الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: أيضاً في "لزوميّات" الحرب... "الثّقافة " فَخّ للسّياسة و"دافعٌ" واسعٌ للسّلوك

[سلسلة الفكر الإستراتيجي "12" الحلقة الثانية عشرة.]أ بهجت سليمان في مكتبه

{أيضاً في "لزوميّات" الحرب... "الثّقافة" فَخّ للسّياسة، و "دافعٌ" واسعٌ للسّلوك}

كانت للحرب على سورية جملة من المتواليات الحسابيّة (المادّيّة و الملموسة) و الهندسيّة (السّياسيّة) من الحقول و الفضاءات التي جعلتمنها عاصفة من الفوضى المنظّمة في التّنفيذ في تبييتٍ و بيَاتٍ في شموليّة و تنوّع الإعداد و التّخطيط، و جريمة من القتل و التّدمير و مشروع في الاستثمار الماليّ و السياسيّ، و جملة من التّعيّناتالأخرى التي يجب أن تكون محطّ اهتمامات علوم مختلفة أو دراسات مستقلّة و منظّمة أو منفردة هنا و هناك؛

و بطبيعة الحال فإنّه يمكن لهذه الدّراسات، كما هو الوضع مع التّجربة الفكريّة و السّياسيّة الإنسانيّة، أن تكون قادرة على الإحاطة بحقائق و مجريات هذه الحرب، أو أن لا تكون كذلك؛
لهذا كان على من يحلّل في الواقع و التّاريخ أن يكون متسلّحاً بمجموعة من "العلوم" و "المعارف"، كي لا تغريه السّذاجة في القراءة بأسهل الأحكام و أقصرها طريقاً و أكثرها محدوديّة في الرّؤية؛ ذلك لأنّ ما هو يقع في إطار المعرفة هو، على الأغلب، ذلك الذي لا يخضع للفهم المباشر.

و لقد وجدنا، سابقاً، أن نؤجّل حديثنا على مواضع "الانتشار"السّابق للحرب (أو مكانيّات الحرب)، على وقائعها و على المصالح و الأهداف التي حقّقها الآخرون بها و عبرها..، في "الفكرة" و التّخطيط و الصّناعة و الممارسات المحايثة؛ بسبب أنّ التّعقيد الذي أحاط ظروف الحرب و أغراضها المركّبة، هو تعقيد يحتاج إلى تفصيل نسبيّ للحدّ، ما أمكن، من مجانيّة الأحكام؛ هذا على اختزاليّة "تقنيّات" هذه القراءة- هنا- تبعاً لمجمل ظروف القراءة و شروطها الخاصّة.

هكذا كان علينا أن ننظر إلى سورية، من هذا الجانب، كحقل للحرب، و إلى "العالم" كفضاء "كوسموبوليتيّ" لهذه الحرب.

بعد الحرب العالميّة الثّانية، و في أثناء ظهور و تطوّر ما سمّي ب"الحرب الباردة"، بدأت نزعة "العالميّة" (Globalism) بالتّبلور. و كان من أهم الأدوات التي مهّدت لذلك، و أسهمت فيه، مباشرة، ما كان في ظهور جهاز المخابرات الأميركيّ المعروف ب (CIA) (1947) ليتولّى هذا الجهاز "الجانب الثّقافيّ" من الحرب الباردة بواسطة ما سمّي آنذاك ب"منظمة الحرية الثقافية" عام (1950).

و لم يكن "إعلان" الرّئيس الأمريكيّ (بوش الأب) عن "النّظام العالميّ" الجديد أثناء حرب الخليج الثّانية (1991) سوى مجرّد إعلان عن "الفكرة" النّاضجة ل"العولمة" (globalism).
كانت الأداة الرّئيسية لهذا "النّظام" ما يسمّى ب "منظمة التجارة العالمية" (W.T.o) التي أنشئت في عام (1995).

و إضافةً إلى مبدأ "حرية التجارة"، كان من بين أهم الأهداف المعلنة لهذه "المنظّمة"، مبدأ "حرية الثقافة" دون أيّة رقابة من الحكومة"المحليّة".

