الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: روسيا و أمريكا.. "الإستبلشمنت" الأميركيّ و "الحرب الباردة"..

[روسيا و أمريكا: "الإستبلشمنت" الأميركيّ، و "الحرب الباردة"]أ بهجت سليمان في مكتبه

{أين تقع "الحرب الباردة" على خارطة "النظام العالميّ"..؟!}

لغَطٌ إعلاميّ و تهافتاتٌ تصريحيّة في الدّبلوماسيّة و السّياسة و تصعيدٌ جادٌّ أيضاً في الّلهجة و المفردات و المصطلحات، و تقاسم محمومٌ للنّفوذ (و سورية، و أقصى شرق أوروبّا الغربيّة مثال!)؛ هذا هو الذي يبدو أنّه يجعل عالَم "الأقوياء"، يدخل، اليومَ، من جديد في استعصاءاتٍ معاصرة، من أجل اقتسام العالم و الطّموح و النّفوذ.
و مع أنّ الذي يجري يكادُ يكونُ تلقائيّاً، إلّا أن البعض يفضّل استخدام الذّاكرة السّياسيّة التّاريخيّة، بدلاً من استحداث المفاهيم الجديدة التي تناسب تطوّر العالم، باستمرار.

يُرجِع هُواة تأريخ الّلحظة، العلاقات المتوتّرة، مؤخّراً، بين روسيا و أميركا إلى العام (2014م)، بعد قيام روسيا باقتحام الأراضي الأوكرانيّة، و ضمّ (القرم) من جديد إلى السّيادة الرّوسيّة بالقوّة المُستترة باستفتاء شعبيّ، ردّاً على هيمنة أميركيّة عسكريّة استراتيجيّة للنّاتّو على مشارف (الاتّحاد الرّوسيّ)، بالرّغم من تهديدات أميركا و أوربّا التي لم تلاقِ إصغاءًً عند الرّوسيّ.

كانت (أوكرانيا) قد أصبحت "دولة مستقلة" منذ سقوط "الاتّحاد السّوفييتي" عام (1991م)، بينما بقيت روسيا تعتبرها جزءاً من المجال الحيويّ الرّوسيّ، على المبدأ الرّوسيّ الرّاسخ، منذ (ليونيد بريجينيف)، الزّعيم السّوفييتي الذي شقّ أو رسّخَ طريق "الحرب الباردة"، بكفاية "السّيادة المحدودة" لكلّ من (أوكرانيا) و (بولندا) و (تشيكوسلوفاكيا) و (ألمانيا الشّرقيّة) و (بلغاريا) و (هنغاريا)، عندما كان ما يزال (الاتّحاد السّوفييتي) صاحب وجود و إرادة مفروضة على سياسات الغرب.

ما يُسَمَّى "المجتمع الدولي" و "المنظمات الحقوقية" العالميّة مثل "منظمة العفو الدولية" أجمعوا على "إدانة" ما قامت به (روسيا)، مؤخّراً، في (أوكرانيا) على أنّه "خرق للقانون الدوليّ" و انتهاك للسّيادة الأوكرانية..
إلّا أنّ "إرادة القوّة" الرّوسيّة حسمت الموقف و تركت للإتّحاد الأوربّي والولايات المتّحدة فرصة أو حريّة القيام بفرض "عقوبات اقتصادية" على (روسيا)، و على أفراد وشركات روسيّة.

تفاقمت الذّرائع (و الأسباب) الغربيّة، و بخاصّة الأميركيّة، في سياسات العقوبات الاقتصاديّة على (روسيا)، بعد التّفاهمات السّوريّة - الرّوسيّة بصدد الحرب على سورية، و سياسة (بوتين) الصّريحة في دعم الدّولة السّوريّة.

اعتبر رئيس الوزراء الرّوسيّ (ديمتري ميدفيديف) بأنّ "العقوبات الجديدة" التي فرضتها الولايات المتحدة على بلاده تبلغ حدّ إعلان "حرب تجارية شاملة" على موسكو..
وأضاف أن الإجراءات التي "وقّعها" الرئيس (دونالد ترامب) تبيّن عجز "الرّئيس الأمريكيّ" التّام، الذي قال إن الكونغرس أهانه عندما صادق على "عقوبات" لم يرغب بها هو كرئيسٍ للولايات المتّحدة.

