الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: (مُقتدَى الصّدر).. يدخل السّياسة من بوّابات مقتضَى "الكبار"

[(مُقتدَى الصّدر).. يدخل السّياسة من بوّابات مقتضَى "الكبار"]أ بهجت سليمان في دمشق

{هل نحنُ، في الحرب، في طور تبريد "الرّؤوس الحامية"؟}


شكّلت زيارة (مقتدى الصّدر)، الزّعيم الشّيعيّ العراقيّ لما يُسمّى"التيار الصدري العراقي المعارض"، إلى (السّعوديّة) و لقائه "وليّ عهد" (مملكة آل سعود)، (محمد بن سلمان)، في (جدّة)؛ مفاجأة للكثيرين.

و كانت هذه الزّيارة ستكون "صادمة" للجميع، و بخاصّة للسّوريين"الطّيّبين"، لولا مواقف (الصّدر) السّياسيّة الأخيرة، كـمعارضٍ سياسيّ عراقيّ شيعيّ، "مستقلّ"(!)؛ إضافةً إلى موقفه الصّريح المعلن- في النّصف الأوّل من شهر(نيسان- أبريل) الماضي (2017م)- من الدّولة السّورية في "تدخّله" مفضوح الأسباب و الأبعاد، في الشّأن السّوريّ الدّاخليّ، الذي نقله عنه الإعلام "مباشرة" بِحَرْفِيَّةِ أنّ: "مقتدى الصّدر يدعو بشّار الأسَد للتّنحّي قبل فوات الأوان"..!
و قد اقترن موقف (مقتدى الصّدر)، هذا، بتصريح لافتٍ و أوّل من نوعه في "مباشرته" و "وظيفيّته"(!)، سبقه بساعات، فقط، لرئيس الوزراء العراقيّ (حيدر العبادي)، و ذلك منذ اندلاع "الحرب السّوريّة" في العام (2011م): "إنّ القصف الكيمياويّ في (سورية)(!) يُعتبر جريمة مُدانة"..!؟ "و أنّ العراق يقف مع "الشّعب السّوريّ" الذي وقع ضحيّة لذلك"!

في صياغة "أوّليّة" لفكرتنا، هنا- سنطوّرها في نهاية الحديث- يجب القول إنّ هذه "الزّيارة" لا تأتي من فراغٍ سياسيّ "عراقيّ" و "إقليميّ"(!)، و "عالميّ" أيضاً- بكلّ تأكيد- فيما يخصّ علاقات جميع الأطراف المنهمكةِ و المُتورّطة و المهمومة في "الصّراع السّوريّ" الذي تجاوز "محلّيّته" و "إقليميّته" إلى العالميّة، و ذلك من قبل أن "يبدأ"، على التّحديد و الحصر.

يُشكّل (مقتدى الصّدر)، اليومَ، في (العراق)، ظاهرة مركّبة. بل إنّها، أيضاً، أكثر من "ظاهرة" سياسيّة، يميل "البعض" إلى تسميتها بـ "الحركة"، أو بـ "الطّريقة، أو حتّى بـ "الطّائفة المُقتَدائيّة".
و لتوضيح الأمر، ما أمكن للقرّاء، و مقاربته مقاربة أقلّ عموميّة، لربطه بهذه "الزّيارة السّياسيّة" المُفرطة في "الانحراف" أو "الاستدارة"- ربّما- ؛ علينا أن نعود، قليلاً، إلى الخلف في التّاريخ السّياسيّ المعاصر و الرّاهن لهذه "الحركة" التي هي على جانبٍ كبير من الخصوصيّة، فعلاً.

بعد اغتيال (محمد صادق الصّدر)، والد (مقتدى الصّدر)، بوصفه ممثّلاً لإحدى المرجعيّات الشّيعيّة في العراق- و هي كثيرة على ما هو معروف- في (شباط- فبراير) عام (1999م)، هذا الاغتيال الذي بقي "لُغزاً، يتحمّل وِزرَه حكومة (صدّام حسين) شخصيا، ظهرت الحاجة، سريعاً، لمَلءِ الفراغ النّاشب في "المَرجعيّة" شبه الوحيدة، أو الوحيدة، ذات البُعد العربيّ و الوصف "القوميّ"(!)، في مواجهة "المرجعيّة" التي تمثّلها (إيران) الفارسيّة، و ذلك ضمن إطار مشترك واحد بين "المرجعيّتين" بالنّسبة إلى الاعتقاد بمبدأ "ولاية الفقيه"، في التأثيل (التّأثيث و التّأصيل) أو التّثبيت لنهج "ولاية الفقيه"، الشّيعيّ- العراقيّ- العربيّ.

