الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: لماذا كانت الحرب..؟ و أين "كانت" هذه الحرب؟ حقول "المكان" و لزوميّات الحرب

[سلسلة الفكر الإستراتيجي "11" الحلقة الحادية عشرة]د. بهجت سليمان

{لماذا كانت الحرب..؟ و أين "كانت" هذه الحرب؟ حقول "المكان"، و لزوميّات الحرب}

* د. بهجت سليمان

يثير سؤال "لماذا كانت الحرب؟" التّحرّك باتّجاه معرفة اللزوميّات السّياسيّة العالميّة و المحلّيّة التي كان لا بدّ منها لقيام هذه "السّاعة"..؛

بينما يثير السّؤال الآخر "لماذا قامت الحرب؟" شؤوناً و أموراً أخرى تتعلّق "معرفيّاً" بالكفايات التي أتاحت جعل الحرب موضوعاً عمليّاً و ممكناً كحدث "كان" و "يكون" كعنصرٍ من عناصر مناسبة هذا الحديث و ما سوف يتعلّق به من أفكار مقبلة ضروريّة من أجل "تحليل الحرب".

تقضي لنا الفكرة، أوّلاً، أن نتناول، بالتّحليل العينيّ، ظروف "الشّرط" الّلازم للحرب، لهذه الحرب، على اعتبار أن الحرب في نظريّة المعرفة (الإبستمولوجيا) تتناول ما يتجاوز نظريّة الثقافة إلى المباشرة في قراءة أسئلة "الأثر" الذي يقتضيها كجواب على أشراط الواقع المفضي إلى تسويغات المعرفة و ليس العكس..؛

أعني أن ما تبحثه الثّقافة هو مظاهر الأثر، بينما تبحث المعرفة، في تجاوزها للمظاهر، و أحياناً، أيضاً، في تجاوزها للظّاهريّات (مع الاعتبارات التي تتواضع أمامها العقلانيّة بالفرق ما بين المظهر و الظّاهريّة)، تبحثُ في ما يدخل في صميم الأسئلة المكوّنة لمناسبات "المعرفة"، بالتّنظير على الهيكليّات الأوّليّة و الثّابتة التي تستدعي، في المعرفة، أسئلة التّدليل و الدّلالات.

الغرض هو أن الحرب شكّلت "واقعاً" له دلالاته الثّابتة على المستقبل، هذا كما كانت لها، كواقع، المتّصلة بالماضي..؛

و من أجل اختبار جدّيّة مفهوميّة هذه الدّلالات نحن علينا التّدليل عليها تدليلاً يجعل منها إضافة معرفيّة بدلاً من أن تبقى في استباحات الثّقافة و الإعلام!

صحيحٌ أنّ الماضي هو الغائب في الزّمن، و لكنّه هو الحاضر أبداً في المكان المتزمّن الذي استعصى فيه المثول. نحن هكذا نعيش الماضي في الحاضر ، كما لو أنّه لم ينقضِ و لم يمُت من حيث هو يشكّل عدواً لحاضرنا أو لمستقبلنا الحضاريّ القادم في المشروع.

و لقد وجدنا، سابقاً، أن المقدّمات الكافية للحرب كانت جميعها قد توفّرت في صيغ التّحدّيات الدّاخليّة و الخارجيّة التي أثارتها سياسات «حافظ الأسد» "القويّة" في المنطقة، و كان لا بد من انتظار الأسباب الّلازمة.

الخطأ السّياسيّ في التّفكير، و الذي يجعل الإدراك السّياسيّ للواقع و العالم، قاصراً، هو أنّ الأدب السّياسيّ الذي تعكف عليه أفكار السّياسة غير المبصرة، إنّما هو "أدبٌ" سببيّ، و لهذا هو يعجز عن مجاراة الأحداث في العالم.

كنّا في مرّة سابقة- هنا- قد نفينا، بتفصيلٍ، واقع "السّببيّة"، و السّياسيّة منها بخاصّة، و شرحنا ما قلنا عليه "الأسبابيّة" و التّرابطات المختلفة ما بين البنى و الظّروف و الأعراض و سوابقها الثّابتة، نسبيّاً أو مطلقاً، و التي تجتمع كلّها لإحداث "الواقعة" الواحدة التي تُعطى، غالباً، كأحجيّة أمام العقل المفكّر.