وقال (ميدفيدف): "إن العقوبات تنهي آمال تحسين العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة".
و أضاف أن "آثارها ستظلّ باقية لعقود من الزّمن، إن لم تحدث معجزة".
و حذر (ميدفيدف) أيضاً من "خطوات جديدة" ستتخذ، تهدف - ربّما - إلى الإطاحة بالرئيس (ترامب) الذي وصفه بأنّه "لاعبٌ من خارج السلطة" في أميركا، قائلاً: "لقد انزلقنا إلى مرحلة حرب باردة جديدة".

مؤخّراً، و بعد توقيع (ترامب) "الاضطراريّ"(!) - في 2017 - 8 - 4 م - على "العقوبات الاقتصادية" التي فرضها الكونغرس الأميركيّ على روسيا، أخذت الّلهجة الإعلاميّة بالتّصعيد السّياسيّ و الدّبلوماسيّ بين روسيا و أميركا، و بدا أنّ الأمرَ ليس مرهوناً بمناسبة "العقوبات الأخيرة" على (روسيا)، التي تصرّح أميركا أنّها تهدف أيضاً (العقوبات الأمريكية) إلى عقاب روسيا على "تدخّلها" في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة في العام (2016م) لصالح "الرّئيس"!

كان لأوربّا مواقف متباينة من فرض العقوبات الأميركية الأخيرة على روسيا.. و لقد صرّحت ألمانيا و إنجلترا بذلك بوضوح.
فيما كان للرّئيس الرّوسي (فلاديمير بوتين) موقفٌ صريحٌ و مُعبّرٌ عندما قام بطرد (755) شخصاً من العاملين بالبعثات الدبلوماسية الأمريكية في روسيا، ردّاً على إقرار الكونغرس الأميركيّ لمشروع العقوبات.
و قال بوتين: "انتظرنا على مدى وقت طويل عسى أن تتّجه الأمور نحو الأفضل، وكنا نأمل في حدوث تغيّر إيجابي في هذا الوضع، لكنْ تبيّن أن ذلك لن يحصل قريباً، و لذا قرّرت أنّه يجب إظهار أننا لم نعد مستعدّين لترك الأمر دون ردّ".

على أيّة حال.. فإنّ العلاقة الرّوسيّة الأميركيّة التي يبدو للبعضِ أنّها تنحدر إلى مستويات من التّناقضات و الخلافات المستعصية على الحلول، يحكمها في الواقع عاملان سياسيّان تاريخيّان كبيران، و هذا عندما لا ننظرُ إلى "الأحداث" السّياسيّة المتجدّدة دوماً في العالم، على أنّها الأسباب الوحيدة لتشكّل مسارات الصّراعات و التّناقضات، التي اختلفت في الأعماق عن المسارات السّياسيّة، التي طبعت العالم بطابعها في زمن "الحرب الباردة" الماضية.

- العامل الأوّل: هو اختلاف التّركيبة الأيديولوجيّة في عوامل الصّراعات و التّناقضات بين الكتلتين العالميّتين الرّئيستين، و اتّجاهها إلى الواقعيّة و المباشرة في "التّحدّي" المؤسّس على عامليّ المصالح السّياسيّة، على اختلاف مكوّناتها الاقتصاديّة و الفكريّة و الجيوسياسيّة المباشرة في استراتيجيّات التّفكير، من جهة؛ و على طموحات الأمجاد القوميّة المتجدّدة و المبنيّة على الشّعور بالتّفوّق.. و أصالة "الهويّة"، على أساس "الحقوق" الوجوديّة، و هذا من جهة ثانية.

- و العامل الثّاني: هو التّخفّف من الالتزامات التّقليديّة التي تبنّاها الاتّحاد السّوفييتي، سابقاً، في مسألة حقوق الشّعوب المضطّهدة في استعادة حرّيّاتها و نيل استقلالها و تقرير مصائرها التّاريخيّة (مبدأ دعم حقوق الشّعوب الآيلة إلى التّحرّر في تقرير مصيرها)، بعد فقدان الأساس العالميّ لهذا الدّافع الذي كان يتمثّل في النّظريّة الماركسيّة - الّلينينيّة، و هي الأيديولوجيا التي أسّست لعقيدة الاتّحاد السّوفييتي في المواجهة العالميّة في القرن العشرين.