و لمّا كان (مقتدى) أمّيّاً، أو شبه أميٍّ، في المسائل الشّرعيّة و الفقهيّة، لم يُبدِ منذ بداياته أيّ مَيلٍ إلى العلوم "الدّينيّة" النّظريّة، الثّقافيّة أو الأكاديميّة (الحَوزَوِيّة)، مع اشتهاره باستهتاره بالعلوم عامّة و "العلوم الدّينيّة" بخاصّة؛ كان "الحلّ" الوحيد أمامه- و أمام مستشاريه الموروثين من عهدِ والده- هو تحوير صيغة "المرجعيّة" من تشكيلة دينيّة و لاهوتيّة إلى صيغة سياسيّة- عسكريّة مُسلّحة، بتأسيس ما عُرف بـ "جيش المهديّ" مباشرة بعد الغزو الأميركيّ للعراق عام (2003م) و سقوط نظام (صدّام حسين)، ليضمّ هذا "الجيش" أعداداً كبيرة جدّاً من "المراهقين" و الشّباب ممّن هم دون سن العشرين.
و حيث سيُصبح (مقتدى الصّدر) زعيماً لما سُمّي بـ"التّيّار الصّدري"، فإنّ "جيش المهديّ" سيتوسّع إلى بُنية عسكريّة قويّة و واسعة تضمّ في إطارها، ما عرف بمسمّيات أجنحة "لواء اليوم الموعود" و "سرايا السّلام"، التي سيكون لها دورٌ مباشرٌ في الصّراع ضدّ "الأمريكيّ" الأجنبيّ بعد انطلاق "المقاومة" الوطنيّة في العراق.

أذهب إلى التّحديد بأنّ (مقتدى الصّدر) قد يكون الأقوى و الأهمّ في العراق بما هو "حركة عراقيّة" غير "نظاميّة"، قادمة من أصول "ثابتة" و "قويّة"، إذ كثيراً ما تفسّر "الظّاهرة" بخلفيّتها كما تُفسّر بوضعيّتها على السّواء.

على كلّ حال، فإنّه في سياقات "الحرب السّوريّة" ظهرت و تطوّرت و اختلفت و انكفأت و صعدت و هبطت و تمايزت و أشكلَت..، إلخ، الكثير من المواقف و التّصرّفات و السّياسات العربيّة و الإقليميّة و الدّوليّة، التي كانت من وحي "الحرب السّوريّة" و توضّعات آثارها غير المحدودة على عُلاقات جميع الأطراف الدّاخلة، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، اختياراً أو عُنوة، في حقول و فضاءات هذه الحرب.

و هكذا فإنّ الزّيارة التي يقوم بها (مقتدى الصّدر) إلى السّعوديّة، تقترن بمجموعة من المواقف الأخرى، لأطراف آخرين، أيضاً، معنيين بما حدّدناه، أعلاه، من "ظروف" و "توضّعات" سياسيّة عربيّة و إقليميّة؛ كانت قد رافقت أو سبقت أو تبعتْ هذه "الزّيارة" التي تأتي بعد آخر زيارة مثيلة لها قام بها (الصّدر) إلى (السّعوديّة) في العام (2006م)، و أي بعد ثلاث سنوات على الغزو الأميركيّ للعراق.
مؤخّراً- و كما هو معروف للجميع- و قبيل هذه الزّيارة مباشرة، كانت أن تمّت مجموعة من الزّيارات المتبادلة بين مسؤولين سعوديين وعراقيين، فيما كانت "تصريحات" (الصدر) "المتعمّدة" تفترق عن السّياسة الإيرانيّة المعلنة في نظرتها إلى الحرب في سورية و العراق.