ما هو من الضّروريّ تثبيته، مرّة أخرى، هو أن المسألة أو الواقعة لا تُثارُ- كما هي "العادة"- في عليّة "الأسباب"، ناهيك عن "السّبب"، و هي يجب ألّا تُثار؛ و إنّما الحلّ الوحيد الذي يمكّن الوعي من أن يكون عاملاً فاعلاً في التّمثّل، هو أن يشتغل برصد "الواقعة"- و الظّاهرة- في قدومها في "المقدّمات"..؛

و هذا واجبٌ فكريّ و سياسيّ يجعل من الإحاطة الاستراتيجيّة بالمستقبل أمراً عمليّاً و ليس مجرّد تنظيرات فارغة و غبيّة و محفوظات نقليّة عن "ثقافات" العالم، كما كنّا- ربّما- قد أشرنا إلى هذا، أيضاً، من قبل.

إنّ مقدّمات الحرب القديمة و الحديثة، إذاً، هي "الحرب" نفسهاكمكوّنات سابقة عليها بما هي "الحرب"، في الواقع المستحدث، ذلك الحدث الذي "يفاجئ"- فيما هو يجب ألّا يُفاجئَ- السّاسة و السّياسيين و السّياسات.

في الحقيقة بدأ تَشَكُّلُ عناصر و مقدّمات الحرب، وتراكمها و تفاعلها، عمليّاً و بوضوح، منذ أن تصادف رحيل «حافظ الأسد» مع الحدث الجنائيّ- السّياسيّ الشّهير في تفجير برجيّ التّجارة العالميّة فينيويورك..؛

كان هذا بمثابة إعلان الولايات المتّحدة حربها على "الشّرق الأوسط".

و سواءٌ أحبّ البعض أم لم يحبّ إثبات و تثبيت هذه التّرابطات و المتواليّات الشّرطيّة، فإنّه واقع محضٌ هذا الذي أثبت حقائقَه، و لا يزال، و دورها الرّئيسيّ- طبعاً و ليس الوحيد- في إظهار تحوّلات الظّروف و ترجمتها في مجريات الأحداث التي لزمت عن التّوالي الزّمنيّ لأول و أخطر و أهمّ حروب القرن الواحد و العشرين على العالم و أكثرها "مغزى"(!)، هذه "الحرب" الواحدة و المتّصلة منذ الحرب على أفغانستان ثمّ على العراق نهايةً بسورية، و لكنْ أيضاً فيما يتجاوز "الظّاهر" من دوافع و أهداف.

تتعلّق هذه الجزئيّة الأخيرة في حديثنا بمستقبل بحث هذه الأفكار فيما سنرى من بحثنا في تحقيق هذه الحرب لأهدافها "العالميّة".

أمّا بالعودة إلى خاصّ حديثنا، هنا، فقد كنّا وجدنا، في حديثنا الماضي، أنّه لا يمكننا إدراك شموليّة هذه الحرب، ما لَم نُدرك دور سورية،في عهد «حافظ الأسد»، في توتير "صفاء" قابليّات المنطقة، كلّها، للتّطويع.

أفْقَدَ «حافظ الأسد» سورية و فضاءها الإقليميّ الشّرطيّ أو المتشارط، في التّأثّر و التّأثير، و المنطقة "الحيويّة" لإسرائيل، جميع "فرص" قابليّات "الطّاعة" السّياسيّة التي شكّلت استمراريّة قديمة، و "تاريخيّة"، من الإذعان الثّقافيّ لحضارة الغرب.

كاد "المكان" حولنا أن يكونَ "كوكباً" آخرَ بالنّسبة إلى "الغرب"تجري إليه رحلات الاستكشاف و الاستعمار و الاستنزاف السّياسيّ، و كان علينا- قبل «حافظ الأسد» - أن نكون، جميعنا، هنا، مخلوقات أو كائنات حيّة تُجرى عليها تجارب العلوم و التّقنيّة و الاستهلاك و نظريّات الأنثروبولوجيا المعاصرة و علوم الأثنولوجيا الوضعيّة.

و كان، و ما يزال، "المكان"، بمثابة حقل للإقطاعيين الإسرائيليين و غابة خلفيّة لإسرائيل تشكّل، لها، رئة من الأوكسجين و خيرات الطّبيعة و مناصب السّيطرة.

