن في الحديث، فهي توحي باستطرادٍ سيكون لنا فيه مقاربة في المستقبل، في هذه الحلقات.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

October 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
1765378