الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: لماذا قامت الحرب؟.. أو في الأسباب الجوهريّة الكافية للحرب

[سلسلة الفكر الإستراتيجي "13" الحلقة الثالثة عشرة]د. بهجت سليمان9

{لماذا قامت الحرب؟...  أو في الأسباب الجوهريّة الكافية للحرب}

. ــ د. بهجت سليمان

السّؤال الآخر في هذه السّلسلة و الذي هو "لماذا قامت الحرب؟"، يتعلّق ب"الكفايات" (أو الأسباب الكافية) التي أتاحت جعل الحرب موضوعاً عمليّاً في "العالَم"، و ممكناً بما هو حدث "كان" و "يكون" كعنصرٍ من عناصر "الواقع" و من عناصر "المعقوليّة"، و كذلك من عناصر و دوافع و مناسبة هذا "الحديث" و ما سوف يتعلّق به من أفكار مقبلة ضروريّة من أجل "تحليل الحرب"..!

لقد تحدّثنا، سابقاً، في "الأينيّة" المكانيّة لعناصر و أدوات و "لزوميّات" (الأسباب الّلازمة) هذه الحرب، و رأينا، أيضاً، كيف أنّ السّؤالُ "أينَ؟" و "ماذا؟" إنّما يُعدّ سؤالاً متداخل الهويّة - كما لاحظنا- و يُعبّر عن مكونين من مكوّنات الأسئلة التي أسميناها أسئلة "أصليّة" لا تقبل التّبديل.

و كنّا، مع ذلك، قد وجدنا أنّ السّؤال على "الأينيّة" هو سؤالٌ مجزوءٌ في التّكوين، و أنّه لعلّنا لا يمكننا أن نفهم "اجتزائيّته" إلّا عندما نُدخِله في مجموعته "الدّلاليّة" المعبّرة، و ذلك في "إضافته" (منطقيّاً) إلى سؤال "لماذا قامت الحرب؟"

و هكذا فإنّنا عملنا، فيما سبق من الحديث، على استكناه "الكينونة" الواقعيّة لموضوعيّة "الظّاهرة" عندما استجلينا بعض أجزاء أو مكوّنات هذا "السّؤال"، و ذلك فيما تقاطعت معه (المكوّنات) من عوامل أخرى كان علينا أن نتابعها، الآن، في مقوّماتها التّالية على "الكينونة"، و أعني في "الحوافز" السّياسيّة التّاليّة التي لا تنفصل و لا تستقلّ عن مبنى منظومة "الغايات" في "المعقوليّة".

و المطروح علينا، الآن، هو السّؤال كيف لنا أن نكون "عقلانيين"في "الواقع" و "المعقوليّة" من دون أن نضحّي بأحاسيسنا و مشاعرنا التي من دونها ندخلُ، جميعاً، في وهمنا الذي لا شفاء منه و الذي يصنع منّا "ملائكةً" افتراضيين في ما هو دون السّماء؟

هذا السّؤال هو سؤال بسيط، معرفيّاً، و هو ليس مركّباً- كما يُمكن أن يبدو- إلّا عندما يوحي إلينا بالمناهج و الضّرورات التّنظيميّة التي تنتمي جميعها إلى "الثقافة" متجنّبةً أولويات "المعرفة" التي منها أن نعود دوماً إلى ما قبل "التركيب"....
فالثّقافة "تركيبٌ" اختياريّ و غير موضوعيّ، فيما هي "المعرفة" موضوعيّة بسيطة..!
إنّه في الوَحدة "التّحليليّة" المحضة (و هذا باللغة "المنطقيّة") إنّما تقع "معرفيّة" الّلغة "القَبْليّة" (Apriori) السّابقة على "الثّقافة"، من حيث هي لغةٌ معرفيّة بسيطة خالية من "التّراكيب" و الفرضيّات و البراهين و التّعريفات و "الحدود" المنطقيّة المبنيّة على "القياس" أو على عموم "الاستدلال".
طبعاً لا أتحدّث هنا على "الحدس". فَ "الحدْسُ" هو أيضاً، و على عكس ما تفهمه "الثّقافة"، شيءٌ من عداد "المُركّب" و أدوات "التّركيب" و ليس، أبداً، من عداد "الأوّليّات"..

