الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: في التّسويق لـ"مجلس تعاونٍ" (!) لمحور المقاومة.. هل علينا أن ننتظرَ "المفاجآت"..؟!

ليس للإعلام و التّحليل السياسيّ تقاليدُ في ثقافتنا الممجوجة، حتّى اليوم.. و لقد كان حدثٌ ضَحلٌ و هزليّة مسرحيّةٌ، شيئاً كافياً لتنبري الآراءُ المخدوعة بذاتها و التي تعلّمت تسوّل اللحظة و الابتزاز السّاذج لوكلائها الإقليميين، بالتّحليلِ الرشيق السّريع المناسب لمنعطفات و التواءات المظاهر الخادعة التي تتّخذها الحربُ في مسيرتها الاستهلاكيّة المستهترة، بأغلى ما يجب أن يكون مقدّساً من الحقوق الوطنيّة و الإنسانيّة التي تُهرَقُ على مذبح هذا المسرح الفظيع.أ بهجت سليمان في دمشق

لم يُعلنِ "الخلاف" السّعوديّ - القطريّ الذي كان صنيعةً من صنائع ترامب - أميركا، حتّى كانت بعضُ الأبواق جاهزةً للدّفاع عن (قطر) سياسياً ضدّ السّعوديّة، و الاحتفال بالقوات التّركيّة المتوجّهة إلى (قطر)، و المديح الشّعائريّ في استقبال السّفن الإيرانيّة (ثلاث) المحمّلة بالغذاء إلى "الشّعب القطري" [من حديث تلفزيونيّ لشخصيّة إعلاميّة "مرموقة" (على "فضائيّة" صديقة..!؟] بغضّ النّظر عن تاريخ من العداء الإعلاميّ المنظّم لقطر "الشّقيقة" اليوم..!
هذا يصدرُ عن شخصيّات مرموقة في عالم الإعلام المقاوم..!؟ فما الذي يحدث بحقّ؟!

في الآونة الأخيرة بدأ يظهر انزياحٌ استقطابيّ واضحٍ في العلاقات المنظوميّة الإقليميّة، بتجاهلاتٍ نسبيّة و جُزئيّة تراكميّة و متواليةٍ لمحرقة الحرب السوريّة، الحقيقية، حيث برزت شيئاً فشيئاً "أهمّيّاتٌ" جديدة في البعد عن المركز السّوريّ، و بتجاهلٍ مُخزٍ للحقائق التي قامت عليها و من أجلها هذه الحرب.
و كان الإعلامُ العربيّ الأكثر حصافةً و رزانةً هو الذي قام بهذه الانزياحة تحت عنوان "الموضوعيّة" الشّاملة لكلّ الإقليم الذي انخرط في هذه المعمعة، وراء عنوانٍ عريضٍ من الاستقلاليّة المسرحيّة للخطاب الإعلاميّ، في الوقت الذي كان فيه هذا الإعلام يقوم بدوره المأجور طبعاً، لإظهار و تظهير المواقع البديلة لبؤرة النّار المركزيّة في سورية.
يفهم الجميع من المهتمّين و المراقبين كيف يؤدّي "الإعلام" وظيفته التّظهيريّة، لقوى ترغب أن تكون الأكثر حضوراً في مسرح السّياسة، الممتدّ إلى علاقاته العالميّة، و لو ضحّى بالكثير من "الأهمّيّات" الأخرى المشتعلة في مركز الصّراع.

و ما إن بدأت اللعبة الأميركيّة - الإسرائيليّة في افتعال الخلاف غير المقدّس بين (السّعوديّة) و (قطر)، حتّى انحرفت الجُمَلِ و العبارات المقاومة، إلى خطابٍ يشتملُ على المضمون الفارغ لهذا الخلاف المزعوم، جاعلة منه خلافاً تاريخيّاً يتطلّب الاصطفاف السّريع للمواقف و التّحليلات البلهاء، لعمقِ الضّرورة التّاريخيّة الأكيدة التي يقوم عليها هذا "الصّراع"، و التي ستنتهي لاحِقاً، لتظهر سخريّة هذا "الحدث" الوظيفيّ الذي لا تتجاوز أهدافه صَرْفَ الانتباهات الكلّيّة عن الصّراع الحقيقيّ ضدّ ما يُسمّى (تجميلاً) "الإرهاب"..!

إنّ الأمر يتجاوز ما يُمكن أن نتصوّره من سَبقٍ إعلاميّ أو صُحفيّ في التّحليل السّياسيّ.. يكاد يكون البعضُ من المحلّلين مقرونينَ إلى ميقاتيّة سياسيّة تعلن الرّنين مُباشرةً، فورَ الوصول إلى أيّ منعطف يُريده أصحابها أو ينخرطون فيه.
و هكذا يختلط التّحليلُ السّياسيّ بالرّنين السّياسيّ المتناوب، الذي يحصد ثمار حربٍ لم يكن فيها هو الدّافعُ الأوّل أو الأخير لأثمانها من الدّماء و الخراب الطائلَين.

