الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: في مقدّمة استراتيجيّات تحليل الحرب... «حافظ الأسد» و دوره في "الأسباب"

[سلسلة الفكر الإستراتيجي "10" الحلقة العاشرة]د. بهجت سليمان4

{في مقدّمة استراتيجيّات تحليل الحرب... «حافظ الأسد» و دوره في "الأسباب"}

* د. بهجت سليمان

أصبح قارئنا، على الأغلب، يُدرك، بعد طول العِشرة لأفكارنا، كيف أنّنا نفكّر بالأحداث و الوقائع و الظّواهر الإنسانيّة و "الثّورات" و "الانعطافات" التّاريخيّة و الحروب، و ما إليها، من جهة أنّنا نعتقد- ببساطة- بأنّ "السّياسة"، كتفكير و ممارسة، لا تقوم على الرّغبة وحدها، و لو أنّها في جوهرها هي تنفيذٌ لأفكار متّصلة بالرّغبة و المصّلحة و السّيطرة و التّفوّق و الإخضاع..، إلخ.

أكيدٌ أنّنا هنا نُضَمِّنُ هذه الكلمات حقيقة أفكار لا يفهمها البعض، أو يوحي أنّه يفهمها، فحسب، و هي أنّ العامل "الذّاتيّ- الشّخصيّ" عند "القادرين" و "الأقوياء"، لا يقلّ أهمّيّة عن العامل "الموضوعيّ" في صناعة و استصناع "السّياسة" بمطلق فهمها و أبعادها و بيئتها و حدودها و مضامينها و أهدافها المختلفة..

و صحيح أيضاً، بالتّالي، أنّه لا يتفوّق "عاملٌ" من "العاملين" على الآخر لإجراء التّحويل و التّحوير الدّائمين في مجرى توضّع و تغاير مشهد العالَم. الحدث السّياسيّ "ضرورة" وجوديّة تقوم، هكذا، على ذَينِ العاملين!

بالنّسبة إلى الحرب المتوحّشة على سورية، على المستوى السّياسيّ الدّوليّ، بخاصّة، تجاوز الأمر- و هو في "الأساس"، كذلك- ثرثرات هواة "المواقف" الضّئيلة و الخرقاء، من "السّياسيين" الهواة منهم و "المحترفين"، في الدّاخل و في الخارج، أقول تجاوز جميع أكاذيب و أوهام "الثّورة" و الحرّيّات و الدّيموقراطيّات و المطالب الاجتماعيّة و "النّضالات" السّياسيّة و المطلبيّة، حتّى صار من "المناسب" و الحقيقيّ و الواقعيّ، معاً، أن يخفت خطاب "الإعلام" و جعجعاته التّحريضيّة على "الدّولة" و على "النّظام"، ليتحوّل إلى جهالات و غباوات جديدة مستحدثة حول واقع الموقف الدّوليّ "المساوم" و "المتواطئ" مع ما يُسمّونه "نظام بشّار الأسد"..!

عندما بدأت الحرب على سورية كان القليل من الأشخاص قادرين على التّعامل معها كحدث، سوف يكون له كلّ هذه التّأثيرات و النّتائج التي تجاوزت أفقيّة تكوين المجتمع السّوريّ ، إلى أعماق مكوّناته الثّقافيّة و السّياسيّة و الإدراكيّة، مثلما تعدّت في مفاعيلها الحدود إلى الإقليم و العالم.

و حتّى هذه الّلحظة، فثمّة الكثيرون من المثقّفين و السّياسيين من نجوم "المجتمع" الّلامعين.. ممّن ينتحلون صفة ممارسة الفكر و التّفكير، لم يصلوا، بعد، إلى المفاتيح الضّروريّة و الوحيدة، التي تؤهّلهم لامتلاك الأبجديّة "السّياسيّة" الأوّليّة التي تسمح بتشكيل "منظومة" واقعيّة عمليّة تشتمل على أيّ من المفردات "الذّكيّة" أو المناسبة، التي تسمح بتأليف العبارات القادرة على الإلمام بأهمّ وصف هذا الحدث المحلّيّ، ناهيك عن إدراكه على ما هو عليه في "قصّة" تاريخ السّياسة العالميّ.

