الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: تركيا في (عين العرب).. مُقَدّماتٌ.. و مقدّماتٌ أخرى و نتائج

لمجرّد تناقض "المعلومات"- "المفتعل" أو "غير المفتعل"-حول دخول قوّات أردوغان محيط مدينة (منطقة) "عين العرب"السّوريّة، فإنّ الواقع العسكريّ و السّياسيّ في "الشّمال السّوريّ" يتطوّر من تعقيدٍ إلى آخر وسط مشهدٍ عامّ من الغالب أنّه يتقدّم حول "تناهيات" عامة في الحرب، مع أنّ هذا لا يعني، ببساطة، نهايتها الفعليّة.أ بهجت سليمان في مكتبه

ففيما كانت وكالة (ANHA) الكردية، التّابعة إلى "حزب الاتحاد الدّيموقراطي" (PYD)، قد كشفت مؤخّراً عن دخول قوات من "الجيش التركي" الى مشارف مدينة (عين العرب) الحدودية مع تركيا؛ نفى "مجلس سورية الديمقراطية" (قَسَد) هذا الأمر، معبّراً على لسان ناطق باسمه، في حديث إلى وكالة أنباء "نوفوستي" الرّوسيّة، أن "التقارير" حول دخول "قوات تركية" عدداً من القرى في منطقة (عين العرب) السورية هي تقارير "ليست صحيحة"..

هذا مع العلم أنّ "مَواقعَ إعلاميّة كرديّة" مختلفة قالت إن "الجيش التركي" قد دخل إلى "الأراضي السورية" قرب قريتيّ (سفتك) و (بوباني) غرب مدينة (منطقة) "عين العرب" في ريف حلب الشّماليّ الشّرقيّ "بالتّزامن مع حشد الجيش التركي لقواته على الحدود مع سورية.

و في ضوء هذه التّصريحات المتعدّدة و المختلفة، فإنّه من المهمّ أن نلقي نظرة سريعة على المكوّنات العسكريّة و السّياسيّة للدّيموغرافيا السّوريّة في "الشّمال"، و وضعها بالنّسبة إلى سورية، مع "التّطوّرات" التي حكمتْها في "الحرب" و الرّوابط أو التّناقضات التي تجمعها بتركيا، أيضاً، لنتمكّن من الإحاطة بالتّناقضات الشّديدة و المركّبة التي تجعل تعقيد "المشهد" أقلّ لَبْسَاً ، إن لم تجعل منه أكثر وضوحاً، على الأقلّ.

من المعروف إنّ "حزب الاتّحاد الدّيموقراطيّ" (PYD) هو حزبٌ "قوميّ" كرديّ، و هو "فرعٌ" لـ"حزب العمّال الكردستانيّ" التّركيّ الذي يناضلُ ضدّ (أنقرة)، منذ عام (1984م)، من أجل "استقلاله القوميّ"..
و إذ يقوم هذا "الحزب" بدعم مشروع "إدارة ذاتيّة" للأكراد في الشّمال السوريّ، فإنّه يؤكد على "وَحدةِ سوريّة" أرضاً وشعباً ضمن "دولة ديمقراطية لامركزية".

و أمّا "قوات سورية الديمقراطية" ( قَسَد ) فهي تجمّعٌيضمّ ميليشيات "كردية" و "عربية" و "تركمانية".. و غيرها،تشكّل خلال "الحرب السوريّة"، و هو يتظاهرُ "إعلاميّاً" بهدفه إلى طرد (داعش) و "جبهة النصرة"، بدعمٍ أميركيّ، من منطقة "الجزيرة السورية" والشريط الحدودي التركي السوري. .
كما و يدّعي أنّ "هدفه السّياسيّ" هو العمل على "إنشاء"(!) سورية "ديمقراطيّة علمانيّة" تمنح "الحقوق المشروعة" بالتّساوي لجميع "السّوريين".. !!؟

ثمّة "قوة" ميليشياويّة أخرى تنخرط في الصّراع السّوريّ في "الشّمال"، هي ما يعرف باسم "الجيش الحرّ"، و هو عبارة عن مرتزِقة منشقّين عن الدّولة السّوريّة، يتلقون دعمهم الأساسيّ من قبل تركيا.