من "حقّ" جميع الّلاعبين السّياسيين أن يستثمروا في حرب "الآخرين" طالما كانوا منخرطين فيها بشكلٍ أو بآخر، و لو بنسب تتفاوت وفق الموقف و الموقع و المكان و الزّمان و الظروف الحاكمة.
و لكنّه ليس من حقّ "المنظّرين" الذين يدّعون الانتماء، أن يتطاولوا على أصحاب القضيّة الذين يحترقون في أتون "الحرب" شبه وحيدين!
عندها يجب أن يواجَهَ هذا الخطاب الإعلاميّ بحمّيّة سياسيّة و فكريّة، تستعيد تصويب السّمت الذي قام هؤلاء "الآخرون" الأغيار.. و يقومون بحرفه عن الهدف المركزيّ باستمرار.
الهدف الأساس هو إنهاء الحرب على سورية، و الصّمت و الخرسُ عن التّغنّي ببطولات جيشها الذي صار مُرْهَقاً ومُرْهِقاً لهم.
كفانا مزايدات صادرة من الغرف المكيّفة بالمال و الهواء البارد المنعش العليل ، و الماء العذب الزّلال! و كفانا تنظيراً أكلت عليه الحرب و شربت ما طاب لها من الأرواح و البشر و الحاضر و المستقبل الأليم!

تجري في هذه الأثناء "توقّعات" جازمة و "معلومات" استخباريّة.. (كما يوحي أصحابها، تباهِياً و تصنّعاً للموثوقيّة) و وعودٌ سخيّة على تحوّلات قطَريّة و تركيّة في استقطابات موهومة جديدة، تخدم "محور المقاومة" ضدّ المشروع الأميركيّ - الصّهيونيّ - السّعوديّ في المنطقة ، هذا إن لم تكن من المحتمل أن تكون أعضاء واعدة فيه (!) و كأن ّ تركيا و قطر أصبحتا جزءاً أساسيّاً من "محور المقاومة".
هذا خطاب يفشي اليوم على شاشات محطات صديقة و مقرّبة أيضاً...!!؟

و في المناسبة نفسها يجري استبعادٌ مقصود لجوهريّة الحرب، كما يجري استخفاف و استهتار بالعقول الوطنيّة المتابعة ليوميّات الصّراع في لحظاته المتوالية باعتبارها هي "أمّ الصّبيّ و أبوه" أيضاً، فيما يتجاهل هؤلاء المسوِّقين لمظلوميّة (قطر) و لعقلانيّة (تركيا) "المفاجئة" (!) أنّ جميع العقلاء و البسطاء من المراقبين و المعنيين الحقيقيين بأثمان هذا الحرب و دافعي ضرائبها الرّوحيّة و الجسديّة، يُدركون أنّ الأمر لا يتجاوز كونه أدواراً توزّع في كلّ ليلةٍ خفيّة على جميع الأطراف ليُعلنَ عنها في أوّل صباح!

و على الملأِ تتبادل (قطر) و (السّعوديّة) الاتهامات بدعم الإرهاب، فيما هما في الحقيقة تختلفان، اليوم، بجِدّ، على السّيادة على قرار دعم الإرهاب العالميّ المشغّل في سورية منذ سبع سنوات.
الخلافُ على الدّرجة الأعلى من المأجوريّة و الذّلّ، و ليس على حقيقة و تاريخيّة الاندماج في المشروع اللقيط.

و بغضّ النّظر عن لعبة المصالح الإقليمية و ارتباطاتها الدوليّة، التي علينا أن نأخذها دائماً بالاعتبار، فإنّه ليس علينا - من ناحية أخرى - أن نشكّل وعياً ثقافياً استلابياً أمام جميع المنقِّبين في "المِنْجَم السّوريّ" من سياسيين و إعلاميين و أصحاب مصالح أخرى على حدّ سواء.
إنّ الأخطرَ أن تصبح سورية ساحةً لتجريب المشاريع الإقليمية أو العالمية فيها، و لو على حساب ما يعتبره الآخرون محرّمات عند دخوله في قاموسه الوطنيّ أو القوميّ أو الإنسانيّ.