لا يمكن فهم السّياسة العالميّة، و بخاصّة في وقتنا هذا، على أجزاء و حلقات و مشاهد منفصلة و مستقلّة، و بأفكار انعزاليّة..

أتساءلُ كيف للكثيرين من المنخرطين في العُتهِ السّياسيّ، أن يكون لهم كلّ ذلك الادّعاء بالعكس أو بما لا يتّصل بذلك من حقيقة من قريب أو بعيد، و من أين لهم كلّ هذا الجهل.. الذي يجعل منهم أعداء لأنفسهم و أصدقاء لأعدائهم و لمحتقريهم و جلّاديهم، و من أين لهم كلّ حصّتهم، هذه، من المحدوديّة و التّفاهة و الدّونيّة، و من الحِقدِ على المجتمع و على الدّولة و على الإنسان..؟!

تطرح واجبات إدراك الحرب كحدث تاريخيّ معقّد (أو بسيط!).. ضرورات "أدواتيّة" في عدّة السّياسة من جهة الضّرورة الحاكمة للتّفكير بالأسباب و النّتائج و المسائل و المشاهدات و المعايشات اليوميّة و الدّائمة، التي تتظاهر كأحاجٍ مختلفة و متعدّدة، تشكّل ضغطاً مستمرّاً على "الوعي" و على "الّلاوعي"، في "الخاصّ" و في "العامّ"، تجعل من واجب العقل "المنظوميّ، أن يكون جاهزاً لكي لا يتراخى من جديد في عصرِ سلام مزيّف، لا يُمكن أن يشكّل حقيقة اجتماعيّة أو سياسيّة أو أخلاقيّة، في عالمنا المتحّرك بالأفكار و المشاريع و المصالح، بالقوة و العنف سواء بسواء.

جعلت الحرب على سورية في تطوّراتها و "تحوّلاتها" و نتائجها من "الخيالات" حقائقَ و من الحقائق "خيالات"..

و أبعد من هذا، فقد فكّكت هذه الحرب ثقافاتٍ سياسيّةً واسعة في سورية و في خارجها، في الشّرق و في الغرب، بحيث أنّ الّلغة السّياسيّة العالميّة قد أصابها "طفرة" معاصرة و غير مستقرة المعالم "المورفولوجيّة" السّياسيّة، فدخل في تأويلاتها و تفسيراتها الجميع، و لكن دون جدوى، بقصد و بغير قصد..!

أحياناً، و فياختلاط الأسباب، يدقّ كثيراً على التّفكير، انتقاء أولويّات الحقائق و الأسباب الكفيلة بأن تجعل العقل المفكر راضياً، كلّ الرّضى، على اكتشافاته، و مطمَئنّاً، كِفَايَةً، على أنّه أدّى واجبه في معاصرة "العالم"!
هذا هو، في الحقيقة، شأن الفلسفة و السّياسة، معاً، في الفكر..

اليومَ، فقط، بدأ "العالم"، يَستعيد "فضلاتِهِ"..- و معه "المثقّفون" المزوَّرون - ليعودَ إلى "المنظر" الحقيقيّ، لعلّه يَستر عُريَّهُ "الثّقافيّ"، في "تبريرات" سياسيّة حمقاء، بعدَ أن عاد قهراً إلى الرّواية السّوريّة الحقيقيّة منذ اليوم الأوّل لهذه الحرب.

نحنُ، في سورية الدّولة و النّظام، و معنا القلّة من العادلين، أدركنا، مباشرة، معظمَ "التّفاصيل" و "الاستراتيجيّات"، الكثيرَ الكثيرَ منها، و تحدّثنا فيها مطوّلاً، داخليّاً و عربيّاً و دوليّاً، و على رغم ذلك يبقى، دوماً، ما هو يمكن الحديث فيه في السّياسة، كواقعٍ عاصفٍ بالتّفاصيل و الاستراتيجيّات.