في هذه "الظّروف" المعقّدة جدّاً و غير متاحة الفهم للبعض بيننا..، كما ممّا لا تدخل في رغبة فهم البعض الآخَر(!)، و الموصوفة منها و غير الموصوفة، جاء الرئيس «بشّار الأسد».

إذا عدنا قليلاً إلى فكرة حديثنا، أعلاه، نجد أنّ الرئيس «بشّار الأسد» قد جاء في سورية كجوابٍ إبستمولوجيّ و "تاريخيّ" - ("الإبستمولوجيا"هي نظريّة الإجابة على الأسئلة الصّميميّة غير القابلة للتّبديل !)- على اختناق استراتيجيّات سورية و المنطقة، في "القوّة" التي لا يُسوّغها سوى "إرادات" ضروريّة في لحظة سياسيّة موضوعيّة و لا متكافئة.

لا ننسى هنا أنّنا في معرض الحديث على "لماذا كانت الحرب؟".

الكينونة هي مجموعة لا تُحصى من الحقائق، و لو أنّنا نستطيع، بالنّسبة إلى وضع محدّد، أن نضمن القدرة المعرفيّة على انتخاب أكثر الحقائق التي تنفرض كاستجابات واقعيّة لاتّجاهات الأسئلة التّدليليّة، و ذلك بقدر ما نتمكّن من أن نكون معاصرين لحاضرنا و حاضر العالم في وقت واحد.

من الطّبيعيّ أنّ هذا يشترط أو يتطلّب- على الأقلّ- ضمناً و علناً، استبعاد جميع المواقف المتحيّزة و المضلّلة، و تحييد فهوم أصحابها المألوفين من عتاة المثقفين و المحلّلين المحدودين بمواقفهم "القبَليّة" بصفتها مواقف نمطيّة مختنقة بربطات عنق..!

و كما في تقريب الأرقام إلى خاناتها الاختياريّة..، فإنّ للأفكار القابليّات نفسها في الاختزال..؛
و واضح، في الأصل، أن الاختزال الذي يسعى إليه تقريب الأرقاملا يُعدّ انتقاصاً من قوّتها و لكنْ تثبيتاً و تأكيداً على ما في هذه القوّة من طاقة على الدّيمومة و سهولة في الاستعمال..؛

و هكذا فإنّ تقريب الأفكار يحقّق، في الوقت نفسه، تسويغاً للفكر و تأكيداً عليه، عندما تكون الأفكار الضّروريّة مطلوبة، عمليّاً، لشرح العالم.

على كلّ ما تقدّم، كانت الحرب في حقل و فضاء متلازمين في كوسموبوليتيّة العولمة.

و كان لكلّ من "الحقل" و "الفضاء" تفصيلات نمطيّة و نسقيّة، من حيث "العلاقات" و ما تُفرزه في "الوعي" الخاصّ- الحقل- و في "الوعي" الموضوعيّ العامّ- أو الفضاء.

و سنعمل، مباشرة، على الشّرح و التّوضيح.

من حيث أنّ سورية شكّلت، بالنّسبة إلى الحرب، حقلها المباشر،فيجب أن يكون من المعلوم أنّه في مكان ما، في "المجتمع السّوريّ"- إذا اعتبرناه "مجتمعاً"!؟- كانت توجد كلّ مكوّنات هذه الحرب.

حتّى بالنّسبة إلى أمر أن للحرب لزوميّاتها الخارجيّة و الدّوليّة، فإنّ ذلك ما كان له أن يكون من جملة الأسباب، لولا أن يكون لها هذا الامتداد الدّافعي في البنية المجتمعيّة السّوريّة و في "الدّولة".

نصل هنا إلى القول إنّ الجواب على سؤال "لماذا كانت الحرب؟" يتضمّن، منهجيّاً، سؤالاً آخر هو "أين كانت الحرب؟". و عندما نقبل هذا "التّداعي"(!) أو "الاستدعاء" الدّلاليّ في "منهج" التّحقيل، فإنّ علينا، إذاً، أن نحدّد المفردات "المادّيّة" و "النّظريّة" و "مكانيّات" موجوديّتها في الحقول.

تتيح لنا بحوث "المكانيّة"، أو البحث في "المكانيّات"، واقعاً نستطيع فيه الوقوف على "حقائق" واقعيّة بدلاً من التّطرّف في التّنظير المسترسل. و هذا جزء من آليّات البحث النّظريّ نفسه الذي علينا أن ننظر إليه بوصفه الطريقة الوحيدة التي بواسطتها "نتمكّن" من إثبات "مادّيّات" الجريمة الجنائيّة السّياسيّة الواسعة التّالية التي عشنا فصولها، و ما زلنا نعيش، في "التّدليل" على "الدّليل".