و أكثر من هذا، فبينما كان (مقتدى الصّدر) يُجاهر في الآونة الأخيرة بنقد (إيران)، أو بما هو أكثر من النّقد، حيث أصدر "بيانه" الرّسميّ المعروف بمناسبة فوز الرئيس الإيراني (حسن روحاني) بولاية رئاسيّة جمهوريّة ثانية، الذي طالب فيه (طهران) بما وصفه بـ "الانفتاح على المنطقة" وترك "المهاترات الطائفية" لأن "الوضع لم يعد يحتمل" و "الابتعاد عن كل السياسات التي تؤثر سلباً على المنطقة"(!)

أقول: في الأثناء نفسها كان (العراق)، كما قلنا أعلاه، يستدير استدارة "مفاجئة"، أيضاً، في مواقفه الرّسميّة التي "أوحت" للكثيرين بالابتعاد العراقيّ الرّسميّ عن "الموقف الإيرانيّ" نفسه(!) عن ما يُسمّى "المحور الإيرانيّ"، بشكلّ "مفاجئ"، يرى فيه "البعض".. "موقفاً جديداً مندّداً" بالنّظام السوري وجرائمه ضد الإنسانية"!؟
و هكذا فإنّ "الإيحاءات" السّياسيّة تترافق في آن واحد و "تتضافر" مع ما رآه "المُحلّلون السّياسيّون".. "سَعياً من (السّعوديّة) لتبنّي نهجٍ جديد في تعاملها مع (بغداد)، على أمل إعادتها لحاضنتها العربية بَعيدًا عن النفوذ الإيرانيّ"..!؟
و يُضيف "المحلّلون"(!) أنّ الأمر "يتعلّق بمواقف رسميّة، تعكس تغيّراً واضحاً في سياسة (العراق) الدّاعمة لسورية، وابتعادها عن "المحور الإيراني"، مقابل اقترابها من المحور " العربي " - الأميركي، و بما يتماشى مع سياسة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب"...!؟
و لا نستطيع أن نخرجَ من هذه "الجملة التّحليليّة الأوّليّة" لظروف هذه الزّيارة..، ما لم نذكر موقف رئيس الوزراء العراقيّ (حيدر العبادي) الأخير- أمس- بإعلانه ترحيبه بالزّيارة، هذه، التي يقوم بها (الصّدر) إلى السّعوديّة!
و أخيراً، هنا، فإنّ "المحلّلين".. "المجتهدين" يتابعون فيَرَون في هذه "المستجدّات".. أنّ "السعودية تسعى لاستقطاب الشيعة العرب نحو ها، وتحاول إبعادهم عن التأثير الإيراني في العراق منذ عام 2003".

الآن، فقط، و بعد هذه "الجملة التّحليليّة الأوّليّة"، يمكننا الانتقال إلى القراءة السّياسيّة، بعيداً عن خزعبلات المُحلّلين، في تعبيريّةٍ خاصّة على المُناخ العام للزّيارة "الصّدريّة" إلى مَضَاربِ "آل سعود"..، فيما سنقرأ أكثر ممّا تقدّمه لنا هذه "الزّيارة"، و ذلك فيما هو يندرج في "خطاب" الحدث.

فقط هو العابث من ينظرُ إلى "الحدث السّياسيّ"، مهما صغر أو قلّ شأنه، على أنّه عبثُ هُواة. في السّياسة لا يوجد هنالك "هواة".

في الحقيقة لقد شكّل وصول (ترامب) إلى الرّئاسة الأميركيّة، بداية الفصل الأخير من هذه الحرب التي يتصارع فيها نوعان من القيم العالميّة.
و من لا يًصدّق هذه الصّورة فما عليه إلّا بجردةٍ بسيطة للميزانيّة الزّمنيّة و الأخلاقيّة لهذه الحرب، و سوف يتبيّن له قبل أن يُنهي عمليّة المراجعة ، أنّ "القيم" و الحاجات التي كانت عاصيةً إلى حين ماضٍ و وجيز، على مستوى العالم، إنّما أظهرت عجزها الشّامل، السّياسيّ و الاقتصاديّ، و الاجتماعيّ و الأخلاقيّ، عن الاستمرار في "الحَرَنِ"التّاريخيّ، أخيراً.
و لكنّ الانتقال إلى الشّكل الجديد من الصّورة العالميّة كان لا بدّ له من أن يمرّ بمخاضات عميقة ليست الحرب إلّا شكلها الأوليّ و المباشر.