و بعد أن غدت أوهامُ جميع "الرّاغبين" خلفنا، اليوم، من "تمنّيّات" و "توقّعات" و تخرّصات و سفالات..، بقي من أهمّ الأسئلة التي تُطرح في مثل هذه السّياقات التّاريخيّة، ما هو محفوف بالصّمت لِعِلّةِ الجهل، في الحقيقة، أكثر منه لعلّة الرّغبة و التّجنّب و التّجاهل و الحياد.

1 - ما هي المقدّمات التّاريخيّة السّياسيّة للحرب، و ماذا شكّل " حافظ الأسد " فيها من أسباب؟

2 - لماذا كانت الحرب؟

3 - لماذا قامت هذه الحرب؟

4 - هل كان مخطّطاً لهذه الحرب..؟!

5 - هل كانت لها أهداف مسبّقة؟

6 - ما هي الأهداف و "التّواطؤات" و "المعاليم" و "المجاهيل" التي صنعت الحرب؟!

7 - هل سارت على ما رغب فيها "الفاعلون"؟

8 - بل و من كان هؤلاء؟

9 - ما هو "الذّاتيّ" و "الموضوعيّ" في هذه الحرب؟

10 - و هل حقّقت "أهدافها"؟ أو بعضاً من هذه "الأهداف"؟

11 - أم هل تجاوز فيها "الحدث" شكله النّظريّ إلى واقعٍ خارج على السّيطرة؟

12 - هل انتهت الحرب، و كيف، و ماذا عن إعادة الإعمار؟

13 - و ماذا بعد هذه الحرب في حروب " داخليّة" و "خارجيّة" لا تنتهي؟

هذه و أسئلة أخرى مرتبطة بها، سنعمل على الإجابة عليها، على طريقتنا؛ و لهذا ستكون في اهتمام هذه "المقاربات" التي سنقوم بها، هنا، على مراحل مختلفة من متابعتنا لسلسلة كتاباتنا، التي ننشرها تباعاً، في "الفكر الاستراتيجيّ" السّياسيّ المرتبط بواقع الحرب و المجتمع و السّياسة و ما يتّصل بذلك.

و أمّا في التّاريخ القريب..، فقد كان لظهور «حافظ الأسد» في "المنطقة" أثرٌ بالغٌ و عميق - لا يتنبّه الفكر السّياسيّ ، لأهمّيّته العضويّة - على تعقيد و تركيب الواقع "الكلّيّ" للعلاقات في سورية و "الشّرق الأوسط".

كان ظهور «حافظ الأسد» "اختلافاً".

ظهر «حافظ الأسد» زعيماً و قائداً سياسيّاً تاريخيّاً، في محيطٍ عربيّ و إسلاميّ، رسميّ، وظيفيّ و تابع و محدود، و في بيئة سياسيّة تقتات على ثقافات الأيديولوجيّات الطّوباويّة و القومويّة و الإسلاميّة البائسة..؛

و شكّل «حافظ الأسد»، بشخصه و بطريقة تفكيره، ظاهرة اجتماعيّة- سياسيّة سوريّة كانت متجاوزة لركام التّناضدات الثقافيّة المتعفّنة في الأدمغة المظلمة.

و في الإقليم أظهر «حافظ الأسد» ديناميّة قوّة الأفكار الوطنيّة الحرّة و التّحرّريّة و أبعادها الأخلاقيّة، على رغم تواضع المعطيات "الواقعيّة" و أحقاد "المحيط العربيّ- الإسلاميّ"، كما أثبت للعالم أنّ حدوداً للطّغيان "الإسرائيليّ" هو أمر ممكنٌ و واقعيّ و عمليّ و لو أنّ (إسرائيل) هي محميّة عالميّة في قلب الشّرق..؛

و على هذا استطاع «حافظ الأسد» إعادة ترتيب المحيط الجيوسياسيّ في المنطقة، فانتعش مشروع إقليميّ- عالميّ جديد تطوّر في ما بعد، كما هو اليوم، فأصبح مفخرة بشريّة في تاريخ السّياسات و التّحالفات و المقاومة.