تأخذ الحرب النوعيّة، عادةً، مسارات غير متكافئة، و متعدّدة و مختلفة و متنوعة أيضاً، إلى درجة لا تسمح فيها للمتنبّئين "الجَويين" (!) بتأليف المطوّلات المنسجمة و الموثوقة و المضمونة على واقع تطوّراتها و تغيّراتها التي لا تُحصى؛ و الحرب السوريّة هي تركيبٌ من الحرب النوعيّة و الحرب الشّاملة و الحرب العالميّة معاً و في آن واحد..
و لهذا فإنّ على إيقاع التّفكير السّياسيّ و المواقف السّياسيّة، ألّا يأخذ شكلَ مسارات التّبدّلات و منحنيات التّوابع المتعلّقة بظروف الصّراع.
و على العكس فإنّ إحدى مهمّات التّفكير السّياسيّ أن يستقِلّ عن الوقائع اليوميّة للتّحوّلات ، التي غالباً ما تأخذ شكلاً وظيفيّاً محدّداً في إطار النّزعة السّياسيّة الوضعيّة، المتعلّقة بالاستفهام السّببيّ، من أجل الإعداد للخطوة التالية أو للمرحلة المتّصلة، الأخرى، بالتّقريب السّياسيّ من الأهداف و الغايات النّهائيّة للحرب.
و ليس على الثّقافة أو الفكر السّياسيّ أن يرتبط بهذه الجزئيّات التّضليليّة أو المُضلّلة، الّلهمّ إلّا إذا كان فكراً تآمريّاً مأجوراً مباشرة، أو مشروعاً مرتبطاً بجهات أخرى غير معنيّة أصلاً بتفاصيل و أسباب و أوجاع الصّراع.

لقد تقدّم الفهمُ الشّعبيّ السّوريّ للحرب، أبعدَ من تقوّلات المُحلّلين بالوظيفة بالقطعة أو بالجملة، و لهذا ربّما نشهد انحساراً سليماً لضجيج هؤلاء الذين شكّلوا في فترةٍ من فترات الحرب، سبباً في الخلل الثقافيّ السّوريّ الذي واكب مجريات المؤامرة، أو كان من أحد أسباب تخلّف نضوج التّفاعل مع لحظات الصّراع.

يميلُ البعضُ من هؤلاء المستثمرين بالكلمات، إلى ما يُمكن أن نسمّيه الحسابات السّريعة التي تلبّي حاجة السّوق الإعلاميّة، في ظرف "ديموقراطيّات" المحطّات و الوسائل الإعلاميّة الأخرى.
و ليس على الوعي السّياسيّ السّويّ أن يكون، أبداً، رهناً باستثمارات هؤلاء، و لا طوعاً لمشاريع بعضهم التي تخدم "أجندات" غير وطنيّة.

ففي الميراث الوطنيّ السّوريّ، ما يكفينا من الوعي السّياسيّ و الفهم الصّائب لتاريخيّة الصّراع على سورية و أسبابه المختلفة، و كذلك للصّراع السّوريّ على المغزى التّاريخيّ.
هنا ، في سورية، اندحرت منظومات للفهم و الأهداف السّياسية، شكّلت عبئاً تاريخيّاً على حركة المجتمع العربيّ السّوريّ، بتطلّعاته الشّعبيّة المختلفة، إلى عصر نعيشه اليوم و إلى عصر سنعيشه غداً من كلّ بدّ.
إنّ المحصّلة التّاريخيّة التي تشكّل الطّاقة الأساسيّة للمواجهة القويّة، في وجه التّحدّيات المطروحة أمام السّوريين اليوم، ما كانت لتكون إلّا صناعةً وطنيّة بمطلق هذه الكلمة، و بكلّ ما تحمله من اعتبارات و دروس.
و عندما نقوم باستعراض التّاريخ المعاصر، فقط، ندرك أبعاد هذا الخطاب.

لا تشكّل سورية في التاريخ، و لن تشكّل أيضاً، فرق كمون مشاريع و أهداف الآخرين الإقليميين و الدّوليين.
و على العكس فإنّ على سياسة سورية نفسها، أن تستثمر في فرق كمون أهداف الآخرين، إذ لطالما كان "الجميع" رهناً بطموحات في سورية، و لطالما كانت سورية عقدة "الآخرين".
و إذ يبدو هذا "الخطاب" على درجة من "القطريّة" فإنّنا لا يُمكن أن نفهم "الوطنيّة" السّوريّة المعاصرة، في ظروفها الشّارطة، إلّا انطلاقاً من خطاب جغرافيّ له بعدٌ قُطريّ أوّلاً، هذا إذا كان طَموحاً إلى أن يكون له فضاؤه القوميّ، ناهيك عن طموحاته الإقليميّة.

و على مسافة من الصّمت تقع كلماتٌ أكثر أهميّة (!)، أيضاً، عند الحاجة إليها في الوقتِ المناسبِ.. و في المكان و الزّمان!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

August 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 31 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2
عدد الزيارات
1466675