منح الأمرُ روسيا حُريّة أكبر في التّحرّك الاستراتيجيّ المبنيّ عل أسس قوميّة حصريّة، دون النّظر إلى متطلّبات الأعباء الأيديولوجيّة و العلاقات "العالميّة" المركّبة و المكلفة التي كانت تستدعيها.

هذان العاملان شكّلا أسباباً للطّموح الرّوسيّ المعاصر، و لو أنّه ردٌّ على الطّمع الإمبرياليّ الأميركيّ المعروف كتقليدٍ في التّاريخ المعاصر.

في الحقيقة فإنّ العاملين، معاً، يعتمدان على واقع عالميّ مُتهاوٍ أو متداعٍ، من الشّعوب و الدّول التي غلّبت مصالحها المباشرة و الضّيقة على مبادئها التّاريخيّة، الوطنيّة و القوميّة و الاجتماعيّة، مع ظهور الأفكار الفارغة عن "الحرّيّات" و "الدّيموقراطيّات" و حقوق الإنسان، و التي استطاعت أن تزرعها الإمبرياليّة الاستثماريّة العالميّة في ثقافات البلدان و الشّعوب المتخلّفة، المتناحرة اجتماعيّاً على أساس الحقائق الفرديّة و الاجتماعيّة الضّيقة و الزّائفة!

و على رغم ما تقدّم، فإنّ واقعيّة "حربٍ" باردة أو ساخنة بين العُظميين، إنّما هي من الأمور التي يجب أن ننظرَ إليها في منظار استحالة كلّ أشكال الحرب العالميّة الشّاملة، سواءٌ منها "الحرب الباردة" أو "السّاخنة" أيضاً.

و ما يجعلنا ننظر إلى "الحرب الباردة" كشكلٍ من أشكال الوهم الثّقافيّ، الذي يعتاش عليه فئة من الكتَبة و المحلّلين متوسطي و ضعيفي المواهب، هو واقع أنّ "النّظام العالميّ" نفسه، بدا، أكثرَ فأكثر، أنّه محكومٌ بجملة من التّواضعات الضّروريّة و القسريّة، و التي يُعتبر تجاهلها خروجاً من الّلعبة السّياسيّة العالميّة بأسرها اليوم.

هذا سبب آخر مهمّ لتجاوز أوهام "الأيديولوجيا"، مع أنّه كافٍ للنّزعات الفرديّة و القوميّة التي ما يزال "النّظام العالميّ" يأخذ بها، لعلّة عدم انتفاء أو انتهاء صلاحيّاتها الزّمنيّة و التّاريخيّة، كما يُشيع البعضُ المبتدئون في فكّ طلاسم السّياسة العالميّة المعاصرة و ألغازها التّفصيليّة الدّقيقة.

من الظّواهر الغريبة في السّياسة العالميّة، و التي تؤيّد وجهة نظرنا هذه، هي أنّ (الصّين) التي تشكّلُ التّهديد الاقتصاديّ و السّياسيّ العالميّ الأكبر، بالنّسبة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة (و غيرها، أيضاً)، تبدو اليومَ خارج مجالات النّزاع العالميّ المباشر.
يتعلّق الأمر بسبب ألمحنا إليه، و هو تعقيم المواجهات من الأيديولوجيات التّقليديّة التي حكمت صراعات و مواجهات القرن العشرين و حربه الباردة.
إنّه طالما أنّ الصّين لا تواجه مباشرة "الكتل" العالميّة الأقوى كأميركا و روسيا و أوربّا، فإنّها لهذا تستطيع حتّى الآن، توفير "القوّة" و ادّخارها كعامل من عوامل تبنّي فلسفة عن "المستقبل" لا يمكن أن تكون ذريعة لأيّة قوّة عالميّة لافتعال الصّراع معها و مباشرتها فيه.
و هذ أيضاً عاملٌ من عوامل الالتفات الذّاتيّ من قبل الكتل القوّيّة المختلفة، إلى مصالحها و مبادئها الذّاتيّة في تعزيز القوّة، بعيداً عن أيّ شكلٍ من أشكال الإحتراب الأيديولوجيّ و استقطاباته العالميّة التي ولّت مع القرن العشرين.