من نتائج هذه الحرب ثمّة ما هو إعادة لتوزيع الثّروة العالميّة. إنّ التّضخّم الماليّ الذي كان يرافقه عجز حضاريّ و تخلّف سلوكيّ في الاستثمار و الاستهلاك و بربريّة و وحشيّة و إرهاب و جريمة مباشرة، يجب أن ينتهي عصره، إذاً.

هنا نفهم مباشرة كيف أنّ الدّول الأكثر تخلّفاً في العالم و الأكثر غنًى أيضاً كانت هي المستهدف الأوّل لتمويل هذه الحرب. إنّها كما قد وضح مباشرة للقارئ، دول و ممالك و محميّات الخليج "العربيّ".
و من نتائج هذه الحرب أيضاً، و لو أنّها من النّتائج غير المباشرة، و غير المدركة على مستوى البشريّة بعد، هذا الطّموح إلى توزيع القوّة العالميّة من جديد على الأمم و الحضارات و الدّول الحيّة فعلاً ، و التي لم تكبحها بعد قيود الزّمان في إسهامها في صناعة المغزى العالميّ و روحه المتوثّبة- و ذلك حيث تفرض نفسها- كما أيضاً تلك الأمم و الحضارات المتمثّلة بدول مازالت فيها القيمة كامنة تنتظر لها فرصة واقعيّة و مباشرة أو غير ذلك للظّهور.

المثال قريبٌ جدّاً إلينا. إنّه أمام أعيننا سواءٌ في الدّول المنخرطة انخراطاً مباشراً في الحرب كأميركا و روسيا و إيران و بشكلّ أقلّ (أعني من حيث الانفتاح على المستقبل) تركيا؛ أو سواءٌ في الدّول الأوروبيّة الأقلّ يفاعة تاريخيّة بعد؛ أو كذلك تلك الدّول البعيدة ما وراء المحيطات و البحار التي لم تكن حياديّة أبداً في هذه الحرب (الصّين مثالنا هنا)، من حيث صناعتها و إنتاجها العام و اقتصادها و حيويّة حضورها في النّادي العالميّ المتمثّل بالأمم المتّحدة.

و من نتائج هذه الحرب- و هذا ما يعنينا، عمليّاً، هنا- أيضاً، هو صناعة "الأدوار" للقوى و الظّاهرات التي تمثّل فائض قوّة (أو عنف مبطّن) تهدّد المستقبل العالميّ أو الإقليميّ أو العربيّ أو الإسلاميّ، بدرجة من درجات الخطر، و ذلك سواءٌ من هذه القوى ما هو قائمٌ على تراكم القوّة العقائديّ
(و الدّينيّ ضمناً)، أو على تراكم القوّة الإقليميّ المرتبط بأبعاد دوليّة، أو على ما هو إلى ذلك أيضاً.

نحن هنا يمكن، إذاً، أن ندخل مباشرة إلى الأدوار الجديدة التي تُستحدث لبعض مظاهر القوّة المنظّمة في إطار ترتيبٍ غير عابرٍ، و ذلك كالقوة الإسلاميّة غير المرتبطة بالأيديولوجيا الصّهيو- إسلامية– الرّجعيّة التي كان مثالها التّنظيمات الإرهابيّة و التي كانت هي حصراً محلّ الاستهداف الرّئيسي في هذه الحرب.. هذا إذا نظرنا إلى جانب الميل العالميّ في إنتاج الأثر و محلّه المادّيّ..!؟

هذا كلامٌ قد يبدو غريباً. و هو لأنّه كذلك نحن علينا أن نُجيل فيه الفكر و النّظر أكثر ممّا عوّدتنا عليه الثقافات العاجزة و أيديولوجيّاتها في العالم، و التي تجاوزتها سياسات النّظام العالميّ التي تتمتّع بحيويّة مرهونة بالحاجات ذات الآفاق العالميّة منها و الإقليميّة، ناهيك عن الحاجات المحليّة للدّول و التي تصنع فيما بينها "المجموعات" التي تقلّ أو تكثر، و تقوى أو تضعف، و لكنّها، أبداً، هي محلّ اعتبارات الفكرة العالميّة المطروحة للقرن الواحد و العشرين.