لنا هنا، بالمناسبة، أن نذكّر بالقيمة المعرفيّة للدّليل و اختلافها الأصليّ مع الواقع الثّقافيّ لِلَّغْوِ و تخبّطات "الأراء" المتاحة للجميع، و بخاصّة من حيث أن المعرفة هي شأنٌ مخصوص البيّنة على الضّبط؛
ففي هذا كان أن أشار (سقراط)، في حينه، إلى "الاختلاف" بين "الرّأي الصّحيح" و "المعرفة"؛ و إلى أنّ هذا الاختلاف هو ليس "مجرّد تخمين"؛ و إلى أنّ امتلاك "الرّأي الصّحيح" لا يعني و لا يُدلّل و لا يشترط "المعرفة"، على أنّ العكس صحيح، بالتّأكيد.

إنّ هذا التّدقيق يتيح لنا، تلقائيّاً، أن نحسمَ أحقّيّة شرعيّة و ضرورة القول "المعرفيّ" المغاير لجميع طرائق الثّقافة السّياسيّة التي اعتادت على طمس "الفروق"..، ليس في الكّيفيّات، فقط، و إنّما، أيضاً، في الكمّيّات؛

إنّ االتّفكير بواسطة هذه الفروق، نفسها، التي ننوّه بها، هو المسار الأكثر فعليّة على التّدليل على جينالولوجيا "التّحريك" الاجتماعيّ و السّياسيّ (أو الحَراك)، على العكس من ادّعاءات "الثّقافة" التي كانت و ما تزال ملكيّة من ملكيّات النّسق الفكريّ الذي استطاع أن يستأثر بالواقع، و أن يكون بإمكانه تحقيق السّبق الكبير في تجييش الرّكود الأنثروبولوجيّ، الذي يطبع سمات االمفارقة التّاريخيّة الملاصقة لأليّات الحياة "المجتمعيّة" السّوريّة في عصر العولمة، في مناسبة هذه الحرب.
أتحدّث هنا حصراً على ثقافة "المعارضة" بكل أيديولوجيّاتها "العنصريّة" الحاقدة.

إنّ الاختراق "الاستراتيجيّ" العامّ في الدّورة الشّاملة لمكوّنات و مفرزات الكتلة المجتمعيّة السّوريّة، هو ليس الآليّة التي بواسطتها يجري إنتاج الجمود الاجتماعيّ للفئات السّوريّة مختلفة التّسميات و الإسقاطات النّفسيّة و الدّينيّة و الاقتصاديّة..، إلخ؛ فحسب، كلّا! إنّ الاختراق المنظّم لبنية الاجتماع و السّياسة و الاقتصاد و الإدارة..، هو "مكانيّة" ذريّة في قلب المجتمع، في سورية، و في مفاصل "الدّولة" التّاريخيّة، كما أنّه في "مشروعيّات" الدّولة الوطنيّة المعاصرة، في وقت واحد؛ و ذلك تبعاً لتردّد "المكان السّياسيّ" في حيازة "الهويّة"، أمام تعنّت الهويّة المجتمعيّة السّوريّة السّياقيّة في الرّكود.

لا يجري اختراق "الأليّة" أو "الآليّات"، عادةً، إلّا كنتيجة لاختراق "الآلة" في مفاصلها "المكانيّة" المحدّدة التي عليها تنشأ الآليّات و الدّيناميّات المخترقة بالأفعال، و تستمرّ نظائرها في العمل و الأخلاق و السّلوك.

يتألّف الاختراق الذي نقوم، إذاً، بتوصيفه من حشدٍ كبير للأدلّة السّياسيّة التي كانت مكوّناتٍ أساسيّة للحرب (سواءٌ كظروف أو كممارسات) في ترابطاتها السّببيّة في الكمون و الظّهور، و في ممارسات التّدليل الفرديّ و الجماعيّ على مفاعيل "المقدّمات" في نسق المسوّغات.

لا شيء يأتي بالمصادفة، هذا أمرٌ ثابتٌ على صعيد السّياسة. و ذلك مثلما أنّه لا شيء سياسيّاً، أيضاً، يأتي من فراغ اجتماعيّ. و هنا، فقط، نحن علينا أن نبحث على "وجوديّات" (و ليس على أونطولوجيّات..!) الدّليل.