لا يبدو أن الحرب السّياسيّة و الإعلاميّة بين روسيا و أميركا، اليوم، تشكّل أيّ خطرٍ "تقليديّ" و مباشَرٍ على العالم.

و على العكس، فإنّه من دواعي نجاح هذا التّحدّي و الثّبات و الإصرار على المواقف الدّاخلة في صراع "الهّويّات" التّاريخيّة و القوميّة، ما بين الأطراف، أنَّ هذه الأطراف كلّها مُضطّرةٌ إلى احترام الأسباب عند "الآخر"، الذي دخلت معه في التّناقض و النّزاع.

نحن في بدايات هذا القرن، أمام خصومات عالميّة، و لسنا أمام عداوات و اعتداءات..
مع أنّ البعض كان - و مازال - يفضّل تسميتها بـ"الشّراكات" (بوتين، مثلاً) على رغم ما تُبديه من "حدّيّات" مرحليّة أو مفصليّة في الصّراعات و المواجهات.

فمصطلح "الحرب الباردة" [مع أنّ (أندرو هاموند) يذهب بحقّ إلى أنّ هذه التّسميّة هي أكثر من زائفة و مضلّلة. انظر: أدب الحرب الباردة - أندرو هاموند - ترجمة طلعت الشّايب - المركز القوميّ للترجمة - القاهرة - الطّبعة الأولى - 2015م - (ص 10)]، هو مصطلح استخدم في أدبيّات السّياسة العالميّة، لوصف حالة متوتّرة من الصراع و التنافس و التي كانت تتحكّم بعلاقة (الولايات المتّحدة) و (الاتحاد السّوفييتي)، وحلفائهم، في النّصف الثاني من القرن العشرين، حيث ظهرت "التحالفات العسكرية" العالميّة و الانقسام الإعلاميّ الثّنائيّ الحدّيّ، و التّطوير الكثيف للأسلحة والتقدّم الصناعي و تطوير التكنولوجيا المرتبطة بالعسكرة، و حرب الفضاء أو ما سمّي مع عهد (رونالد ريغان) بـ"حرب النّجوم".

كان المتميّز و الشّاذ في ذلك، هو إنفاق القوّتين العظميين السّرّيّ و المكشوف و الهائل على الصناعات العسكريّة و "الترسانات النّووية"، و كذلك الحروب الواسعة بالوكالة الصّريحة و المُسمّاة.. حدث هذا في (كوريا) و (فييتنام) و (مصر 1956م) و (تشيكوسلوفاكيا، سابقاً) و أزمة الصّواريخ الكوبيّة عام (1962م)، و غزو (الولايات المتّحدة) لـ(بَنَمَا) و اجتياح (أفغانستان) و نشر الدّرع الصّاروخيّ الأميركيّ في أوربّا على شُرفة (روسيا - الاتّحاد السّوفييتيّ) عام (1983م) كأهمّ معلَمٍ من معالم سياسة (ريغن) المتهوّرة، في إطارٍ من التّحدّي و الاستهتار بالعالَم و أمن العالم.

نحن اليومَ لا نعيشُ على إيقاع هذا الرّعب النّوويّ الذي حكم النّصف الثاني - حتّى تسعيناته - من القرن العشرين العالميّ.

في هذا السّياق من الفهم الواقعيّ، فإنّ الصّعوبات الحاليّة أمام الإدراك العمليّ، تنشأ كتحدّيات سياسيّة تاريخيّة، غير مجرّبة، أمام الدّول و الشّعوب غير المنخرطة في صراعات "الشّركاء العالميين" (شراكات!) الآخرين.

لقد ولّى القرن العشرون الذي كان يسمح بالتّراخي في فضاءات المتناقضات، كبيئة تعيش فيها و تعتاش عليها و تستثمر فيها، ايضاً، الدّول و السّياسات التي كانت تُحسب على أحد طرفيّ قطبيّ الحرب الباردة.
لقد غدا التّحدّي الأكبر، اليوم، بالنّسبة إلى "الدّول الضّعيفة" بمقوّماتها القليلة و شعوبها غير المتطوّرة، هو كيف تتمكّن هذه الدّول من الحفاظ على استقلاليّاتهاالمختلفة و عناصرها الوطنيّة و القوميّة، من عوامل "الهويّة" الاجتماعيّة و التّاريخيّة.. وكيف تتمكّن من المحافظة على "كياناتها" التّكوينيّة أمام إغراءات و عوامل التّفتّت و الذّوبان..!؟