"الحدسُ" تجربة، و التّجربة، دوماً، هي شيٌ "بَعْديٌّ" و "تركيبيّ". و إنّ كلّ ما يُقرأ في ضوء "التّجربة" المزعومة، محفوف بمخاطر الانزلاق إلى "الثّقافة"!

و في أسئلة التّدليل المعرفيّ، فقط، يقع تكاملُ الحكم الإبستمولوجيّ على أحداث العالَم.. و ذلك لأنّ "المعرفيّ" كان، و لا يزال، وحده، ما هو يستطيع أن يعقِل "الثّقافيّ" ليجعل منه عاملاً من عواملالانفتاح على "الحدث" المرشّح للإدراك.

تمثّل الدّلائليّة العقلانيّة في الموقف المعرفيّ منظومةً وحيدةً يمكن بفضلها العبور من "الوقائع" المشكوك في معقوليّتها، أو في لا معقوليّتها..، نحو ما نسمّيه في الفكر التّرابطَ "الّلازم" أو "الكافي" بين أجزاء غير منفصلة للقصّة المكوِّنة للمعقوليّة.

و لقد كان ضروريّاً للخوض في هذه "الدّلائليّة" من وجهة نظر "المعرفة" التي تشتغل، فيما تشتغل، ب "الّلزوميّات" و "الكفايات", أن يكون التّدليل على فائدتها المباشرة متوجّهاً، أوّلاُ، إلى "الدّلائل السّياسيّة" (Indications) التي تشكّل "المدخل" إلى ملموسيّة "الضّرورة" الكافية للحرب، و التي يجب أن تتجاوز "علم الاجتماع السّياسيّ" الذي راينا كيف أنّه يُجيب، على الأغلب، و حسب، عن بعض الأشراط "الّلازمة" دون منها تلك "الكافية"، بعد أن عبَرنا تلك الأهمّ و الأبرز من وقائع و مفاهيم الضّرورات "الّلازمة" لهذه الحرب.

من المتّفق عليه "عقلانياً"، أي بما يتجاوز "الثّقافيّ" إلى "المعرفيّ"، أنّ اعتبارَ سببٍ أو دافعٍ أو حافزٍ واحدٍ أو وحيدٍ في إعمال "العلّة" المعرفيّة التي تؤهّل "المنهج" للتّحليل و التأويل، إنّما هو ضربٌ من "الانتهازيّة" السّياسية أو من "الاستعجال" بالإعجاب بالذّات الثّقافيّة التي تنشُطُ و تتأجّجُ.. في مثل ظروف هذا "الحدث" الملحميّ (أو قلْ المأساويّ، أيضاً..)، في معرض إغراءِ "نرجسيّةٍ" هي بطبيعتها ملازمة أو معاصرة أبداً للنّشاط الثّقافيّ (و للمثقّف) باعتباره نشاطاً نخبويّاً تميّزيّاً مع كلّ ما يسترسلُ فيه ذلك من القلق المزيّف، من تبعات تبدأ في مكانٍ مبهمٍ فيما قبل إرضاء "الذات"، إرضائيّة تصعيديّة- عاطفيّة واهمة و كاذبة، و تمرّ في "لذّة" ممارسة "الدّافع" المريض في إطار سلوكٍ إشعاعيّ، و لا تنتهي في تحصيل تداعيات الأوضاع "الواقعيّة" من حيث أنّها الوحيدة أو "الكافية" في تمثيل الحافز الاجتماعيّ و و السياسيّ لقيام الحرب.

في هذا الموضع يمكن أن نستعيد استعارة "كلاميّة"(!) من (هيغل) في أنّ "كلّ ما هو واقعيّ، معقول"، و لكنْ على أن نكون متفهّمين، أيضاً، لعكس هذه "الدّلالة" في صيغة أنّ "كلّ ما هو معقولٌ، واقعيّ".

أنت تبقى، دائماً، معزولاً عن "الحقيقة" ما لم تنظر إليها بوصفها إحدى ممكنات الاختلاف، و ذلك في كلّ مرّةٍ لا تكون، هي، بوصفها كذلك، محلّاً للتّعمّق الدّلائليّ الذي لا تحدّه "الظّاهريّات".
و عندما يكون الأمر "العقلانيّ" قابلاً لأن يدخل في هذا الطّور من "الواقع"، فإنّ علينا أن نتبيّن "العقلانيّة" في "المعقوليّة" نفسها، من حيث أنّ "المعقوليّة" هي، أوّلاً، شيءٌ "واقعيّ".