إذا كان مصطلح "الاختراق" السّياسيّ للبنية الاجتماعيّة للدّولة، بوصفها خزّان الإمداد الثّقافيّ للممارسات في بنية الدّولة الفوقيّة، مصطلحاً ثقافيّاً- سياسيّاً متداولاً عند الكتّاب و الإعلاميين و هواة الأحكام القاطعة..
فإنّه مما هو ثابت، معرفيّاً، أنّ الاختراق هو كيفيّة أو كيفيّات على الإقامة التّاريخيّة المتزمّنة للانحراف أو للفوضى المنظّمة في "النّظام".

نحن نتحدّث، إذاً، على "أمكنة" محدّدة في البنيتين التّحتيّة و الفوقيّة للدّولة، و بلغة أخرى، في "الحقل" و "الفضاء"، و بلغة ثالثة في سطوح و أعماق "المجتمع"..، و في أعالي الفضاءات السّياسيّة للدّولة.

في مساحات "الاجتماع" و "الانفصال"، هنالك، دوماً، ما يجب أن يُدرسُ في ضوئه واقع تهديد المجتمع و الدّولة من قبل استراتيجيّات "السّلطات" الأهليّة العاملة على التّسلّط و السّيطرة. نحن نجد هذه الحقائق متغلّفة بخطابات مختلطة- و ليست مندمجة- بخطاب الاجتماع،و عاملة، في الوقت نفسه، بخطابات التّفريق و الانحراف. و ينضاف إلى أهليّتها و مشروعيّتها كلّ تردّد في الخطاب السّياسيّ الذي تصنعه الدّولة و تنتجه و تُخرجه و توزّعه و تمارسه.

يَظنّ، و يُريد خطاب الرّكود التّاريخيّ و ممانعة الانتقال و التّغيير أن يؤبّد مواقعه ما استطاع. و يصبح، بالتّالي، مجرّد شعوره بالتّهديد السّياسيّ "كافياً" لإحداث المغامرة و الاضطّراب و الجريمة و "الثّورة" و الحرب. أتحدّث عن كلّ الفوضى الدّامية التي كانت جزءاً أساسيّا من يوميّات و الاستراتيجيّات المتوحّشة لهذه الحرب.

و إذا كان هذا ممّا يدخل في الجواب المتعدّد، بالإضافة إلى غيره، على سؤال "لماذا قامت الحرب؟"، و هو موضوع مستقلّ سيأتي الحديث عليه لاحقاً، وفق ما أشرنا به إلى مستقبل هذا الحديث؛ فإنّه من باب الرّبط في التّصوّر أن نستبق الإشارة إليه، هنا، عملاً على قراءة الكلمات التّالية وفق وحدة لا بدّ منها في أساسيّات مناسبة الحديث.

عندما نقول "كانت الحرب"، فمن غير الغرض أن نتّجه إلى "نهايات" تكوّنيّة في الزّمن أو في الظّروف المرافقة الأخرى. و عندما نقول ذلك، فمن الطّبيعيّ أن يفهم معنا القارئ أنّ الحرب كانت و تكون.
لا نستخدم، هنا، فعل الكينونة "النّاقص"، استعمالاً نحويّاً خاصّاً، و إنّما نستخدمه للدّلالة النّحويّة على الفعل التّام. بمعنى أن ما نشير إليه، و ما سوف نشير إليه، من كينونات و مكانيّات للحرب، إنمّا هو، أيضاً، كائنٌ و قائمٌ حتّى هذه الّلحظة..، في الكثير و الكثير من حقول الموجودات الواقعيّة العنيدة و المولّدة لأثارها دوماً في المناسبة الحيّة و في أقرب "المناسبات"..!

تتخفّى "الأمكنة الاجتماعيّة" المناوِرة بقدرة أكبر من تلك التي تُعلِن مشاريعها على المَلأ؛
إنّها في أصل استراتيجيّات "الأفراد" و "الأسرة" و "الجماعات" و "القوى" المتراكمة في الجيولوجيا النّفسيّة و الدّينيّة و المطامح السّياسيّة المحتملة و الممكنة.