هذا هو السّؤال الأكثر أهميّة و الأخطرُ، الذي على العالم الثاني و الثّالث المكوّن من الدّول الهامشيّة في العالم، أن يجيب شعوبه و دوله عليه.
إنّ الإجابة نفسها هي عامل التّحدّي الأوّل و الأكبر، الذي تليه جملة من العوامل المتعلّقة بإبداع مفردات أشكال و صياغات الأنظمة الاجتماعيّة و السّياسيّة والاقتصاديّة و التّنمويّة الشّاملة، لتكون قادرة بها على مسايرة العصر متجنّبة بذلك الامّحاء و الانقراض و الاستعمارات متطوّرة الأدوات و الدّعاوى و الادّعاءات و الوسائل و الأدوات و المفاهيم و الإمكانيّات و الأفكار.

تستعرضنا اليومَ أنماطٌ، أو نستعرض أنماطاً من السّياسات التّابعة و الّلاحقة في العالم، توحي بأنّها لا تدخل في تاريخ هذا الواقع المعاصر من التّطوّرات الحادّة.
و على هؤلاء وحدهم، سيقع الّلوم التّاريخيّ، عند المؤرّخين، عندما لن يتمكّنوا من اجتراح الجرأة على ولوج حاجات هذا العصر.
و يكبر هذا التّحدّي كثيراً، عندما يكون من المطلوب، إضافة إلى ذلك، تلك القدرة على مواكبة تطوّر العصر.

يستخفّ البعضُ بذلك.. و البعضُ لم يدرك ذلك، بعد.. في حين أن ثمّة من هم يعيشون الّلحظة السّياسيّة و التّاريخيّة، بأنانيّات استثماريّة خالصة، غير مسؤولين عن المقبل القريب أو البعيد، الذي يحتّم عليهم أشكالاً أخرى من أخلاقيّات السّلوك السّياسيّ التّاريخيّ.

قبل كلّ ذلك، فإنّ النّظريّة السّياسيّة هي المسؤولة عن تحديد الفكرة و الواقع في التّشخيص و عن الجرأة في المواقف.
إن المواقف التّاريخيّة الرّائدة، هي التي تحكم على نتاجاتنا، نحن المعاصرين، أمام مستقبل أوطاننا و أمام العالم من ساسةٍ مستقبليين و مؤرّخين.

نحن، بكلّ تأكيدٍ، معنيّون بعلاقات الكتل العالميّة و لغاتها المعقّدة.. و لكنّنا أيضاً معنيّون بما نحن فيه أوّلاً من تراكمات تاريخيّة كابحة، و ما تستلزمه من أجل فكّ الحصارات.

الأخطر، بالنّسبة إلينا، هو في أن ننتظر "الآخر"- أيّاً كان- للقيام بما هو من واجباتنا نحن كأوطانٍ و دولٍ و أفكار و أخلاق و شعوب [أن يقوم "الآخر" بدورٍ مُريبٍ في هذه الوجهة.. أنظر في ذلك، مثلاً، هاموند - المصدر المذكور سابقاً - (ص. ص 18-20)].

و بينما نرى أمام أعنيننا، كيف أنّ بعض الشّعوب و الدّول تخرج من لعنتها التّاريخيّة، التي سبّبتها لها تفاوتات السّياسة و الثّروة و المعرفة و القوّة، في هذا العالم، فإنّنا، نحن، كشعبٍ و أفكار و قوى اجتماعيّة أهليّة و مدنيّة، ما نزال في طور الاختلاف على توصيف واقعنا و تعرية الحقيقيّ فيه من المزيّف، و هذا ما ينطبق على الأخلاق و السّلوك و الأفكار و السّياسة و نظام الحكم و قواعد الإدارة و السّلطات.. نحن المهدّدون، فقط، من واقع الاستقطاب العالميّ المعاصر، و ليس أطراف ذلك الاستقطاب المباشرين!..

أحبّ أن أنهي حديثي برأيٍ أردّده، غالباً (و لو بدوغمائيّةخالصة!)، و هو مضمون فكرة تكاد تكون من البداهة، إلى درجة أنّها تغيب عن الكثيرين.