باختصار، كانت جميع مظاهر "الظّاهرة" (حافظ الأسد) و وجوهها، تدّعم تكريس واقع "إقليميّ" متوتّر و خطر. تجاوزت تأثيراته سورية و محيطها إلى الإقليم و العالم، و بخاصّة من حيث أنّ (إسرائيل)، نفسها، هي ظاهرة عالميّة و بلا حدود.

و كان على هذا "الواقع" أن يُستعاد له نموذجٌ في الفكرة السّياسيّة في الأذهان، ما أظهر "خطر"(!) تحوّل هذه الفكرة إلى تقليدٍ يتجاوز في أثره المنطقة و المكان.

بالّلغة السّياسيّة أبدت "الظّاهرة" عبئاً صار هاجساً إقليميّاً و دوليّاً..!

أدركت (إسرائيل) مُباشرةً هذا "الخطر"، و معها أدرك "الغرب" خطر "الظّاهرة"، و معه، أيضاً، أدركت القوى الرّجعيّة السّوريّة و العربيّة و "الإسلاميّة" هذا "الخطر"..!؟

لقد كان طبيعيّاً، إذاً، أن تشكّل هذه "الظّاهرة" هدفاً سياسيّاً داخليّاً و إقليميّاً ودوليّاً، و سوف "تنضج" مضامينه بعد حين.
هذا هو الوجه الأوّل.

و أمّا الوجه الثّاني، فهو ما يتّصل بذلك في سورية كمجتمع و ثقافة و مشروع في "الدّولة".

لقد تكرّست المصالح و المشاريع المتبادلة ضدّ سورية، بشكل منظّم و معمّق، أيديولوجيّ و سياسيّ و ثقافيّ و إقليميّ و عالميّ، منذ عام (1973م) حيث ظهر إثر "الحرب" نزوعاً لاستقلال سورية بقرارها السّياسيّ- الاقتصاديّ الوطنيّ ، بواسطة خيارات حديثة و مستحدثة شكّلت خطراً وراء خطرٍ على (إسرائيل)، و على الدّول العربيّة التي "تكفلها" و على المشروع "الغربيّ"- الإمبرياليّ الذي يضمنها، و على ذيولها من "المعارضات" السّياسيّة الدّينيّة الرّجعيّة و من لفّ لفّها "مطلبيّاً"؛ فكان لا بدّ من "مواجهة" مشروع «حافظ الأسد».

في مستودعات الظّلام "الاجتماعيّ" كانت تتعفّن هناك الأفكار "الأخرى" التّلقائيّة التي أخلصت دائماً للعنف التّاريخيّ المرتبط بالجهل و الحقد و الانعزال؛ و كانت تخدّمها في المحيط دول و قوى لا يمكنها أن تستمرّ، هي الأخرى، إلّا بالعنف..

نحن، هناك، أمام تطوّر سياسيّ و اجتماعيّ لامتكافئ، مع ظاهرة «حافظ الأسد»، كان الفصام الاجتماعيّ يتبلور فيه على شكل تحدّيات صامتة و معلنة، متباينة و لامتكافئة، أيضاً؛ و لكنّ فترة المدّ السّياسيّ للقوّة في سورية، كانت في أوجها، الأمر الذي جعل من تجاوز الالتفات إلى تلك الاستعدادات "الواقعيّة" المستمرّة و الطّامحة إلى حصيلة اجتماعيّة و سياسيّة عكسيّة..، أمراً واقعيّاً، على ما يتضمّنه من تحدٍّ واثقٍ، بفارق جوهريّ في "الاتّجاه" و الأهداف.

كانت جميعُ "الظّروف"، الدّاخليّة و الخارجيّة، تشتغل ضدّ « حافظ الأسد » ، و كان متفوّقاً عليها نتيجةً للكثافة "الوطنيّة" التي كانت في عمق "النّظام"، هذه "الكثافة" التي كانت تتلاشى- في الواقع- كلّما كان الأمر يتعلّق ببعد المسافة السّياسيّة عن نواة الدّولة. هذا جانبٌ من قانون "الكثافة" الذي يحكم البنية السّياسيّة للمجتمعات المتخلّفة المنغلقة و المغلقة.