و تستطيع هذه الأمكنة، بالتّالي، أن تُمارس قدرة أكبر في التّأثير بمستقبل التّحوّلات السّياسيّة، تبعاً لانخفاض مستوى تأهيل "المنظومة" السّياسيّة التي تُعلِن عن مشروعها الصّريح في "الدّولة".
واضح، هنا، أنّ سبباً جوهريّا من قدرتها هي و عجز الدّولة أمامها، إنّما يرجع، أيضاً، إلى "انخراطها" المباشر في الخطاب السّياسيّ للدّولة في الوقت الذي تسكن فيه، هي، إلى مشاريعها الخاصّة، و الذي تكمن فيه في أهدافها المنشقّة، أصلاً، و المغايرة.
يبدو واضحاً هنا كيف لتلك الأمكنة الاجتماعيّة أن تضيف الدّولة إليها من دون أن تنضاف، هي، إلى الدّولة في التّعضّي و في المشروع.

و عندما تكون تلك "الأمكنة" الاجتماعيّة على هذا النّحو و ليس على غيره، فإنّها، بالتأكيد، تحمل مشروعها السّياسيّ الذي بفضله و بسببه و من أجله ، تصبح عبارة عن تشكيلة تاريخيّة و ثقافيّة مركّبة يمكن أن نقول عليها، بطمأنينة في الوصف، إنّها أصبحت أمكنة "اجتماعيّة- سياسيّة" على ما تحمله هذه الوصفيّة من واقعيّة حقيقيّة في الممارسة و الفعل و الجريمة السّياسيّة العنيفة التي تظهر في "التّحدّيات" الظّرفيّة، فيما هي لم تبرح من إعلانها الكاذب الدّائم و المغلّف للفوضى و العنف، بمناسبة و من دون مناسبة، انتماءها إلى مشروع المجتمع و مشروع الدّولة في القوّة و النّظام.

إنّ الكينونة المخاتلة للثّقافة هي ما تسمح لجميع الكينونات "الاجتماعية" (و الأحرى الجماعيّة!) الأخرى بالكمون. و من الطّبيعيّ أنّ لكلّ كمون "خلافيّ" ثمّة فرصةً للانقلاب و العنف الثّقافيّ و الماديّ و الجريمة الجنائيّة و التّدمير.. و الحرب.

إذاً، و في معرض الاستعمال المعرفيّ لفعل الكينونة التّامّ، نحن- كما كلّ متجرّد و باحث و دارس و ناقد- ليس علينا، من أجل إثباته و التّدليل عليه، سوى أن نتْبعَ أو نتتبّع أدلّته في "الأثر". و الأثر، هنا، هو الحرب القائمة و كذلك أحاجي و أكاذيب السّلام و مرادفاتها الهزليّة الأخرى في نقص و تخلّف و همجيّة و وحشيّة "المكان"..!؟

يبدو، على أساس هذا الاعتقاد المعرفيّ، أن الحرب كانت و هي كائنة، أيضاً. و يبدو أنّ أمر استمرارها في الكينونة هو شيء واقعيّ، بقدر ما يجري التّسطيح على حقائقها في التّكوّن و التّكوين، و بقدر ما يجري التّجاهل لوقائعها و وظاهريّاتها، و هذا ممّا هو جارٍ(!) كما يُدرك جميع المراقبين.

و على ما تقدّم، فإنّ الحرب "كانت" في أوّل الأمر و في "ما قبل" الأمكنة المادّيّة و الاجتماعيّة، كانت في "الوعي" الخاصّ و العامّ و أعني في المعتقدات التي تنجم عن تقاليد و أعراف فيما تتّخذه كاغتصابٍ ثقافيّ من صفات المعرفة.

لمم تتح لنا ثقافاتنا النّقليّة، عامّة، أن نتحرّى عن قيمة الدّليل. و حتّى لو أتيح لأحد مفترض ذلك، فإنّه لم يُتح في سبيل التّأكيد أيّة ثقافة نقديّة أو معرفة نقديّة تستطيع أن تتولّى نقد "الدّليل".

لم تتمكّن حتّى مناقبنا المعرفيّة المزعومة، و التي يتولّاها أكاديميّون هُواة، من تأسيس ثقافة حواريّة نقديّة لها شروطها الكفيلة بتحوّلها إلى ثقافة نقديّة، تؤسّس لمعرفة سواءٌ منها معرفة تاريخيّة أو علميّة أو واقعيّة في الاجتماع و السّياسة و التّربية الأسرويّة و التّربيّة المدرسيّة، و القانون.