يُثبت تاريخ الحروب المعاصرة بعد صعود الرأسماليّة العالميّة و "نضوجها" الهائل في "الإمبرياليّة العالميّة الأميركيّة - الغربيّة"، كان أن طبع تاريخ العالم كلّه بالحرب الدّائمة الحيّة و المستمرّة.. فتاريخ الحروب المعاصرة هو تاريخ الاعتداء "الأميركيّ" على العالم.
و ما الحروب السّاخنة منها و "الباردة" - على زيف هذه التّسمية كما وجدنا أعلاه - في الزّمن المعاصر، إلّا تاريخ الجشع الأميركيّ و التّكالب الأميركيّ على مقدّرات العالم!
يقول (أود آرن ويستاد): "إنّ تاريخ التّدخّلات الأميركيّة في العالم الثّالث ، لهو - إلى حدّ بعيد - تاريخ تطور هذه الأيديولوجيا عبر الزّمن و تاريخ تشكيلها لسياسات النّخبة الموجِّهة للسّياسة الخارجيّة الأميركيّة. و رغم أنّه كان هناك فترات من المعارضة الدّاخليّة الشّديدة للسّياسات المتّبعة ، فإنّ فترة الحرب الباردة تمثّل فترة كان فيها إجماعٌ ملحوظ - وفقاً للمقاييس الأميركيّة - على الأهداف المباشرة و الوسائل المطروحة للسّياسة الأميركيّة في الخارج" [أود آرن ويستاد - الحرب الباردة الكونيّة - ترجمة مَي مقلد - مراجعة طلعت الشّايب - المركز القومي للتّرجمة - القاهرة - الطّبعة الأولى - (ص27)].

و من الواضح اليوم، أن هذه الظّروف التي يصفها (ويستاد) هي ظروف غير نموذجيّة في "القرار الأميركيّ"، ممّا يجعل إجماع "النّخبة" الموجِّهة للسّياسة الأميركيّة، أمراً متعذَّراً أو شبه متعذّر، نظراً لتنامي مرجعيّات "القرار" الأميركيّ و انفراداتها و استقلاليّاتها المفضوحة في كثير من الأحيان:
( البيت الأبيض ـ البنتاغون ـ الخارجيّة ـ الكونغرس ـ المخابرات المركزيّة الأميركيّة ـ و مجموعات الضّغط و الّلوبيّات المختلفة و بخاصّة منها "اليهوديّة"ـ و أخيراً المستشارون و المعاهد البحثيّة.. و لكنْ التي تخترق كلّ تلك "الهيئات" المختلفة، على الإطلاق.. و أحياناً الشّرطة الفيدراليّة، أيضاً.".. و هذا ما لا يفهمه المحلّلون السّياسيّون، فيصفونه بالتّناقضات!)..

و هو الأمر الذي يمكن أن "تراهنَ" عليه القوى السّياسيّة العالميّة، لتجنّب عودة تلك الفترة التّاريخيّة الكارثيّة على شعوب العالم، و التي أجمع "المُهرولون" في الأحكام على تسميتها بـ "الحرب الباردة".

و إذا كان هذا ممّا يبدو واقعيّاً، فإنّه ليسَ من الحكمة أن يُترك الرّأي العالم الأميركيّ و العالميّ و إليه مفاعيل آثار السّياسة الخارجيّة، رهناً بوقائعها الموضوعيّة، و إنّما من الحاسم أن يُحاط هذا الواقع بالسّياسات و الدّراسات و البحوث الجدّيّة و الجادة، كمتمّم لأفعال السّياسات الخارجيّة العالميّة المواجهة للطّغمة الأميركيّة الحاكمة.

يبدو أنّ العالم بقواه الحيّة قد أدرك، أخيراً، هذه الأهمّيّات.. و تمثُّلُ سياسةُ روسيا، حصراً، هذا الاتّجاه في الوعي و "القوّة" المعادلة..
و يبقى أن ينضمّ إليها جميع الفاعلين و المؤثّرين، على مختلفهم، في العالم من دول و هيئات و أشخاص (اعتباريّة و طبيعية) و أفراد.