و في إطار ادّعاء (واشنطن) محاربتها للإرهاب..، تُظهر الحسابات الأميركيّة "الاستثماريّة" أنّ (الولايات المتّحدة الأميركيّة) لا تريد، أو لا ترغبُ، أو لا تستطيع أيضاً- و هذه حسابات أميركيّة داخليّة و متداخلة و معقّدة - أن تنخرطَ في الصّراع السّوريّ انخراطاً مباشَراً؛

هذا في الوقت الذي عملت فيه روسيا- عندما بدأت بتدخّلها الجويّ في "الشّمال السّوريّ"، على الخطّ السّوريّ- كحليف سوريّ، في أواخر عام (2015م)، على استهداف ميليشيات "الجيش الحرّ" المزعوم، و المدعوم من أميركا، في "السّياق" نفسه الذي كانت فيه تستهدف، أصلاً، "داعش" في إطار المهمّة السّوريّة- الرّوسيّة، الأساسيّة، المشتركة.

في هذا الوقت، أو بعد قليل..، قامت أميركا بتنظيم دعمها التّاكتيكيّ العسكريّ للقوّات الكردية وحلفائها "العرب السّوريين" للقتال ضدّ تلك الأطراف نفسها التي تستهدفها سورية و روسيا معاً في ريف حلب الشّماليّ، و بالأخصّ ضدّ (داعش)..
بعد أن خشيت أمريكا من أن يُشكّل هذا "التنظيم" الإرهابيّ تهديداً لمصالحها المباشرة في العراق، و خاصّة بعد احتلاله (الموصل) عام (2014م).

في الوقت نفسه كانت (تركيا) تدعمُ الفصائل "المأجورة" من "الجيش الحرّ" المزعوم، ضدّ الدّولة السّوريّة، لانخراطها الصّريح في دعم أعداء سورية بمن فيهم "الجيش الحرّ" و (داعش)، من جهة؛ إضافةً إلى دعمها لـ(داعش) لا ستدامة مواجهة هؤلاء ضدّ مختلف "القوّات الكرديّة"، من باب إضعاف القوّات الكرديّة المسلّحة التي تشكّل لتركيا هاجساً تاريخيّاً، إقليميّاً، في التّهديد الذي يمثّله الأكراد كانفصاليين يقضّون مضاجع الوهم الإمبراطوريّ التركيّ؛ من جهة أخرى.

بالنّسبةِ إلينا- مع القارئ- علينا أن نزداد خبرة يوماً بعد يومٍ في القُدرة التّفكيريّة على التّخلّص من استجاباتنا للإيهام الإعلاميّ السّياسيّ العالميّ الذي يُراد لنا به أن نكونَ من المؤمنين.

شكّلت معركة (منبج)- في أواسط العام الماضي، في المواجهة الخاسرة لداعش- المدعومة من تركيا، مع (قَسَد) و "حزب الاتّحاد الدّيموقراطيّ"، هاجساً لتركيا في رفضها التّاريخيّ لقيام كيان كرديّ على الحدود معها؛ حيث تمتدّ هذه المنطقة على ما يُقارب الـ(100) كم على طول الحدود التركيّة، و عمق (60) كم تقريباً داخل الأراضي السّوريّة.

إنّه لطالما اعتبرت (أنقرة) هذا الوضع خطّاً أحمرَ يستدعي ردّاً.. كانت تركيا تصرّح دائماً باستعدادها لنقل المعركة ضد "حزب العمّال الكردستاني" إلى خارج حدودها، و هذا ما أثبتته الوقائع و تثبته من جديد.

و هكذا، و على رغم "الوشائج" التي تربط أمريكا بالمكوّنات الكرديّة السّورية في الشّمال السّوري، إلّا أنّها "لم تستطع إقناعها" باحترام و تقدير و تفهّم "المخاوف التّركيّة"..! و هذا منطقنا بالدّبلوماسية.. على كلّ حال!