كان الهدف الأساسيّ و غير المعلن ل"العولمة" هو تحويل "العالم"كلّه إلى النّموذج "الثّقافيّ" الأميركي في إطار الممارسة الإمبرياليّة (Imperialism) ل"الكوسموبوليتيّة" السياسية على الطّريقة الأميركية.

في هذا الإطار قامت الحروب الأميركية على العالم و لا تزال.

و في الإطار نفسه أُلحِقَتْ "الدّول" و مصادر الموارد و الشّعوب و الأموال و الاقتصادات و "الأديان".. و النّفط و الإعلام..، و الانفصاليّات "التّفتيتيّة" للمجتمعات و الشّعوب و المعتقدات و الثّقافات، و غيرها و غيرها، ب"النّظام"..؛

في السّياق تحوّل العالم كلّه إلى ورشة عمل لخدمة أهداف "العولمة".

هذا هو بالضبط ما سمّيناه، في حديثنا الماضي في كينونات الحرب، "فضاء الثّقافة العالميّة المعاصرة". و كان هذا الفضاء الثّقافيّ أن دخل في عداد التّحديدات "المعرفيّة" للبرهان على "الشّيء".

"الشّيء"، هنا، هو الفضاء العامّ العالميّ لهذه الحرب الطّاغيةفي كينونتها الماثلة أبداً في سياقات "فكرة" السّيطرة على "العالم"، كمكان "عولميّ"، ليس لا ينفصل عن مناسبة هذه الحرب الشّاملة، فحسب، و إنّما أيضاً بما هو كلّ في مقابل "الوهم" الذي ينسب هذه الحرب إلى جزئيّتها أو إلى جزئيّاتها "المحدودة" في "الحراك" المجتمعيّ- السياسي السوريّ و شعارات الحرية الزائفة التي استهلكها القاصرون العاجزون عن رؤية العالم و معهم أولئك الذين يكذبون..!

و تبعاً لتعدّد و تعقّد ظروف المكان العالميّ، "كانت" الحرب تكمن "في" فكرة قديمة و متجدّدة تُعدّ اتّصالاً و استمراراً لنظام سياسيّ دوليّ تقليديّ في تسويغ العنف الذي يتطلّع، دوماً، إلى معطيات جديدة في "الحداثة" و التّطوّر.

على هذا الأساس فإنّ الحرب هي الآليّة الوحيدة التي تجعل من "النّظام" في ديناميكيّة عضويّة تجدّد أعضاءه و عناصره و أدواته و سماته بما ينسجم مع المعطيات المتطوّرة التي تنتجها البشريّة في تحولاتها الخارجة على القصد، و ذلك ضماناً و تقييداً لما يمكن أن يكون مقصوداً من أفعال السّياسة "المنظّمة" للتّاريخ إنْ في وقائعه و أحداثه أو في غايات الإحكام على منتجاته.

إذاً، لقد كان "النّظام" العالميّ موجوداً دائماً، و ما "الإعلان"، بين برهة زمنيّة و أخرى، عن "خلقه" المزعوم سوى إعادة "صيانة" له و تجديد أو "تعمير" جديد لبنيته "الوسائليّة".

و من الطّبيعيّ أن يعمل هذا "النّظام" الحيّ على تجديد ذاته بذاته في إطار أدواته المحدّدة و غاياته المفتوحة على المستقبل.

لهذا نحن نستطيع أن نفهم أنّ النّظام الإمبرياليّ العالميّ (كنظام استعمار شامل)، قد مرّ في تاريخه بمحطّات شكّلت له الجرعات النّوعيّة التي استطاع بفضل تراكماتها أن يكسب له المهارات المحسَّنة من أجل التّمكّن السّياسيّ المديد.

في النّظرة التّاريخيّة المتّصلة ، إلى العالم، كانت، قبل ذلك، (روما) قد زوّدت العالم بمفاتيح الأبواب السّريّة لاستعباد الشّعوب للشّعوب و الدّول للدّول، و الثّقافات للثّقافات، و الأديان للأديان..؛ و قد جاراها في ذلك، و عمل على نموذجها، بعدها، "جميع" الإمبراطوريّات الاستعماريّة (الإمبرياليّة) في تقاليدها عبرَ أكثر من ألف عام على تاريخ هذه "الحضارة" البشريّة التي نعيش في فضاءاتها إلى اليوم.