و على عكس ما تدّعيه علوم الاجتماع، بخاصّة، فإنّ ما يُسمّى ب"النّزاهة" الفكريّة و العلميّة، لا يمكن لها أن تشكّلَ "دافعاً كافياً" لاستخراج "معقوليّات" الواقع التي تؤدّي إلى "عقلانيات" سياسيّة في تحليل "الكفايات".
إنّ "النّزاهة" أسطورة من أساطير "الثّقافة" السّياسيّة التي هي، إمّا أن تقدّم الأطر الأكثر نفاقاً لفهم "واقع" مركّب و معقّد كواقع المجتمع السّوريّ، و إمّا أن تجعل من الهدف المعرفيّ لتقويم الأحداث مُجْتَرَحاً جديداً من إنجازات "الثّقافة"، ليدخل هذا "الواقع" في الزّعم القديم و المتجدّد و المستقبليّ لأوهام التّفاهمات "الجمعيّة"التّواطؤيّة، من جديد، لِيُلغي أيّة فرصة معرفيّة لتحدّي هذا "الواقع" بواسطة "تمثّله" تمثّلاً تاريخيّاً فعليّاً، و الذي دخل في "الزّيوف" و أنجزته أوهام "الاجتماع".

معروفٌ عند غالبيّة المفكّرين كيف أن (ماكس فيبر) (1864- 1920م) - عالم الاقتصاد و السّياسة الألمانيّ، و أبرز مؤسّسي "علم الاجتماع" الحديث - كان يولي "النّزعات" الفرديّة و "الشّخصيّة" الأهمّيّة الأكبر في تحليل واقع "الاجتماع" السّياسيّ، لتأسيس "علم الاجتماع السّياسيّ" الأكثر تعبيراً عن "مفتاحيّات" العلاقات "الاجتماعيّة" و "الثّقافيّة" المبهمة.
اهتمّ (فيبر)، بشكل خاص، بنقد و تحليل "ظاهرة الحداثة"، من حيث هي ظاهرة "اجتماعيّة" و "سياسيّة"؛ و عندما عُيّن أستاذاً للاجتماع و السّياسة في جامعة (فرايبورغ) عام (1894م) قال ما يلي:
"إذا كنت قد أصبحتُ، نهائيّاً، عالم اجتماع (كما يدلّ قرار تعييني..)، فذلك لكي أضع، بشكل أساسيّ، نهاية لهذه التّمارين القائمة على أساس مفاهيم جماعيّة مازال شبحها يحوم باستمرار. و بتعابير أخرى: لا يمكن أن ينجم علم الاجتماع إلّا من أفعال أحد الأفراد أو بضعة أفراد أو العديد من الأفراد المنفصلين. لذلك يقتضيه أن يتبنّى، تحديداً، طرائق فرديّة".

[ر. بودون. و ف. بورّيكو – المعجم النّقدي لعلم الاجتماع..].

ما يوحي به قول (ماكس فيبر)، هذا، هو أنّ نقد الظاهرة الاجتماعيّة يمرّ، أوّلاً، في المفاهيم الخاصّة التي هي، بالضّبط، ما يجعل من "الظّاهرة" أمراً اجتماعيّاً عاماً أو حالة اجتماعيّة عامّة.
فالمفهوم الاجتماعيّ (أو العامّ) لا يكون كذلك، إلّا بفضل ما يستطيعه من انطلاقات أوّليّة خاصّة أو ذرّيّة و مخصوصة. فعلم الاجتماع بوصفه علماً على "العامّ" إنّما هو شأنّ فرديّ، أي هو شأنٌ معرفيّ باعتبار أنّ "المعرفة" هي حالة غير اجتماعيّة و لا عامّة.

و عليه، فإنّ القراءة الوصفيّة هي قراءة "ثقافيّة" و لا يمكن لها إن تصبح "معرفيّة"؛ ذلك لأنّ القراءة النّقديّة و التّحليليّة (أو المعرفيّة) [بالنّسبة إلى المهتمّين من المتخصّصين، فإنّ عليهم التّفريق، كذلك، ما بين "المعرفيّ" من جهة، و ما بين "الإبستمولوجيّ"..! و هذ أمر عزيز في العموم..]، و على عكس القراءة الوصفيّة، هي دوماً أمر "خاصّ" و يتعلّق بالخاصّ، أيضاً، و الذي من خلاله يمكن رسم المشهد العامّ. إنّه لا وجود لمعرفة عامّة و إنّما ثمّة ثقافة عامّة فحسب.