و في مواجهة قانون "الكثافة" كان ثمّة قانون آخر، أيضاً. إنّه قانون "السّماكة" في التّكديس و الإعداد للانقضاض على محصّلات القوّة، التي وصلتها ظاهرة « حافظ الأسد ».
كانت الوسيلة الوحيدة لقانون "السّماكة" ، هي العنف المُبيّت و الذي يجري تبييته ليكون "منهج" ثأرٍ و انتقام ، في أوّل انعطافة كان يجري التّحضير لها داخليّاً و "عربيّاً" و "إسلاميّاً" و "إقليميّاً"، و "عالميّاً" أيضاً. أعني من "الرّجعيّة" السّوريّة و معها مثقّفو "اليسار" المنافقين، إلى (إسرائيل) إلى دول الرّجعيّة التّاريخيّة العربيّة و الإسلاميّة و الإقليميّة، إلى أميركا و منظّريهاالسّياسين.

في الحقيقة، يجب ألّا يغيب عن هذه العبارات القولُ بأنّ مشاريع القوّة هي عبارة عن "أفكار" لا تنعمُ بالتّوضّع الرّاسخ و العميق على قاعدة واقعيّة و تاريخيّة هشّة موضوعيّاً، كالتي كانتها الحوامل التّاريخيّة لمشروع « حافظ الأسد » . و هذا يفسّر ما قلناه للتّو أعلاه..

كان مشروع الدّولة الوطنيّة السّوريّة، في الواقع، حِكراً على فئة سياسيّة محدّدة و محدودة بالعدد و المصلحة التّاريخيّة و عدم النّضج الثّقافيّ، و كذلك بعدم توفّر المحيط الإقليميّ العربيّ الدّاعم و المؤيّد، إضافةً إلى تبدّد ظروف نظام العالم الدّاعم للمشروع مع نهاية فترة الحرب الباردة، بخاصّة، و تلاشي الاتّحاد السّوفييتي و "منظومة" الدّول "الشّيوعيّة" العالميّة.

و مع ذلك تمكّن «حافظ الأسد» من أن يكون ندّاً للكبار و الأقوياء في العالم عندما استطاع أن يبلغ بالإرادة السّياسيّة، إحدى ذروات الأخلاق السّياسيّة في زمنه، عن طريق أقصى التّضحيّة بالذّات الفرديّة من أجل الذّات السّياسية، التي لا تقوّم بمعايير الأشخاص، بقدر ما تقوّم بمعايير الظّاهرات الفرديّة التّاريخيّة السّياسيّة.

عندما نقول، و يقول معنا العالم، إن «حافظ الأسد» زعيم و قائد تاريخيّ، فهذا يعني بالضّبط – على غير ما هو مفهوم بالدّارج في الأدب السّياسي- أنّه استطاع أن يعمل خارج حقل و فضاء "التّاريخانية" التي من أهم دلالاتها السّياسيّة، ما يُعرف ب"الحتميّة" التّاريخيّة بمفهومها "الإرادويّ" القاصر، الذي تُتَرجَمُ فيه على أنّها تلك "الجبريّة" الخنوعة؛ وذلك مثلما تدلّ (التّاريخانيّة) على مضمونٍ "تاريخويّ" يتسلّط باجتزاء المغزى التّاريخيّ و الحدث التّاريخيّ، بواسطة "الاتّكاء" على التّاريخ في ممارسة "الانعزاليّة" السّياسيّة في الانتماء.

لم يخضع «حافظ الأسد» إلى أوهام التّاريخ التي تتجسّد في أعراف "حيويّة" القهر الممارس في التّاريخ بواسطة التّاريخ. هذا و لم تحدّه، أيضاً، تلك المعتقدات "المظلومويّة" (من المظلوميّة) التي تَستبطِنُ أقصى العنف الذي يُمارَسُ في "الانتماء" و "الإقصاء" على حدّ سواء.

كان لتلك الظّروف و البصمات السّياسيّة الخاصّة، التي جسّدتمفارقة حداثيّة إقليميّة و عالميّة و تاريخيّة في المنطقة، أن تنبّهت لها قوى السّياسة في العالم، تبعاً لحساسيّة هذا الشّرق الذي "وقعت" فيه (إسرائيل) كواقعة سياسيّة دائمة بالقوّة و بالعنف الدّوليّ.