أميركا اليوم هي الوريثة "السّياسيّة" لروما، تتقاسم مع "الكنيسة" العالميّة الوظيفيّة ("الفاتيكان" رمز فحسب!) كمكان ميتافيزيقيّ عالميّ و "كوسموبوليتيّ" نفسيّ و "أخلاقيّ" (اقرأ لا أخلاقيّ!)، الإرث "الرّومانيّ" الفكريّ و السّياسيّ في مسرحيّتي الحرب و السّلام..! و أمّا الهدف العمليّ فتوسّع و إخضاع و استثمار و استخدام و استعمال، و بكلمة: استعمار للآخر بكلّ ما تعنيه، هنا، كلمة "الآخر" من تغريب و اغتراب.

ليس، إذاً، مكان الحرب هو هذا المكان المحدود في تحديداته "النّظريّة" داخل "الحدود" الوطنيّة، فحسب، و إنّما هو جميع عناصر المنظر العالميّ الذي تظهر فيه الحرب كتفصيل، فيما يؤطّر هو (المكان) واقع هذا التّفصيل بكادر من الهارموني السّياسيّ المعبّر عن انسجام سائر ما يظهر على أنّه من المتباينات و المتناقضات.

على كلّ حال لم تُشِرْ دلالات "الاختلاف" في الواقع العالميّ، في مجمل ما تُشير إليه في "التّدليل"، يوماً، إلى "التّناقض" أو "التّنافر" أو ما يؤكّد هذا و ذاك، و لو أنّها أوحت، و توحي، بالأمر من باب "التّشابه" و التّركيب!

يتطلّب فهم "نظام العالم" الذي يُسمّى "جديداً"..، أن نكون مستعدّين ، أوّلاً، لتجاوز ضيق أفق الفكرة التّقليديّة عن موجبات الصّراعات الدّوليّة التي تقضي بقضاء "طرف" دوليّ أو إقليميّ أو جيوبوليتيكيّ، على "طرف" آخر.

هذه نظرة كانت، دوماً، خاطئة في إدراك متطلّبات استيعاب نظريّة العالَم نفسها كحقولٍ و فضاءات متشارطة و متخادمة.

و أكثر من ذلك، فلربّما كان هذا الصّنف من "الإدراك" موجّهاً، "تعليميّاً"(!)، أصلاً، إلى الوعي الإنسانيّ المتخلّف و منه "العربيّ- الإسلاميّ" الحديث و المعاصر، توجيهاً ثقافيّاً و سياسيّاً مقصوداً، لكي يبقى، هو نفسه (هذا الوعي)، خارج الوعي العالميّ المدرَك بالوقائع.

ليس المقصود، إذاً، هو القضاء على "الآخر"، و إنّما إخضاعه و جعله يعيش في "أمانِ" ما يُتاح له من "معقوليّات" و ثقافات و واقعيّات و اقتصاديّات..، تكفيه، و حسب، "شرّ" الانقراض..!

لا أعني أنّ "البديل" المعرفيّ في جذر الوعي يجب أن يكون قائماً على جعل "الجزئيّات" محلّ "الكلّيات"؛ فلا ننظرْ - مثلاً - إلى ضرورة تفسير "الحرب" ببعض مكوّناتها من مثل "المساومة" و "المؤامرة" و "التّواطؤ" و "التّقاطع" و "التّشارك" الصّريح؛ و إنّما فقط بفضل ما يجعل كلّ تلك "المعالم" السّياسيّة و الأعراض الدّيناميّة للأحداث الكبرى (كالحرب)، ممكنة في إطار "انعزال" الأهداف الأخيرة و الغايات و انفرادها "الطّبيعيّ"، مع أنّها لا تنفصل - كما قدّمنا، منذ قليل- في السّيرورة المتشارطة بين جميع "الأطراف" في سياق التّنفيذ..