و في هذا الإطار فإنّ "علم الاجتماع" لا يخرج من كونه "علم الظّاهرة الاجتماعيّة"، بوصفها موضوعاً للثّقافة السّياسيّة، إلى كونه "علم نقد الظّاهرة الاجتماعيّة"، إلّا بالدّراسة النّقديّة (في إطار "المعرفيّ" و "الإبستمولوجيّ") للسّلوكات الاجتماعيّة الفردية التي تؤدّي، في العزل و التّحليل، إلى شخوصها "الإبستميّ" بوصفها موضوعاً لدراسة "الفروق".

من الأمثلة "التّطبيقيّة" للنّقديّة "المعرفيّة"، على أساس مجموع ما تقدّم، هو سؤالنا كيف يمكنُ للواقعة الفرديّة "الاجتماعيّة" أن تسلك في اتّجاه مناقض "اجتماعيّاً" لعموم الظّاهرة التي تدخل في تركيبها، هي نفسها، دخولاً بنيويّاً فعليّاً، بحيث يكون "واقعيّاً"، و بشدّة، أن ننظرَ إلى "الواقعة" التي هي إحدى تشكيلات "الظّاهرة"، على أنّها تعمل في الاتّجاه المعاكس للظّاهرة، من جهة التّناقضات التّكوينيّة ل"الاجتماعيّ" و ارتداده "التّطوريّ" نحو الجمعيّ أو الجماعيّ أو الفرديّ أو المنغلق.

و عن طريق ما تقدّم يمكننا هنا، أن نقول إنّ ما يبدو "اجتماعيّاً" ربّما كان - و هو كذلك بالضّبط - إنّما هو في تركيبته البنيويّة شيءٌ "استقطابيّ" في حدود "الفرديّ" (أو "الثّقافيّ" على وجه الضّبط) أي في حدود ما هو مانع من "الاجتماعيّ" نفسه عندما "يتطلّب" الأمر واقعاً معادياً للاجتماع..!
و من جهة أخرى، أيضاً، فإنّ ما يبدو من "أسباب" للواقعة أو للظّاهرة يكمن في "الذّاتيّ" أكثر ممّا قد اشتبه علينا من أمره، في أنّه يكمن في "الخارجيّ" أو "الموضوعيّ".

لقد كان الأمر في إشكاليّة "الفعل المعرفيّ"، على الدّوام، هو في هذه "التّسيّبيّة" التي يعاني منها هذا "الفعل" في "المتشابهات" المفهوميّة، و أي في استباحيّته المؤسفة، و ربّما المخطّط لها من قبل "السّلطات" الثّقافيّة و الاجتماعيّة التي لا "تعاني" من التّهديد المعرفيّ (و أي: بقوّة المعرفة) إلّا بقدر ما هي تعانيه في ظروف "العقلانيّة" السّياسيّة المباشرة في أجواء سيطرة هذه "العقلانيّة" على كلّ من إنتاج "المعقوليّة" المفهوميّة.. و في حقول "الواقعيّة" المكشوفة، على التّحديد.

عندما كان من المفترض أن تُختبرَ مزاعمُ جميع الدّعيين بالفكر و السّياسة و الفلسفة و "علم الاجتماع" و الثّقافة و البحث و الدّرس و "الاكتشافات الأكاديميّة" الهزيلة و ما شابه كلّ ذلك من تهويمات فراغيّة سوريّة معاصرة..؛ وجدنا أنّ جميع الزّاعمين بذلك و أولئك الأدعياء انسحبوا من حقول المقارعة السّياسيّة التّاريخيّة التي انعقدت فيها قَتامات هذه الحرب.

لقد كانت فرصة تاريخيّة أن تتأسّسَ "المعرفة" المعاصرة في ظروف قوّة الدّولة التي احتاجت إلى ممارستها الظّرفيّة بالسّلاح. كان ظرفاً ذهبيّاً، و لكنّ الدّعيين عملوا على تفريغه من طاقاته التّاريخيّة، و ربّما إلى الأبد..!