فعلاوة على كلّ التّرسّبات الدّينيّة القبليّة و الطّائفيّة و المذهبيّة الصّائرة إلى "مجتمعنا" عبر القنوات و الانتماءات الحيّة و "المعاصرة" إلى دولة الخلافة العربيّة- الإسلاميّة و وشائجها "الخالدة" في الفقه و ال"شرع" و ال"إفتاء"..


أدامَتْ علينا ثقافةُ الاحتلال العثمانيّ "النّعمة" المتكرّسة في "دين المِلّة"، و التي خرجت جسداً و بقيت روحاً..، في قوانين هويّة الجماعات الرّاسفة و المتراسفة في حدودها المسلّحة و قوانين الأحوال الشّخصيّة و الأسرويّة، ما جعل العاطفة الفرديّة و الاجتماعيّة - كبنية نفسيّة- و المؤسّسات الجنسيّة الموازية السّريّة منها و العلنيّة في مؤسّسة الزّواج، نهباً للأخلاق الزّائفة في غرقها في الماضي المتوحّش الذي يُستعاد اليومَ بأدواته المسلّحة، المضافة إلى "التّقديس" الاجتماعيّ للتّخلّف المحفوف بحدوده المطلقة و غير القابلة للتّبديل.

عادةً لا تنتبه الثّقافة إلى خطورة ذلك و بخاصّة في تقديس "الذَّكَر" بما هو حاملٌ أيضاً لراية "الدّين"..!

تركت هذه الوديعة الثّقافيّة المستمرّة، كجريمة مستمرّة، أثرها فيكلّ المنتجات الثّقافيّة الفوقيّة الأخرى.

ففي القانون الإداريّ، نحن كنّا و ما نزال في غيابٍ مطلق لسلطة القضاء الإداريّ غير المُلزم في "الخلافات" ما بين المؤسّسات المختلفة حول مضامين اقتصاديّة و سياسيّة و حتّى سياديّة، فأفسح ذلك القانون لباب واسع من الاستقلاليّة المتألّهة للإدارات. و مكّن من ذلك واقع تسييس القضاء الإداريّ، بخاصّة، ما جعل منه مؤسّسة خدميّة لأصحاب النّفوذ في المجتمع العاجز عن الأداء الأخلاقيّ المناسب.

و في "القانون الخاصّ" و قانون "أصول المحاكمات" مكّنت سلطة القاضي التّقديريّة "المطلقة".. (!) المجتمعَ و الدّينَ و الأنانيّة و الثّأريّة و الفرديّة و العصبويّة و المنفعيّة الماليّة المرسلة (الرّشوة و الرّشيّة) من أن تكون التّطبيق العمليّ لتلك السّلطة المتعسّفة أو الدّاعمة لها حيث لا اختلاف في الدّافع و المبدأ.

و في "القانون الأساسيّ للعاملين في الدّولة"، و الذي يفترضُ أنّهينظّم السّياسة العامّة في إدارة "العامل" و "الجهد" و الأهداف الاجتماعيّة و السّياسيّة من وراء ذلك، وجدنا أنّه قانون ينظّم و يدير الاحتقانات الفرديّة و الشّخصيّة القادمة مباشرة من حقولها الاجتماعيّة المتوتّرة بالانقسام و الثّأر القبليّ، بواسطة مجموعة من "المبادئ" العمليّة الزّائفة التي لا يرعاها المؤيّد الجزائيّ الحقيقيّ في واقع "إداري" لا أخلاقيّ ( لا أتحدّث هنا على "الجنس". الأخلاق ليست معياراً جنسيّا.. !) من حيث هو ساحة لتكريس المصلحة الشّخصيّة الانتقاميّة من "الآخر"، عندما لا يتّفق أن يكون "لآخر" في انسجام مع الانحلال العامّ.

ينضاف إلى هذا واقع الخلط اللئيم و المذعن و الجبريّ ما بين "الأهداف السّياسيّة" (أهداف السّيطرة السّلطويّة المستقلّة عن استراتيجيّة الدّولة كنظام عامّ) المنفّذة لبرامج "أهليّة" منغلقة "جماعيّاً"، و واقع المآرب الفرديّة المرافقة لذلك، هذا الخلط المنافق و المائع مع أقصى "الشّعارات" السّياسيّة، التي تخلقها الدّولة و تنتجها، تلقائيّاً، في معرض الأيديولوجيا السّياسيّة التي ترافقها في تنفيذ أهداف العمل في الشّأن العامّ.