و هذا ناهيكَ عن أنّ "الجزئيّات" هي إحدى مكوّنات الكليّات؛ ذلك (و هذا ما لا يمكن أن يُفهمَ ثقافيّاً..!) لأنّ ما ينضاف إلى "الجزئيّات" التي تكوّن كلّيّاتها، في سياق نُجوز "الكلّيّة" المعبّرة الواحدة (ك"النّصر"، مثلاً، أو "الخسارة"، في نتائج الرّهان السّياسيّ في الحرب) أو مجموعة "الكلّيّات"، إنّما هو إضافة غير متوقّعة في "الثّقافة"، و أعني بها العلاقات "الموضوعيّة" النّاشئة في سياق تفاعلاتها ما بينها، و التي قد تفاجئ جميع المراقبين و المهتمّين و المعنيين بمن فيهم أصحاب العلاقات المباشرة و المعلومة "الحيّة" في التّفاعل و التّجاور و الاحتكاك. و هذا ما يتجاوز "التّدليل"، في مادّيّاته الملموسة، على "الواقع" الواحد، إلى "شموليّة" الدّليل.

من المؤكّد أنّه سيكون لنا موقفٌ متوسّع و موسّع، معرفيّاً، مع هذه "الدّلائليّة" في مستقبل حلقات هذا الحديث.

لا يدخل مفهوم الفعل و ردّ الفعل في حيّز كُمون الحرب في المكانيّات، مع أنّه يدخل في ما يُشير إلى ذلك. و من الأنسب أن يتوجّه فهم طبيعة الفعل الذي لا ينفصل عن الحرب، و كذلك ردّ الفعل، إلى كيفيّات اغتذاء الحرب ذاتها على ذاتها في استغراقها للوقت أو للزّمان.

و لأنّه لا يمكن تجاهل طبيعة الفعل و ردّ الفعل و الدّور الذي يُشكّلانه في أدوات و سيرورة الحرب؛ إذ أنّه بهما تكون و تستمرُّ الحرب، عمليّاً، و بغيابهما لا تكون؛ فمن الأجدى أن يكونَ "عاملُهُما" الدّلاليّ في "الحلقة" المقبلة من سلسلة هذا "البحث"، و أعني عندما سيكون دور الحديث قد حان للإجابة على سؤال "لماذا قامت الحرب؟"..
إذ من المؤكّد أنّنا سنحتاج إلى ذلك في الّلحظة التي سنتجاوز فيها الجواب، هناك، عابرين في الاستقراء الرّياضيّ (التّراجعيّ) من "المعرفيّ" إلى "الثّقافيّ" في تحليل "كفايات" الحرب، بعد أن نكون قد قطعنا المسافة الضّروريّة في تحليل "الّلزوميّات".

و مع هذا، فإنّ عدم دخول "الفعل" و "ردّ الفعل" في "مكانيّة" الحرب السّابقة على الحرب، و أي في هذه المناسبة الحاليّة من الحديث، فإنّما ذلك من حيث العنصر "المادّيّ" المباشر في "الكينونة"، فحسب.
إذ أنّ دخولهما في "قصّة" الحرب و عناصرها و أدلّتها في "الّلزوم"، لا يقتصر عليهما كممارسة في الظّواهر و الظّاهريّات، مباشرة، فقط، بل يتعدّى ذلك ب"الضّرورة" التّاريخيّة، الاجتماعيّة و السّياسيّة (على الأقلّ!)، إلى سبق أو أسبقيّة "الوقود" على "النّار"، و أعني إلى "الاستعداد" التّاريخيّ، في "الاجتماعيّ" (أو المجتمعيّ) و السّياسيّ الذي يسنح لهما، في المناسبة "الكافية" المقبلة، بالتّعيّن و التّشخّص و التّشخيص و "الشّخصانيّة" العدوانيّة الإنسانيّة التي تعتبر أهمّيّتها تفوق الكثير من "الأهمّيّات" الأخرى في "المعرفة"، كواسطة أو حاملة أو رافعة للكثير من غيرها من "الّلزوميّات" المتضامنة مع "الكفايات"..
و ذلك عن طريق ما صنّفناها (المصطلحات المفهوميّة السّبقة للتّوّ) فيه"معرفيّاً" - بواسطة "المعرفة" - من حيث أنّها ممّا يشكّل الموضوع أو المضمون الأساسيّ لكثير من اشتغالات "العلوم" التّطبيقيّة المحضة، كالطّبّ و الطّب النّفسيّ و العصبيّ و علم النّفس التّحليليّ و علم التّحليل النّفسيّ و علم النّفس الاجتماعيّ و علم السّلوك و علم وظائف أعضاء السّلوك (سائر علوم "السّايكولوجيا" و "الفيزيولوجيا")، و غير التّطبيقيّة مثل "السّوسيولوجيا" و "الأنثروبولوجيا"، و علوم أخرى، و التي بفضلها كمجموعة متضامنة من العلوم، فقط، ربّما، تُوَفَّقُ "المعرفة" في النّظريّة (الإبستمولوجيا) لكي تجيب على سؤال تأسيسيّ لها يطرح عادة على "الكيفيّات" و "الأسباب" في صيغتين شهيرتين و معروفتين هما: "كيف؟" و "لماذا؟".