و لكن هل تريد أميركا فعلاً أن تمارسَ هذه الرّغبة على "الأكراد".. ؟!

لقد أفل الزّمن الذي كانت فيه الحرب السّوريّة حرب استراتيجيّات.. قلنا هذا سابقاً، هنا، أو ما معناه. و بالتّزامن مع الأمر، اليومَ، يُفلسُ (أردوغان)، اليوم، من جديد، بعد أن تهالك على عتبتين:
الأولى: تحقيق رغبته في دخوله بتركيا نادي "الاتّحاد الأوروبّي"..
و الثّانية: تعويض حلمه الضّائع، ذاك، بالصّلاة في "الجامع الأمويّ" في دمشق..!
و في طريق استدارته الأخيرة بعد أن تبخّرت أحلامه على أعتاب سورية، أصبح أكثر "واقعيّة".. بكثير.. (!؟) و صار همّه الأوحد أن يعود القهقرى إلى "مشاكله" التّقليديّة التي تبيّن أنّها تفوق "الصّفر"، أيضاً، بكثير، و الذي زعمته سياساته في القرن الواحد العشرين!

إنّها مشكلته التّاريخيّة مع الأكراد.

عندما يدخل أردوغان أو يتدخّل مباشرة في (عين العرب)، فذلك لأمر مفهومٍ، كانت أميركا سبباً مباشراً له، عندما تغيّرت إدارة "الصّراع" من الوكلاء إلى الأصلاء!

يتعلّق الأمر بإدارة الصّراع المباشر من قبل الأميركيّ (و الرّوسيّ، أيضاً!)، كإنقاذٍ بدأ يتّخذ لها تفاصيلَ تبدو معقّدة، للخروج من استراتيجيّاتٍ إقليميّة فاشلة، كانت أن استُنزِفَتْ نهائيّاً بالتّجربة و التّجريب.

ينطبق هذا الأمر، بخاصّة، حول علاقة الولايات المتّحدة بـ "قوّات سورية الدّيموقراطيّة" (قسَد) و "حزب الاتّحاد الدّيموقراطيّ"، و دعمها الاستثماريّ المزيّف لهما، معاً، و دفعهما إلى مواجهة مباشرة مع تركيا، و ذلك تحقيقاً لهدفين:
الأوّل: إنهاك القوى الكرديّة و إضعافها و فضحها أكثر، و بخاصّة (قَسَد)، في المواجهة المباشرة مع تركيا..
و الثّاني: يتعلّق بمنح أردوغان "جائزة ترضيةٍ" مزيّفة.

فعندما يعود أردوغان بمشاكله و همومه التي أسهمت أميركا، و ما تزال تساهم حتّى هذه الّلحظة، في إضرام سعيرها، إلى نقطة ما قبل بداية "الحرب السّوريّة"؛ فإنّ أميركا تكون قد استنزفته سياسيّاً و أسهمت أيضاً في القضاء على حلمه التّوسّعيّ- على الأقلّ في السّياسة و الدّور!- كما تكونُ قد حجّمته إلى مستوى أن "يتوفّر" على مشاكله ذات الأساس الدّاخليّ أصلاً.

إنّ دخول أردوغان العسكريّ (عين العرب)، في منطقة سوريّة مدلهمّة بالصّراعات المعقّدة، هو أمرٌ استباقيّ- إذاً- تحسّباً من قبل (أنقرة) من نتائج استقرار "المشروع الكرديّ" السّوريّ(!) الذي سيكون "نواة" المشروع الكرديّ- التّركيّ الانفصاليّ في التّاريخ.
هذا أمرٌ تُشجّعه عليه حتماً أميركا، فيما هي تتعهّد تحقيق مجموعة مصالح إقليميّة يجتمع عليها الإيرانيّون و العراقيّون و قبلهم،و أوّلاً، السّوريّون!