نحن هنا لا نستطيع، بالتالي، التّفريق ما بين أيديولوجيا الدّولة السّياسيّة، و الأيديولوحيا السّياسيّة للجماعات التي تعمل على النّقيض من الدّولة في جميع مراكز "السّلطة" و مناطق التّأثير.
نحن هنا أمام "ثقافة" اجتماعيّة تعمل، بنظامٍ و بتنظيمٍ و قصد،على خلط طغيان الجماعات المجتمعيّة، الفعليّ، مع وسائل الدّولة في التّنفيذ.
نحن هنا، بالتّالي، - وهذا هو بيت القصيد- أمام حالة مجتمعيّة عارمة من العداء للدّولة أنتجها أعداءٌ للدّولة و مناهضون، فيما لا تستطيع "الثّقافة" السّياسيّة و لا الممارسة "النّظاميّة"، أبداً، هنا، التّمييز..!؟

و نحن هنا، بالنّتيجة، إذاً، و بواسطة "الدّولة" نخلق أعداء الدّولة على التّحديد..!

اخترنا من بين سائر المكامن الرّسميّة و غير الرّسميّة، في المجتمع و الدّولة، لخلق و إنتاج و إعادة إنتاج العداء للدّولة..، اخترنا نماذج بسيطة و شهيرة من "القانون" و "القضاء"..، كأمثلة عابرة، هنا، و ليست لدراسةٍ شاملة لمواطن الظّاهرة، فالتّفاصيل لها مكانٌ آخر.

و لا يخفى على القارئ ما قد أصبح، اليوم، مُشتهَراً من مواطن خزّانات الحرب، سواءً في "التّربيّة" المدرسيّة و "التّعليم"، و "الإعلام"، أو في الأساسيّات الأخرى في إنتاج و إعادة إنتاج المجتمع.

و على أنّ الكينونة لا تتحدّد، فقط، في هذه الكلمات الدّالّة على المكانيّات التّجييشيّة التي كانت في جذور حقول الحرب و "قابليّاتها" الأخرى على الاشتعال؛ فإنّنا سنعتبر، كما قد قلنا، أنّ ما كان من كلّ ما تقدّم، هو عبارة عن الحقل الذي اشتعلت فيه الحرب.

و لأنّنا نتحدّث على الحرب على سورية، و على "الحرب السّوريّة" على سورية..، فيما سبق، فعلينا أن نعترف بتداخل أنساق "النّظريّة" المعرفيّة تداخلاً لا يخلو من صعوبات.

و هكذا نقول إنّ ما كان من إشارات تفصيليّة، بعض الشّيء، إلى ما هو حقليّ، فإنّه في الوقت نفسه، و في نسقٍ آخرَ، إنّما هو فضاءٌ أيضاً.. بحيث أنّ الدّولة بالذّات هي حقول و فضاءات.

و لذلك نرى، هنا، بعد أن أسهبنا في بعض المفاصل، أن نؤجّل الحديث على الفضاء الكوسموبوليتيّ للحرب، إلى "المناسبة" التّالية، على اعتبار أنّ الحرب قد جاءت، فعلاً، كإحدى ثمرات أو نتائج إحدى درجات "العولمة".

و في حينه سيكون الحديث في فضاء الثّقافة العالميّة المعاصرة، بخاصّة، و في بعض التّحديدات "المعرفيّة" للبرهان على "الشّيء"، ليكون من ثمّة الحديث على المكانيّة العولميّة للحرب، بما هي جزءٌ مكانيّ لا ينفصل عن مناسبة هذه الحرب الشّاملة.

سنقرأ فضاءَ الحرب، العالميّ، بناءً على حقليّات التّكوّن المبدئيّة (الأوّليّة) التي تعرّفنا على أمثلة لها فيما سبق من هذا الحديث.

من المهمّ أن يؤجّل القارئ، إذاً، تكامليّة المنظر العام للحرب، فيكون، فيما بعد، أكثر قدرة على الإحاطة بعموميّة فكرة "المكان" في الحرب. ذلك أن أشراط المكان، نفسها، إنّما هي جزء أساسيّ من أجزاء ظاهرة (أو واقعة) هذه الحرب.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2075009