لقد خضعت صيغة "العلاقات الفضائيّة" السّياسيّة المجتمعيّة السّوريّة لمجموعة من "الاستعدادات" المكانيّة "الذّاتيّة"، جعلت منها الفضاءاتُ "الموضوعيّة" العالميّة حقولاً و فضاءات "خاصّة" و "ذاتيّة" لازمة لخوض "التّجربة"؛ و لا يهمّ، هنا، ما إذا كانت تجربة الحرب "مغامرة" أو "تخطيطاً" دقيقاً أو غير دقيق..؛ و هذا ما سيكون له، أيضاً، محلّ في متواليات هذا الحديث.

و على كلّ حال، فقد كانت هذه "الاستعدادات" في مكانِ "هنا" و أمكنة متعدّدة "هنا" و "هناك"..
يُراهن، عادةً، مصمّمو "النّظام العالميّ" الجديد (أو المتجدّد..) على واقع التّغيّرات و المتغيّرات "الثّقافيّة" عند المجتمعات و الشّعوب؛ و يشمل هذا في الواقع تغيّر و تغيير "الثّقافة" الخاصّة، نفسها، التي تسود "المجتمعات" المستهدفة.

كان (نابليون بونابّرت) من أشهر مَن تنبّه لأهمّيّة "الثّقافة" الوضعيّة في تغيير "السّلوك".
فبعد أن غادر (مصر)، في العام التّالي للحملة الفرنسيّة على مصر و بلاد الشّام عام (1798- 1801م)، أرسل إلى خليفته (كليبر) يطلب منه انتقاء حوالي خمسمائة من الصّفوة الاجتماعيّة في (مصر) وإرسالهم إلى (باريس) للبقاء فترة يتعرّفون خلالها على الحياة الثّقافيّة في (فرنسا)، ليعودوا بعدها محمّلين بالثّقافة الفرنسيّة الغربيّة، و يعملوا على نشرها "فكراً" و "سلوكاً"، فيتمّ "التّطبيع" الثّقافيّ، مع النّخبة الثّقافيّة و بواسطة هذه "النّخبة"، و يجري "الاستيعاب" ب"استهلاك" شخصيّة الأمّة أو المجتمع.

هذا مثالٌ على التّلاعب ب"الثّقافة" من أجل تغيير "الاستعدادات" السّلوكيّة تمهيداً لغزو السّلوك نفسه بالاعتماد على هذه "الثّقافة".

في الحقيقة يبقى هذا "المثال" سطحيّاً لا يخدم المناسبة التي أوردناه لأجلها ما لم نوضّح أموراً أخرى تتّصل بمضمونه مباشرة، و تتّصل بواقع مجتمعنا السّوريّ، بخاصّة، في تفاعله من "الثّقافة" الغربيّة.

ينبغي أن نحدّد بدقّة ما يلي:

1 - في سلوك القادة الاستعماريين، الحديثين و المعاصرين، تتداخل عادة الخلفيّة الثّقافيّة الإمبرياليّة مع التّوحّش القائم على أرضيّة نفسيّة شخصّيّة و قوميّة غربيّة واهمة و موهومة بالتّفوّق "النّوعيّ" على العالم و المختلط بعقدة الدّونيّة أمام الغزو البربريّ "الشّماليّ" (النّورمانديّ) الذي حطّم غرور الإمبراطوريّة الرّومانيّة و فتّتها عمليّاً إلى أوروبا و أميركا الحديثتين.