من المفهوم، بالنّسبة إلى المسؤليّة المعرفيّة، أنّ نأخذ بضرورة رصد ذلك العدد الكبير من المواضيع التي تُثير اهتمام "الشّعب" السّوريّ بمكوّناته الثّقافيّة و السّياسيّة المتعدّدة و المتفاوتة، سواءٌ منها (المواضيع) تحليل عناصر الحرب و جبهاتها الإسميّة الغزيرة مع طبيعة و جوهر مكوّناتها التّاريخيّة البعيدة و القريبة في الزّمان و المكان، الماضويّة و الحديثة و الحداثيّة، إضافة إلى الإحداثيّات "الدّيكارتيّة" المقبولة و المفتعلة في مستويات الإسقاط و التّحليل.

إنّ ما يتّصل بذلك هو أيضاً، من تحليليّات "الكفايات" في الإجابات "المعرفيّة" على مجموعة الأسئلة المتّصلة بهذه الصّورة.

لا تتعدى مجمل "الأسباب" الكافية لكي تقوم هذه الحرب، كما قامت، إذاً، واقع أنّها كانت "استجابة" موضوعيّة لما كانت تدّخر "مقدّماتها" التّاريخيّة فيه، من "واقعيّات" متغلّفة أو شديدة التّغلّف في "المصالحات" السّياسيّة التّاريخيّة منها و "الواقعيّة" الحالّة و الحاليّة، و التي أبدت وجهها النّاعم في "اجتماع" مُناور.

و لأنّ "الحرب"، على كلّ مأساويّاتها "الواقعيّة"، لم تستطع أن تبدّل في واقع و طبيعة الصّراعات الاجتماعيّة- السّياسيّة، بحيث لم تستطع، أيضاً، تحقيق "القطع" الثّقافيّ مع "الواقع" من جهة أنّها عجزت عن تقديم "المعقوليّة" البديلة لأسبابها المتعدّدة، في "الدّاخل" و في "الخارج"، و ذلك بسبب سماكة الطّبقات الرّسوبيّة التّاريخيّة المتراكمة باتّصال ثقافيّ تاريخيّ لم يبدّد سكينته في "التّجاور" و "التّعاقب"، أيٌّ من عوامل "العقلانيّة" المعرفيّة الفرديّة أو "الاجتماعيّة" الجريئة...؛
 
أقول، و بسبب كلّ ذلك و في مواجهته، فإنّه يُمكننا أن نحصي أو أن نحلّلَ "الأسباب" الواقعيّة من أجل عقلانيّة نقديّة حداثويّة، في المناورات المعاصرة لما "بعد الحرب"، من حيث أنّنا يمكن أن نكون قد دخلنا، فعلاً، هذه الظّرفيّة "البَعديّة" و التّاليّة على أعمال الحرب المسلّحة الشّاملة التي استقرّت في مرحلة زمنيّة نوعيّة تالية.

فعلى سبيل المثال، استطاع (ماركس) في البنية المعاصرة للسّلعة (البضاعة) و اقتصادها الرّأسماليّ، أن يدرس جميع مراحل نشوء "رأس المال" البورجوازيّ من خلال أسلوب الإنتاج "المعاصر" - في زمنه - و الشّامل لجميع مظاهره بالأسباب و الهويّة و العلاقات و الاستمرار.

و فيما يستمرّ "التّاريخ" بأواصره الكافية التي تجعل منه تاريخاً "مستمرّاً" و متّصلاً، فإنّه يمكننا أن نقوم بإسقاط عوامل ظرف سابق على ظرف لاحق، و لو بشرط اجتماع الهويّة بالاتّصال.

عندما نكون داخلين في غموض و إبهام "الواقعيّة" في "معقوليّة" غير منقطعة لأسبابٍ واحدة في المقدّمات و النّتائج ، فإنّنا نستطيع عندها - و لا نستطيع إلّا بذلك - أن نكون عقلانيين بقدر ما نستطيع أن نقرأ "الظّاهرة" الواحدة في استمرارها و تنقّلها ما بين الحقول و الظّروف في "المكان" و "الزّمان".