إنّ اكتمال "السّدّ" أمام احتمالات طوفان "الحرب الباردة"، على تلك الصّورة، سوف يمنع الكثير من أهداف "الإستبلشمنت" (مركز القرار الأميركيّ التّقليديّ، و الذي يضمّ عالم الأعمال و المال و الاحتكارات، الصّلب، في أميركا، و المتحالف مع "البنتاغون" ؛ و الذي يبدو أن ترامْب، اليوم، على خلافٍ معه..!) الأميركيّ، من تحقيق جرائمه التي يُعِدُّها و يحضّرها و يقتات عليها في العالم، من دون تفريق أو تمييز بين شعب و دولة و أمّة و ثقافة أو دين.

***

(مُخَنَّث آل سعود: "ظَالِم كُسَيْرْ: المدعو: عادِل جُبَيْرْ)

(لم يعد ممكناً خروجُ الأسد في بداية المرحلة الانتقالية،

و يجب علينا أن نبحث مدة بقائه في المرحلة الإنتقالية،

وصلاحياته في تلك المرحلة.)!!

- من الأفضل لهذا العبد المخنث، أن يفكّر بمدة بقاء أسياده "آل سعود" في الحكم، التي لم تعد طويلة.

***

[وهل يُمْكِنُ المساواة بين]:

- مَنْ يَجِدونَ سعادَتَهُمْ في "الغيريّة والتّضحية والعطاء".. و

- مَنْ يجدونَ سعادَتَهُمْ في "الأخْذ والأنانيّة والإيذاء".. و

- مَنْ يَجِدونَ سعادَتَهُمْ في "السَّلْبِ والنَّهْبِ وسَفْكِ الدّماء".؟!

***

[مشروعُ "الحَيْوَنَة" الاستعماريّ الجديد]

• عندما تَنْفَلِتُ الغراِئِزُ البَشَرِيّةُ الدُّونِيَّةُ مِنْ عِقَالِها، يتحوَّلُ أصْحابُها، إلى أشَدِّ أنْوَاعِ الوحوشِ على وَجْهِ الأَرْضِ، ضَرَاوَةً ودَمَوِيّةً...

• لا بل تُصـبِحُ الغاباتُ، جَنَائِنَ غَنّاءَ، قِياساً إلى ما يَحـصُلُ في المجتمعاتِ المُتَفَلّتة، من القوانين والضّوابط والرّوادع...
لِأنّ الحيواناتِ، عندما تَشـبَع، تَسْكُنُ وتَهْدَأُ وحشّيَّتُها، ولا تعتدي على أحدٍ، وذلك بَعَكْسِ الإنسان، الذي يزدادُ شراهةً ودَمَوِيّةً، كلّما ملأَ مَعِدَتَهُ وجُيوبَهُ.

• ومِنْ هُنَا، كانَ الحِرْصُ الشّديد، لدى المحورِ الصهيو - أميركي وأذْنابِهِ ، لِكَسْرِ هيبةِ الدّولةِ السورية، وضَرْبِ قُوَاها الأمنيّة، ومُحَاوَلَةِ تمزيقِ جَيْشِها، كَيْ تنفلتَ الغرائِزُ البشريّةُ - بَعْدَ أنْ سَمَّدَتِ الآلةُ الإعلاميّةُ الهائلة وصندوقُ المال الوهّابيُّ السعوديُّ والإخونجيُّ القطَرِيُّ، تُرْبَةِ الغرائِزِ الدُّنْيَا، جَيِّداً - وكَيْ يَعُودَ المجتمعُ إلى طَوْرِ "الحَيْوَنَة" البِدائِيّة، تمهيداً لتمزيقِ سوريّة بِكامِلِها، بَعـْدَ إغْرَاقِها في بَحْرٍ مِنَ الدّماء، وجِبالٍ مِنَ الدَّمار.

• واسْتَطاعَ المحورُ الصهيو - أميركي وأذْنَابُهُ، أنْ يُوقِظَ الغراِئِزَ الحيوانيّة، في صُفُوفِ بَعْضِ الشّرائحِ الاجتماعية داخِل سورية، وأنْ يجَعَلَ مِنْهَا "بِيئَةً حاضِنَةً" لِعَشَرَاتِ الآلافِ من القطعان الإرهابية الدّمويّة التّكفيريّة الظلاميّة التدميريّة الإرتزاقيّة، المُسْتَوردة من الخارج أو المُصَنّعَة في الدّاخل، بالأموال البترو - وهّابية....