2 - مع تطوّر الغرب في "القوّة" و وسائل السّيطرة "العلميّة" الحديثة، بقيت عقدة "الدّونيّة" أمام "البربريّ" قائمة في التّكوين "النّفسيّ" (السّايكولوجيّ) الغربيّ فأنتجت في جماعها مع "أسباب" القوّة ما نعرفه ، اليومَ ، من عنف يطبع السّلوك الإمبرياليّ الغربيّ. و في نشوء أميركا و ثقافات المؤسّسين دلالات "بربريّة" كافية لإثبات هذا التّفسير.

3 – أنتج "الغرب" في تاريخه الحديث ما يكفي من العلوم لاختبار "الدّافعيّة" و "الحافزيّة" الإنسانيّة، و للتّلاعب بها و إخضاعها عند "الآخر" في قصّة تراكميّة من المعلومات العلميّة التّطبيقيّة التي قادت إلى كومة من "الثقافات" الجاهزة التي صُدّرت، و تصدّر حتّى هذه الّلحظة، إلى الشّعوب التي بقيت متخلّفة، حديثاً، لأسباب عديدة ليس هنا موضع بحثها، فأنتج "الغرب" فضاءً عالمياً له كان و لا يزال موضوعاً للعنف البربريّ بجميع عناصره و أسبابه و أهدافه "المتطوّرة" عصرياً، باستمرار.

4 – أسّس هذا الوضع لنموّ عقدة الدّونيّة "الشّرقيّة" أمام "الغرب"، بعد أن انفصلت شعوبنا المتخلّفة في "الشّرق" (و بخاصّة منها الشّعوب العربيّة- الإسلاميّة) عن ثقافة و روح و حياة "الغرب"، بمسافات حضاريّة شاسعة و متناميّة بسبب سرعات و تسارعات معدّلات "النّموّ"الشّامل في "الغرب" في مقابل معدّلات نموّ هزيلة و شبه مراوحة في مجتمعانا، تبعاً لنضوب و ندرة الموارد الأساسيّة للنّموّ.

5- لعب و يلعب أسلوب الإنتاج الإمبرياليّ القائم على "تنضيب" مقدّراتنا و شعوبنا و مجتمعاتنا و مواردنا المادّيّة و الاقتصاديّة، دوراً مضافاً إلى ما تقدّم، بحيث تكرّست و تتكرّس، باستمرار، جميع مقوّمات و عناصر تخلّفنا الحضاريّ الشّامل.

6 – و مع عجزنا عن مواكبة سياقات الحضارة العالميّة، عجزاً علميّاً و اقتصاديّاً و اجتماعيّاً، لجأت "ثقافاتنا" إلى ذاكرتها المليئة بالماضي الذي انقطع انقطاعات إبستمولوجيّة حادّة عن الواقع العالميّ، ما نجم عنه تشكّلاً ثقافيّاً رجعيّاً و سلفيّاً أنتج مفاهيمنا الخاصّة في "السّياسة" القائمة على محدوديّة الأفق الإنسانيّ، ما جعل "الثّقافة" عندنا سلاحاً سياسيّاً و أيديولوجيّاً غاشماً ، تتنازع عليه الحكومات و الدّول و الشّعوب و المجتمعات تنازعاً على الاستئثار و التّسلّط المتخلّف و المستبدّ في هيئة التّنازع على "المعقوليّات".

7 – أخيراً أنتج، إذ ذاك، كلّ ما تقدّم من "أفعال" و "مفاعيل" و "مضامين" و "مفاهيم" (و هذا، إذاً، ما يفوق "الأسباب"..!)، أنتج عندنا، بخاصّة، في سورية - كمجتمع تعدّديّ نموذجيّ- "مكاناً" متوتّراً من التّناقضات العميقة النّامية على ثقافات مجتمعيّة منقسّمة و عدوّة، تاريخيّاً، "كمنت" فيه قصّة الحرب التّالية..!؟

١ ـ فمن باب "الثّقافة" هذه الانعزاليات الفرديّة و الجمعيّة و الفئويّة و العصبويّة و الاستثماريّة و الاستئثاريّة و الدّينيّة و القبَليّة و السّياسيّة المحدودة.

٢ ـ و من باب "الثّقافة" كمون النّيّة في ممارسات تَقَوّيِّةٍ يستطيع فيها جميعُ "المتَتَاخمين" في حدود النّار و السّلاح الخفيين، ممارسة أقصى أنواع النّفاق و الخداع في مصطلحات و مشاريع تستخدم "المجتمع" و الدّولة ضدّ "المجتمع" و "الدّولة".