إنّه لا يمكن تفسير تاريخنا المعاصر ما لم تكن (إسرائيل) في متن كلّ تفكير و كلّ اعتبار و تحليل و تأويل.

لقد دخلت (إسرائيل)، في جسد و تاريخ "المكان و أصبحت، عمليّاً، أحد مكوّنات كلّ "منظومة" استراتيجيّة و سياسيّة في المعاصرة و العمل و التّنظير.

في المحصّلات، أدّى ذلك كلّه، في تفاعلاته السّياسيّة، المرغوبة و غير المرغوبة، إلى توتّر بنيويّ عميق جعل من سورية و المنطقة بركاناً ناشطاً في انتظار الانفجار.

مع «حافظ الأسد» استعادت (دمشق) حضورها السّياسيّ بعد خمولٍ تاريخيّ يعود إلى سقوط "الدّولة الأمويّة" مع المدّ "العباسيّ" في معركة "الزّاب الكبير" [الزّاب الكبير هو أحد روافد نهر "دجلة" في شمال العراق]، عام (750م) و ربّما إلى قبل ذلك مع وفاة (معاوية) عام (680م) و أفول النّجم العربيّ- الإسلاميّ لدمشق.

لا يمكن إهمال الماضي في الحاضر في التّفكير. هذا و لا يمكن إهمال الحاضر في أدوات و معطيات التّفكير.

في ضوء هذه المعطيات الجَمّة، فحسب، يمكن للقيمة أن تدخل في صلب التّفكير الاستراتيجيّ السّياسيّ و الاجتماعيّ و الإقليميّ و الدّوليّ. و في هذه المعالم الشّرطيّة، فقط، يجب علينا أن نعود سبع سنوات من هذه الحرب ، يسبقها أربعون عاماً من تصنّع و تصنيع المقدّمات الموضوعيّة و الذّاتيّة لضرورات الدّراسة و البحث و التّعيير.
و على هذا الأساس، أيضاً، يجوز لنا أن نقولَ إنّ الحرب على سورية هي حرب غير مفهومة، بعد، و لم تدخل، كذلك، حتّى الآن، كواقعة تاريخيّة محدّدة و موصوفة، في نطاق الثّقافة السّياسيّة..؛

و لعلّه من الأفضل أن نكون سبّاقين إلى تبنّي موقف فكريّ مسؤول، يؤسّس لثقافةِ تحليلٍ لهذه الحرب، بمقدّماتها و أسبابها و تاريخيّتها و عناصرها و مكوّناتها و دلالاتها، بما في ذلك "مألوفيّتها" في التّاريخ المحلّيّ و العالميّ؛ و ذلك قبل أن يسبقنا إلى هذا الآخرون.

في توالي هذه الأفكار، ربّما نجد أجوبة شافية على الكثير من الأسئلة و التّساؤلات، بما في ذلك "احتجاجات" بعض الأكاديميين "الفكريين" السّوريين..، بخاصّة، على سياسات الدّولة الوطنيّة السّوريّة.

هنا سنختم، مؤقّتاً، بالقول: إنّه لطالما كانت الدّولة في سورية، و منذ «حافظ الأسد»، على التّحديد، سبّاقة في الدّروس السّياسيّة و الثّقافيّة، و متجاوزة لمنتحلي الصّفات "الفكريّة" و لمدّعي الاستراتيجيّات التّفكيريّة، أولئك القابعين في عزلتهم الاجتماعيّة و السّياسيّة و مناهج "بحثهم" المأزومة بصفاتهم غير الموضوعيّة و غير الأخلاقيّة و بخاصّة.. سواءٌ في عجزهم الوظيفيّ عن عزل الجواهر عن الأعراض، أو في عدم امتلاكهم الإرادة الأخلاقيّة لذلك..
و أخيراً- و ليس آخراً- في عجزهم التّكوينيّ المرتبط باستراتيجيّات مصالحهم، المندغمة مع أحطّ المصالح الفئويّة العنفيّة التي تتبناها أكثر القوى رجعيّةً في المجتمع السّوري...

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2070143