• ولكنّ المحورَ الصهيو - أميركي وأذْنَابَهُ، عَجِزَ عَنْ كَسْرِ العمود الفقريّ للدولةِ الوطنيةِ السوريّة، والذي هو الجيش العربي السوري، رُغْمَ الجهودِ الهائلة والإمكاناتِ الطّائلة والأموالِ السّائلة، التي قَدَّمَها هذا المحورُ الصهيو - أميركي - الوهّابي، لِهَدْمِ الدولة السورية وتحطيمِ جَيْشِها.

• ولذلك سوف يُسَجِّلُ التّاريخُ، أنّ جيشاً سورياً أسطورياً، وقائداً أسَداً عملاقاً شامخاً، كانَ لَهُما الفَضْلُ الأكْبَرُ، ليس فقط في الحفاظ على سورية، بل في الحفاظ على الشرقِ العربيّ بِكامِلِهِ، وعلى التّوازنِ العالمي، وعلى جُذْوَةِ الصُّمودِ والكبرياءِ والشموخِ والعنفوانِ، في مُوَاجَهَةِ تَغَوُّلِ الاستعمارِ الجديد في هذا العالم.

***

(بِغال و حمير طروادة "حماية الأقلٰيّات")

- مقولة "حماية الأقلّيّات الإثنيّة والطائفيّة والمذهبيّة":

- مقولةٌ قديمة جديدة، اسْتَخْدَمَها الاستعمارُ القديم، لِلتّحكّم بالشعوب التي يستعمرها أو يريد استعمارَها..

- وتعمل على اسْتِخْدامِها، قوى الاستعمار الجديد، وأتباعُ وأذنابُ هذا الاستعمار، من خلال إيجاد أحْصنة طروادة "والأدق بِغال وحَمير طروادة" مِمَّنْ ترتبط أوردتهم وشرايينُهم بالقوى الاستعمارية الجديدة الطامعة بالوطنَ ومُقَدَّراته، والمُتخادمة مع جميع القوى والجهات المُعادية للوطن..

- و تعمل على إعْتِماد مبدأ "المُحاصَصة الطّائفيّة والمذهبيّة والإثنيٰة" تحت عنوان "النظام الديمقراطي المنشود!!"..

- والشعوبُ المهزومة في الحروب والمغلوبة على أمْرها، تستسلم لذلك بذريعة أنّ الإنضواء في ما هو مطلوبٌ منها، هو الطريق الوحيد الذي يُوصِلُها إلى بَرّ الأمان وشَاطىء السّلامة..
لِتَجدَ نَفْسٓها بَعْدَ حِين، في قلب خطرٍ أو أخطارٍ داهِمة مُضاعَفة، يجري توجيهها وتحريكُها خارجياً، غَبّ الطَّلَب و وَفْقاً للمصالح الخارجية المعادية..

- و وَحْدَها، الشعوبُ الحَيّة ومعها القياداتُ التي تُمٓثِّلُ نَبَضَ شعبِها و وِجْدانَهُ و صَميرَه، ترفض الوقوع في هذا الفَخّ والإنجرار إلى هذه المصيدة المسمومة والملغومة، وتُواجِهُ ذلك بِكُلّ قواها وطاقاتها، مهما كانت التّحدّيات ومهما بلغت التضحيات.

***

(التّبايُن الفقهي مع "معاوية"، لا يجوز أن يبخسه حقه، كأدهى سياسي في تاريخ الإسلام والعرب)

- عندما انتقل معاوية بالخلافة من الصحراء إلى أقدم حاضرة مأهولة بالتاريخ التي هي (دمشق)..
انتقل بالدولة العربية الإسلامية من الطور الصحراوي البدائي؛ إلى الطور المديني الحضاري.

- ومن يريد أن يينبش التاريخ، سأضرب له مثلاً واحداً:

( قُتِل سَبْعَةُ ملايين ألماني، من أصل عشرين مليوناً، من الشعب الألماني، في حرب الثلاثين عاماً، بين "1618 - 1648" وحصراً بين "الكاثوليك و البروتستانت".)..

- فهل الديانة المسيحية، هي المسؤولة عن تلك الحرب وعن أولئك الضحايا؟

بالتأكيد: لا..

- الأديان ليست مسؤولة عن الحروب ولا عن الإرهاب، بل جرى ويجري استخدامها في الحروب، لغاياتٍ مصلحية وسياسية.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2066880