٣ ـ و من باب "الثّقافة" التّمكّن من تسخير معطيات السّياسة العامّة المنفتحة في خطاب معاصر، في أدوات و مقوّمات "خطاب" سلطويّ أهليّ مبطّن بالانغلاق و العدائيّة و ممارَسٍ بالشّعارات و المقولات الجاهزة التي لا تعني أشكال الصّياغة و مضامين الدّافع و الهدف.

٤ ـ و من باب "الثّقافة" أن يكون الأفراد "قادرين" على التّحوّل و التّشكّل المرن و المتعدّد و الصّالح لتلبية جميع الأعراض السّياسيّة و الانتماءات و الإلحاقات بالخارج و بالآخَر و بالعدوّ التّاريخيّ و السّياسيّ للمجتمع، بحيث يكون كلّ من الأفراد، أو الجماعات، منتمياً إلى ما هو خارج المُتّحد الاجتماعيّ- السّياسيّ في صيغة فقدان الذّات أو المساومة على الشّخصيّة أو المراهنة على "الآخر" بواسطة تشكيلات مجتمعيّة فاقدة للهويّة و مستعدّة، في كوسموبوليتيّة سالبة، للتّحلّل من كل انتماء وطنيّ أو اجتماعيّ أو سياسيّ في عالم أنجز استقطاباته"الوطنيّة" و "القوميّة" و أنتج جميع ما يتطلّبه هذا من فروض.

٥ ـ. و من باب "الثّقافة" أن يبقى للأفراد و القوى و المشاريع و الاستراتيجيّات الانفصاليّة في النّظريّة و الأيديولوجيا و العمل و الأخلاق، دائماً، طرقٌ قادرة على تفتيت "العقلانيّة" و "العلمانيّة" في ممارسات سرّيّة الأدوات و القوى و الوسائل، و معلنة الأهداف المتضامنة مع "المحرّم" و "الرّمز" المقدّس و "المحمول" العقائديّ و "شعارات" الحريّة و الدّيموقراطيّة، من أجل أهداف تتجوهر في تحطيم جميع مرتكزات و أسس "الاجتماع" و "التّنمية" و "التّقدّم" لمصلحة أعداء فعليّة و واقعيّة هذه القناعات و المرتكزات.

٦ ـ و من باب "الثّقافة" أن يجري ذلك كلّه، و ما هو من قبيله، في صيغة تحالفات داخليّة و خارجيّة من أجل الانقضاض على المجتمع و الدّولة الوطنيّة و مستقبل المشروع الوطنيّ، بالمؤامرة و الحرب و الارتهان للظّلام بدافع العداء للشّركاء الوطنيين في السّياسة و الاقتصاد و الاجتماع .

٧ ـ و عليه، فإنّه من باب "الثّقافة" أن تجري الحرب على سورية، على أرضيّة من قتل الآخر "المختلف" لمجرّد أنّه يقع خارج النّمط القبَليّ المحدّد و المحروس بواسطة بربريّة العالم، هذا و لو كان ذلك "الآخر" هو أيضاً يتبوتق في نمط و لكنْ "غريب" على النّمط أو الأنماط المتباينة و المتعدّدة الأخرى في بيئة تاريخيّة، عُقّمت من إمكانيّات النّمذجة المعاصرة المواكبة للحداثة.

ألا يعدّ هذا و ذاك كلّه من "الأسباب" الكثيرة الّلازمة لرسم و تحديد بيئة الحرب في مشروع هذه الجائحة؟!

لا يَحار، إذاً، الفكر، عندما يُريد، في تبيّن "مكانيّات" الحرب، السّابقة على الحرب، في الواقع و في العالم.

كان لتلاقح العنف الثّقافيّ العربيّ- الإسلاميّ، في صيغته التّناحريّة، مع الفكر الثقّافيّ الغربيّ البربريّ، نتائجه الكافية التي كانت تتربّع في "النّظريّات" المختلفة، في انتظار "السّاعة".