إنّها لَتُعتَبَرَ تلك القوى المنظَّمة التي أثبتت للتاريخ القريب، بخاصّة، أهمّيتها و حضورها الجِدّي، بعد المغامرات الأميركيّة المسلّحة التي بدأت مع بداية "القرن الواحد و العشرين" المبكّر، و اعتباراً من تسعينات القرن الماضي، و القادر على "التّعبير" الحيّ انطلاقاً من واقع عالميّ و إقليميّ، من جديد.

و على رغم أنّني لا أميل هنا إلى تسميات تلك "القوى"، حفاظاً على استقرار ثقافة "القارئ" ريثما يتمكّن "الحدثّ" العالميّ نفسه من إعداده إعداداً منظّماً في القابليّات و الفاهمة و الاستعدادات..، إلخ، فإنّني مضطرّ إلى أن أنظر إلى (مقتدى الصّدر) و نواة جيشه المنظّم و الخطر على "الصّمت" و التّجاهل و الاستهتار به، و أعني به قوّته العسكريّة المسلّحة و "المموّلة" في استعداديّة عالية للدّخول في دور قد يكون مفاجئاً، عندما تُصبح قوّة الأداة عبئاً على الحاجة إلى الدّور؛ على أنّه من "الشّركاء" الإقليميين الهامّين في المنطقة و في هذه الحرب أيضاً، فيما ينتظر له دوراً قد لا يقلّ عن طموح "حزب الله" نفسه في الحضور العسكري و العقائديّ، مع عدم أخذ درجة التّسلّح، هنا كمقياس أساسيّ، ذلك لأنّها ممّا يُمكن استحداثه و صناعته بسهولة حال حلول "المناسبة" و توفّر الحاجة و الإمكانيّات الماليّة و الاقتصاديّة، و هي جميعها، كما يمكن أن نتصوّر، قيد الممكن السّريع.

يتواشج "التّيار الصّدريّ" في قنواتٍ سرّيّة و غير ذلك، كأيّ تظيمٍ عقائديّ مسلّح آخر، في اتّجاهات عدّة. إنّ حدوده السّياسيّة تتجاوز، أو تعمل على عكس، حدوده السّياسيّة المألوفة و السّهلة في الإعلام و عند العوامّ من السّياسيين و أضرابهم، بحيث أنّه يُشكّل فعلاّ ظاهرة، هي في رأيي أعقد من أيّ ظاهرة دينيّة عقائديّة سياسيّة مسلّحة أخرى في "المكان"..!
إنّه من الغباء و الجهل أيضاً، تجاهله، مع أنّه لا يمكن لأحد ذلك، بعد الدّور الوطنيّ العراقيّ الذي اضطلع به في مواجهة الغزو الأميركيّ للعراق.
لقد استطاع، إذاً، التّيار الصّدريّ "الشّيعيّ" أن يؤسّس لحضورٍ عربيّ- عراقيّ و إقليميّ، إضافة إلى قدرته على أن يُحافظ على جذور من العلاقات العربيّة "الإسلاميّة"، الشّيعيّة و السّنيّة في سياق "المقاومة العراقيّة"، و أغصانٍ طالت الاتّجاهات السّياسيّة الإقليميّة الأخرى، مع أهميّة الهويّة الذّاتيّة "القويّة" و المُقْنِعَة سياسيّاً، ناهيك عن أنّها قد تشكّل ظاهرة مربكة في اقتراب نهايات هذه الحرب و التّقدّم السّياسيّ نحو الاستقرار بدلاً من التّصعيد.


بعد أن استطاعت "الفكرة السّياسيّة العالميّة" من إطفاء جذوة نار الإرهاب الإسلامويّ المنظّم في الخليج و بعد الدّرس التّاريخيّ الذي لقنته إيّاه سورية بصمودها الأسطوريّ، استطاعت "الفكرة" أن تجد لها مخرجاً عندما أوجدت المخرج، أوّلاً، للسّعوديّة في وضع (قطر) في قفص "الاتّهام" الذي، بين عشيّة و ضحاها، أجمع عليه العالم "المتمدّن"، و غير "المتمدّن" أيضاً.. بالتّفصيل و بالجملة و بكل تعيير و قياس!

لم ينته، بعدُ، الدّور السّعوديّ، إذاً.