هذا الأمر، و لأنّه كذلك، هو محلّ "ترحيبّ" روسيّ يجعل من روسيا في الاستراتيجيّات العامّة غير متناقضة مع مشروعها العصريّ في ضمان أمن المنطقة الأوراسيّة الممتدّة حتّى تركيا، و حتّى سورية، أيضاً، مؤخّراً، و التي باتت بحكم مسؤوليّاتها التي تمارسها فيها للحدّ من الانشطار المتوالي للجغرافيا و الذي يهدّد، و سيهدّد حال حصوله، روسيا نفسها، أكثر ممّا هو عامل تهديد لأمريكا بالذّات!

و من المنطلق نفسه، فإنّ الصّمت الرّوسيّ تجاه الحركة الاستراتيجيّة التّركيّة في نقل معركتها مع "الأكراد" إلى خارج حدودها، في ظرف عسكريّ و سياسيّ مؤاتٍ في فوضاه الجغرافيّة الظّاهريّة، السّوريّة..، المرحليّة؛ إنّما هو صمتٌ يجعل من تقاطع المصلحة السّوريّة و الإيرانيّة مع المصلحة الترّكيّة،في ذلك، أمراً واقعاً ربّما يمكن استثماره في "المستقبل" السّريع لاستقرار المنطقة، بجعله محفّزاً لـ"الواقعيّة السّياسيّة" التي بدأت تلوح في قناعات جميع أطراف الصّراع، بما فيها قناعة "الأميركيّ" أيضاً..!؟

أحبّ أن أذكّر هنا بأنّ ما يدور في الشّمال السّوريّ، من جديد، هو أمر قديمٌ نسبيّاً في الاستراتيجيّات الشّاملة لهذه الحرب..
و لكنّ "الجديد" الوحيد فيه هو، على الحصر، قسر إرادة (أنقرة) على أن ترعوي نحو "واقعيّة" تركيّة أولى و قديمة،عمليّاً، و لو أنّها كانت دوماً مريضة باعتناقها عقيدة "الاستطالة" خارج إطار الواقعيّة التّركيّة المصَابة بأحلامها و دورها السّياسيّ الواهم في "المنطقة الإقليميّة" السّوريّة، و التي كانت (أنقرة) ربّما تستطيع أن تجعل منه (الدّور) هديّة كُبرى لـ"النّاتّو".. كَرَشيّة مُحرجة للغرب لولوج (تركيا) الفضاء الغربيّ بقوّةٍ و حضورٍ طَموحٍ، بداية من بوّابة "النّادي الأوروبّيّ"!

لإلهائها عن مشروعها التي تخشاه (تركيا) في تأسيسها لكيانٍ جغرافيّ سياسيّ شمال (سورية)، و الإيحاء لها بالدّفاع عنها..، لجعلها تحت السّيطرة الأميركيّة المباشرة لضمان ضعفها و عجزها و عدم إثارتها للقلاقل و "المشاكل" مع (تركيا)، و التي يبدو أن الظّرف بغنى عنها- الآن على الأقلّ- و لا يتحمّل إضافتها إلى الصّراع إضافة ليست في وقتها المناسب.

تُرى كم يُحقّق هذا المشروع التّركيّ، سواءٌ كان دخول الجيش التّركيّ الأراضي السّوريّة تاكتيكيّاً أم استراتيجيّاً، من "ميزات " في "الحرب السّوريّة"، و أعني بها لمصلحة سورية بالذّات؟

الجوابُ بالبدَاهةِ: الكثير!

لن أطنبَ هنا في تفاصيل هذه "الميزات" الجَمّة. و أمّا من باب الدّعابة..، فلكيّ لا نُلفتَ إليها أنظار عميان البصيرة- و لو أنّ النّظرَ لا يُفيد عميان البصيرة!- من "داعش" و "نُصرةٍ" و "أخوان مسلمين"، و "عربٍ" و "سوريين" و "معارضة" مسلّحة أو خرقاءٍ، و "جيشٍ حرّ" مزعومٍ، و "أكرادٍ" واهمين.. و "تركمانٍ" أيضاً، و غيرهم، و "أتراك"، إلى آخر هذه السّبحةِ المعتوهة الحمقاء...!؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

August 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 31 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2
عدد الزيارات
1466779