ليس من المعقول أنّنا نتجاهل وقائع و "أسباباً" أخرى، كالبيئة المندحرة في الفقر المورِّث للجهل بواسطة انعدام فرص العلم و "الذّكاء" و الرّقّة الإنسانيّة و العواطف الجماليّة و الآفاق الملوّنة..، إلخ؛ و لكنّنا ندلّل على أمر يتلخّص في أنّ الأشراط "المجتمعيّة" العامّة في ظلّ تاريخ البربريّة الغربيّة بسماتها الإمبرياليّة المعاصرة (و هنا تكمن كلّ معالم التّخلّف الصّنعيّة) التي كانت بالنّسبة إلينا، في سورية، لازمة للوقوع في "الفَخّ"..؛ و التي لم تكن (أو لم تتوفّر) كذلك بالنّسبة إلى غيرنا، مع تشابه التّأويلات الخارجيّة و القسَمات "العامّة" في ظلّ "العولمة"...
و كذلك مع تشابه، و أحياناً تطابق، ظروف "المكان" الخاصّة التي ربّما جعلت منه هدفاً "عولميّاً" مفضّلاً دون غيره من البلدان التي قد لا يتوفّر فيها ما توفّر عندنا من أرضيّة قويّة تسمح برسم حدود و "واقعيّات" و قابليّات المغامرة العالميّة التي كانت، بالبداهة، تحتاج إلى ما يشكّلهالواقع السّوريّ من مكانٍ نموذجيّ للحرب.

لا يمكن، بكلّ تأكيد، إغفال الموقع السّوريّ الخاصّ بالنّسبة إلى (إسرائيل) بما تشكّله (إسرائيل) بالنّسبة إلى "الغرب" و إلى "العالم"كلّه، بالأحرى..؛ و لكنّ لهذا "التّدليل" موقعَه في مستقبل الحديث فيما هو قادم.

ما أريد قوله هو إنّه لو لم تجتمع كلّ تلك العناصر الدّلاليّة لكينونة سورية على ما هي عليه، من خاصّ و عامّ و ذاتيّ و موضوعيّ و تاريخيّ و حَيٍّ، و ثقافيّ و "اجتماعيّ" أيضاً، فإنّه لم يكن لتلك الحرب أن تكون مناسبة العالم كلّه للمغامرة المسلّحة في مجتمع مخترق ثقافيّاً و سياسيّاً و حضاريّاً على ما هو مجتمعنا السّوريّ.

الآن، أصبح يمكننا الإلمام بالصّورة العامّة (أو بالمشهد العامّ) للمكانيّة "الّلازمة"، أصلاً، للحرب على سورية.

و أصبحنا، بالتّالي، قادرين على "الإجابة" المعرفيّة على سؤال "الأينيّة" التّاريخيّة الأصليّة للحرب، و "الواقعيّة" المباشرة التي هي جزء من "هويّة" سورية، المجتمعيّة و الثّقافيّة، بما هي جزء من مكانيّات الحرب.

و ربّما أصبحنا، أيضاً، قادرين على تشخيص الكثير من الأفعال و الحوافز الاجتماعيّة العنيدة التي لا تزال، حتّى هذه الّلحظة، و سوف تبقى، في المستقبل، قادرة على التّحريض الدّافعيّ على حرب، أو حروب أخرى، ما لم تكن عبرةً أمام كلّ من الأفراد و الجماعات و الثّقافات و الأديان و الأخلاق و "السّلطات" و "الاستراتيجيّات" المجتمعيّة الفاعلة و المعلنة منها و غير المعلنة..؛

و هذا - في الوقت نفسه - إضافةً إلى احتماليّة ما لن تكونه"الدّولة" قادرة على "الاعتبار"، بما هي عليها أن تكون الدّولة الفاعلة "الحمائيّة" و الضّامنة للمجتمع و ل"ذاتها" أمام جميع تلك المخاطر "الحالّة" و ما سبّبته و ما تسبّبه و ما سوف تسبّبه من استمرارٍ لحاضرٍ دامٍ، من الحرب و الثّقافة و العلاقات، و من مستقبل لا اجتماعيّ و لا إنسانيّ و لا بشريّ، مستقبل مغلق و ضيّق و عنيف و كئيب..، و من مستقبل "سياسيّ" كارثيّ و فجائعيّ، يبشّر بِقَدَرٍ تاريخيّ مضمونه المحدوديّة و الانقراض و الزّوال.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2075044