في الواقع ما تزال "المملكة" واعدة من جهة قدرتها على تلبية "الحاجات العالميّة" الأقوى و الموضوعيّة، في الابتزاز. أميركا و روسيا و إيران و تركيا، و نحن في سورية، أيضاً، ندرك هذا الموقع الموضوعيّ للسّعوديّة في عالم اليوم. إنّها قوّة مالية تصنع، أو تساهم في صنع،اقتصادات عالميّة! و من الواجب أن يتمّ تحويل أنهار المال فيها إلى غير حقول "الإرهاب"..!؟ هي أيضاً (السّعوديّة)أ أفلست أيديولوجيّاً،فأدركت و و آمنت بقسريّة تحويل الاتّجاه.

الآن و إذا أخذنا مجمل "التّمهيدات" السّياسيّة و الإعلاميّة التي سبقت هذه "الزّيارة"، و كذلك مختلف "المواقف" (و منها موقف الصّدر) التي بدت موجّهة ضدّ سورية حصراً، لا ينجو منها- في "التّحليل"!!- الموقف العراقيّ و الإيرانيّ و الرّوسيّ و الأميركيّ، و الشّيعيّ و السّنّيّ، و لا غير ذلك؛ فإنّ حقيقتها لم تكن كذلك بالمطلق أو بالنّسبيّ، و إنّما كانت جميعها (التّصريحات و المواقف) عبارة عن تهيئة و تحضيرٍ و صناعة استعدادات و قابليّات و حوافزٍ أيضاً بالنّسبة للصّدريين و السّعوديين على الأقلّ، بعد أن تمّ توجيه السّعوديّة في هذا الحقل بدءاً من تبادل زياراتها مع (العراق)، مؤخّرا..
فيما تعرِف السّعوديّة، بالبدَاهة حجم الولاء العراقيّ الشّامل لإيران، و لكنّها (السّعوديّة) أيضاً تدرك واقع "الولاء" العراقيّ لأميركا بالأحرى، و الذي يتقاطع (و أكثر!) مع الولاء لإيران.

كان المطلوب، في السّياق، أن تبدو هذه الزّيارة على أنّها استعدادات فرديّة أو شخصيّة لأطراف نَزِقِي السّلوك (!) في احتجاجات على وضع إقليميّ "لم يَعُد يُحتمل!"، بينما كانت "الزيارة" في مقياس "النّظام" الذي تتجه إليه نهايات الحرب، زيارة أعدّ لها بهدوء و ذكاء و دبلوماسيّة و عمق، و لو أنّ العادة في كلّ هذه الأحوال و شبيهاتها السّياسيّة، هي أنّه لا بدّ من تضحيات "إعلاميّة" و أخلاقيّة سياسيّة؛ و إنّه من الطّبيعيّ أن يتحمّل "الأضعف" في المعادلات "النّسبيّة" المعقّدة، القسط الأكبر من "التّضحية" و "الصّبر"، و لكن الّلذين يدخلان في معجم المسرحيّة السّياسيّة العالميّة و الأدوار.
هذا التّحمّل كان فرضَاً من نصيب (السّعوديّة) و (مقتدى الصّدر)، و بدرجة أقلّ (إيران) بما هي طرفٌ ثالثٌ في الأهميّة و التّرتيب الخارجي في مكوّنات "الحرب السّوريّة"!

كان من أوّل ما هو مطلوب في تحوّلات الحرب و أبعادها الإقليميّة، أن تتّجه العلاقات الإيرانيّة – السّعوديّة إلى "التّهدئة" الإعلاميّة و السّياسيّة، و هذا أحد ما سوف تبديه نتائج هذه الزّيارة غير العاديّة التي أنجزها، بالإعداد و التّوجيه و الصّناعة و التّدبير، "العالم" الأقوى في النّظام الدّوليّ المعاصر؛ بعد أن قام بتبريد الدّور التّركيّ و الإسرائيليّ، بوضوح، ضماناً لبيئة استثمار عالميّة سياسيّة و ماليّة و اقتصاديّة، وشيكة الولادة في سوريا و الإقليم و العالم أيضاً.