و عندما لا يقدم لنا التّاريخ أيّ سبب آخر للمعقوليّة في الواقعيّة سوى ما يُلزمنا به من اختبارنا في أسئلة تقليديّة و مكرّرة على "الحداثة" و ضروراتها "الكافية"، منعاً من تكرار "الجريمة" التّقليديّة و المستمرّة في "الاجتماع" و "الاقتصاد" و "الثّقافة" و "السّياسة" و "السّلطة" و "الدّولة" و "المؤسّسات"..
و باختصار في "الحرب" كظاهرة شاملة على ما كانت و على ما ستكون عليه..؛ فإنّنا لا يمكننا أن نُجيب، أبداً، على سؤال "لماذا قامت الحرب؟" إلّا في الجواب على سؤال "لماذا هي مستمرّة و تستمرّ الحرب؟". و هذا هو، بالضّبط، ما رميت إليه في ضرورة البحث على "العقلانيّات" المعرفيّة في "الكفايات" التّرابطيّة لتحليل قيام الحرب من خلال رصد "المناورات" المعاصرة و الدّائمة و المستمرّة و التي لم تنتهِ.. في جميع صور "النّهايات" المزعومة لهذه الحرب.

أبدت مظاهر و ظاهريّات مشروع "الرئيس بشّار الأسد" أن "الدّولة" و "المنطقة" مقبلة بالضّرورات "الذّاتيّة" (بشّار الأسد كقائد و زعيم سياسيّ وطنيّ و قوميّ و تاريخيّ) كما بالضّرورات "الموضوعيّة" (واقع المنطقة الذي بدأ من جديد مهدّداً للرّجعيّة العربيّة- الإسلاميّة و إسرائيل..)، مقبلة إلى عصر جديد يتوارى فيه "العامّ" التّاريخيّ، و يقضي إلى غير رجعة في مقابل النّزوع "الإحصائيّ" - و المحسوب - نحو دولة عصريّة و قويّة تعيد تشكيل القوى الاجتماعيّة كما تعيد رسم الفضاء الجيوبوليتيكيّ للمنطقة، و ذلك بكل ما سوف يعنيه هذا الأمر من فرض معادلات دوليّة جديدة في "الشرق الأوسط" الجديد.

و في الظّروف الهزيلة و الضّعيفة المحيطة بمشروع الرئيس بشّار الأسد، إن كان ذلك داخليّاً أو كان إقليمياً و عربيّا..، بدأ تراكم التّحدّيات السّياسيّة يمشي بالتّساوق و التّوازي و عكس الجهة التي يتقدّم فيها مشروع الرئيس بشّار الأسد. و كان من "المفهوم"، طبيعيّاً و تلقائيّاً، أن تتحوّل ظاهرة "الدّولة القويّة" التي يعمل عليها، إلى "حلقة" تضعف شرطيّاً مع الهجمة الدّوليّة و الإقليميّة و المحليّة الدّاخليّة.. ضدّ هذا "المشروع".

في "الّلعب" كما في "الاستقطابات" الملعوبة، فإنّ "الأقوى" قد يكون هو "الأضعف" من أجل انتصار مشروع الآخرين الذي يعمل على نقيض مشروع "القوّة" في الانفراد عن السّرب. و هذا ما يظهر في المناورات الفرديّة و الشّخصيّة تماماً، كما يفعل فعله على مستوى المجتمعات و الدّول في الحقول و الفضاءات الثّقافيّة المرتبطة بالمشاريع النّكوصيّة و الرّجعيّة المواجهة للتّطوّر.
إنّ ظاهرة القوّة و التّقدّم و الانفتاح تهدّد، طبيعيّاً، ما خلاها من الظّواهر، الوضعيّة منها و التّاريخيّة، التي تجد منافعها في دوام التّخلف و الانغلاق.

إذاً و بتوضيح شديد، فإنّ "الحرب" في سورية، و على سورية، قامت من أجل إضعاف مشروع الرئيس بشّار الأسد، و الأفضل لديهم، إن أمكن، الإجهاز على هذا المشروع..!

و من البديهيّ أنّ إرادات الصّراع مختلفة الأهداف و الغايات، إنّما هي، بالضّبط، التي تلخّص قصّة الحرب؛ و ليس، بالتّالي، علينا أن ننتظر النّتائج بهذه السّرعة التسذيجيّة في البحث على النّهايات، و إن كانت نهايات هذه الحرب، بمجمل الاتّجاهات، قادرة على التّوضّح لمن يُريد..!؟

و يُخطئ مَن لا يجد، فيما تقدّم، الجواب الأكثر تعبيريّة، على اتّساع مفاهيمه و مكوّناته، على السّؤال الجوهريّ "لماذا قامت الحرب؟". هذا مع أنّ الكثير من عناصر هذا "الجواب" سوف تتوضّح، أكثرَ، في مستقبل هذه المقاطع المتواليّة من الحديث.