لقد حان وقت السّياسة النّاعمة و الاقتصاد، بعد تحقّق الفكرة- الغرض من الحرب. و سوف تفتتح هذه "الزّيارة"، التي تبدو "منحرفة"، واقع "النّظام" الدّوليّ انطلاقاً من نظام "أقليميّ"، هو ، كما يقول "الجميع" و يفهم ما يقوله أو لا يفهم ما يقوله إلّا "القليل"، قلب العالم المعاصر.

من المطلوب أيضاً البحث "العالميّ" على حلولٍ سياسيّة، أو أكثر، لعلاقات أولئك- المتواجهة و المستنفرة- الذين دخلوا سياسات هذه الحرب المعقّدة برؤوسٍ حامية، و أعني في الاقتصاد و المال و السّياسة و العقائد "السّاخنة" و الأديان "المتضخّمة" إلى درجة الانفجار! من المفهوم كيف أنّ سورية كانت لتكون "معلّماً" سياسيّاً و قياديّاً و إداريّاً للجميع، في هذا المضمار على الأقلّ، و من دون أن نخوض في التّسميات.

أعلمُ أنّها قراءة صادمة للكثيرين. و لكن متى كانت "الحقيقة" غير صادمة للفهوم القليلة و الضّعيفة و الواهنة و الواهمة و المخنّثة..؟!

لا يحتلّ (مقتدى الصّدر) موقع هذا "القرار" التّاريخيّ الخطر الذي "بدا" أنّه "زعزع" الكيانات السّياسيّة و التّحالفات و الوقائع في منطقة هذه الحرب، و بخاصّة بالنّسبة إلى "المحلّلين" الاقتصاديين و السّياسيين (طبعاً و لا أقول "السّاسة"!) و الإعلاميين و الاستراتيجيين، المصابين بالكُساح الفكريّ- و هم، بالمناسبة، الأكثرية!!-..
غير أنّه (الصّدر) يملِك، من حيث طبيعته و تاريخيّة نشأته و تطوّراته التي لا يمكن أن تخرج على السّيطرة (!؟)، أن يستطيع القيام بهذا "الدور" الطّارئ، و الجديد، و ذلك سواءٌ أكان- هو- يُدرك طبيعة و أهميّة و استراتيجيّة هذا الدّور، أمْ أنّه لا يُدرك جميع ذلك.
وأعتقد بأنّه يُدرك ما يقوم به، مع إدراكه لجميع، أو جلّ، المترتّبات التي ستبدأ بالتّراكم مباشرة، مع نهاية تنفيذ هذه "المهمّة".

هكذا، إذاً، تأتي "الزّيارة" الأخيرة كبداية "نهاية" لأوضاع طالت في تفاعلاتها، المرغوبة منها و غير المرغوبة، و بداية لنهاية سوف تتّخذ لها منحدَراً حادّاً، كما سوف تُثبت الأشهر القليلة القادمة.
و لعلّ السّياسة العالميّة المنطلقة، اليومَ، من منطقتنا حصراً هي المثال التّاريخيّ الأنضج و الأوضح و الأكثر تنظيماً على مفهوم السّيطرة العالميّة للأفكار و الأهداف التي تُخطّط و يُصارُ تباعاً إل تنفيذها على كلّ هذا النّحو "العالميّ" من الفرادة و القوّة، في مواجهة الانحرافات العُنفيّة التي تشكّلت في العالم من نهايات سبعينات القرن العشرين و حتّى اليوم.

إنّ "هندسة" العالم هي بين أيادٍ قادرة على الأقلّ، كما أثبتت الوقائع الدّامية للحرب السّوريّة، و هي على نحو أكبر بين أيادٍ "واعية"..
هكذا يقول التّاريخ النّاضج للعالم، اليوم، و لو أنّ لغته (التّاريخ) تمرّ في منعطفات و منعرجاتٍ تبدو للكثيرين غير مفهومة و لا بديهيّة لفهم "العامّة"، الذي كثيراً ما يندفع انطلاقاً من خلفيّات و دوافع هي الأخرى مبهمة و لو أنّها في جذورها، هي دوافع أكثر محدوديّة و أنانيّة و استطاعة على أن تكون "احتكاريّة" و متعصّبة و رجعيّة، يرفضها بشدّة الوعي العالميّ في تهذيب "النّظام" المفتوح على مصلحة الفكرة المتطوّرة التي لا تدفع أصحابها الأذكياء إلى الإنتحار!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

October 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
عدد الزيارات
1778742