إنّنا لا نزال حتّى اليوم لا نعدمُ، أبداً، محاولات الحرب في التهام سؤالها السّياسيّ الأساسيّ القائل "لماذا قامت هذه الحرب؟" و بخاصّة فيما نلحظه و نلاحظه من تمييع لأسبابها إنْ في "الحلول" الفوضويّة المقصودة للكثير من المعضلات التي طرحتها أو أثارتها أو كشفت عنها هذه الحرب، أو في "المناورات السّياسيّة" ذات الأصل "المجتمعيّ" و التّاريخيّ، و التي توحي بأنّ ما قامت به الحرب هو قائمٌ، لا يزال، و سيقوم.

اليومَ، تعمل مجموعة من السّلطات "المجتمعيّة" بالاختراعات التجزيئيّة، في شموليّةٍ فاقت حدود الثقافة في التّحليل، من أجل طمس ثوابت الدّواعي الأساسيّة لشّن الحرب على سورية.

و من الواقع في حظيرة الإدراك المباشر و البسيط أنّ "الموت" المأساويّ الشّامل هو ليس مناسبةً للَّذَّة الثّقافيّة التي عليها -أو تكاد- أن تستحيل قرفاً ضروريّاً و موضوعيّاً جرّاءَ فظاعة الدّمار الهائل الذي يتعرّض له "الوطنُ" بوصفهِ مكاناً ينزلقُ بينما هو شيءٌ ما من قبيل إنجازات الخلود.

إنّه مرحبٌ به كلّ اجتهاد يصفُ عَرَضَاً من أعراض واقعٍ صار مُلهماً للتّأمّل الأليم البعيد و العميق و العالي و غير المحدود، و ذلك على أن يُسمّيهِ كذلكَ.

إنّه على الأداءِ أن يفصل دوماً بين "العللِ- الجوهريّات" من جهة و "الأعراض" من جهة أخرى، منعاً لالتماس الخيانة الثّقافيّة، عن قصدٍ أو من دون قصدٍ في معرض "أنانيّات" و "انتهازيّات" التّفكير.

و فيما نلحظ في كلّ اجتهادٍ ثقافيّ أو سياسيّ تجنّباًل"العقلانيّة" في قراءة دوافع و أسباب الحرب ، كما نلحظ "لامعقوليّة" تسير في وهم إهمال الضّرورة في تجنّب الأخذ بالواقع في الإدراك، أو في العجز عن ذلك، و هو الأرجح؛ فإنّه علينا أن لا نختزلَ الإجابات السّياسيّة التّاريخيّة على "الأسئلة" الموضوعيّة على دواعي الحرب في جاهزيّات انعزاليّة توحي بأنّ الفاعل الوحيد - مثلاً- هو في جاذبيّة الانضواء تحت ظلاميّة "الآخر"، أو هو هذا "السّبب" أو ذاك، أو في أنّالفاعل الخاصّ ذلك "الدّافع" أو ذاك، تماماً كما أنّه ليس الفاعل العام و الشّامل هو هذا "الحافز" أو ذاك.

في مستقبل حديثنا سوف يترسّخ الوضوح الكافي، في معرض الكفايات السّببيّة للحرب، و ذلك عندما سنبحث في سؤالٍ مشروع، أيضاً، حول البعد التّنظيميّ للإطار الخاصّ و العامّ للحرب، في صيغة سؤال حمّال أوجه يمكن صوغه في عبارة نموذجيّة مفادها هو اندماج الحرب في العالم المعاصر، و أعني "هل كان مخطَّطاً لهذه الحرب"..، و كيف؟ و هل في الأمر "مؤامرة" فعلاً أو ما هو من هذا القبيل؟

نحتاج إلى أن نفتح، إذاً، الباب واسعاً أمام حرّيّات أوسع في الفكر السّياسيّ الذي عليه أن يتصدّى لكلّ ملابسات هذه الحرب.

إنّها حرب القرن الواحد و العشرين التي تختزن في محاصيلها جميعَ معالم "الشّرق الأوسط" المقبلة، و ذلك مع ما يتّصل بها، أيضاً، من تداعيات في "أطرافها" و في السّفوح.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

October 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
1765391