د. عبد الوهاب أسعد: الحجاب اعتقال حرية المرأة!

بعد أن قضيت ما يزيد عن الأربعين عاما من العمل في المجال العلمي، لم يكن يخطر ببالي أنني مضطر للكتابة ومناقشة أمر يخص مظهر الإنسان الخارجي وما يتوجب عليه إرتداءه من ثياب. خصوصا وأن مجتمعنا يمر بأزمة وجود، والعالم بأسره على أبواب تراجع إمبراطوريات وصعود إمبراطوريات بدلا منهاأ عبد الوهاب أسعد.
ولكن عملا بمثل صديقي الفلسطيني (إذا جنوا ربعك عككلك ما عاد ينفعك) فلنرى سوية هذه القصة التي بدأت تزيد من تمزق وتشظي مجتمعنا، وكأنه بحاجة لعوامل دمار إضافية!؟
بناء على خبرتي الحياتية المتواضعة وعلى خبرة أربعة عقود في التوليد وطب النساء، فإني أعتبر فاعلية المرأة في المجتمع أهم من فاعلية زميلها الذكوري. فالمرأة تفكر وتعمل بعقل وعاطفة معا وهي أقدر على تنفيذ الأعمال الدقيقة وهي (ساموك / عمود) الأسرة، تربي الجيل القادم وآخر من يأكل وآخر من ينام وأول دريئة أمام أسرتها تفدي بنفسها وتصد كل هجمة خارجية. فمن أعطاكم الحق لعزل أجمل وأكمل مخلوقات الله في شوال أسود!؟
تقولون هذا من الدين، وهذا ما قال به سلفكم الصحراوي. وقد أثبت علماء إنسانيون بأن هذا عادة جاهلية وليس من الدين بشيء. كما أن الدين علم وفكر وعقل وأخلاق وقول وفعل وسلوك ومدى فائدة المجتمع منها. والدين يسر وليس عسرا، وكل ما يتعارض مع العلم والعقل ليس دينا. ومن ثم فقد قال الله على لسان رسله صراحة، هذه هي الشريعة التي أرتضيته لكم، فمن شاء فليتبعها ومن لا يريدها فهو حر بذلك، والله يوم الحساب يفصل بين الناس، كما أن الروح ملك لمن منحها، وهو الوحيد المخول بمحاسبتها والحكم عليها، ولم يسمح حتى لرسله بالخوض في هذا الأمر. فكيف نصبتم أنفسكم خلفاء الله على الأرض تحكمون حسب أهوائكم!؟
 (متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!) فالإنسان مخلوق حر، أهداه الله العقل لكي يفكر به ويتلمس طريق الحق. ووظيفة المجتمع والدولة هي تربية وتثقيف الإنسان حتى يتمكن من إستخدام قدراته العقلية ويذلل مصاعب الحياة ويتخذ قراراته من نفسه. ووظيفة المجتمع والدولة هي تعليم الإنسان حرفة ومهنة، وإيجاد فرصة عمل للإنسان حتى يعتاش من عرق جبينه وألا يكون بذلك مرتهنا تابعا لأحد وأن يضمن حريته في الحياة الإنسانية. حرية الإنسان تعبير ورمز لكرامة الإنسان والتي لا يجوز المساس بها أبدا. فمن أين لكم الحق في عزل نصف الإنسانية في شوال أسود!؟
أنا إنسان حر أفكر بعقلي وأصوغ رأيي وليس هذا ملزما لأحد، فلكل منا الحق في التفكير وإبداء الرأي، ولكن شريطة ألا يجبر أحدا على تبنيه. فمن شاء أن يخفي رأسه بحطاطة وعقال أو شماخ كما يفعل بعض الرجال أو بحجاب كما فعلت وتفعل بعض النساء فليفعل، وإذا كان ذلك عن حاجة جسدية أو قناعة ذاتية فله الحق في ذلك. ولكن لا أن يفرض ذلك على الآخرين ويقال عنه بأنه ركن من الدين ووصف من يتبعه بالمؤمن وتكفير من خالفه لدرجة قتل نساء رفضن إرتداء الحجاب. ويلكم من حساب يوم عسير!؟
في هذه الأيام تمزق مجتمعنا شر تمزق، وتراجع مستوى العلم والثقافة بشكل مدمر مخيف، وسعى كثيرون من الراغبين بالتسلط وجمع التابعين بشتى الوسائل، وأصبح فرض الحجاب إحدى هذه الوسائل . حتى أنه أصبح شكل الحجاب ( إيشارب ، شاية ، حجاب يغطي كامل الرأس ، حجاب أسود أو ملون ، برقع ، وصولا إلى الشوال الأسود ) أصبح شكل الحجاب يدل فورا على التبعية لهذا المذهب وتلك الطائفة، وأصبح السؤال المقيت عن طائفة المتحجبة غير مبرر. فالحجاب وشكله يدل على الطائفة!؟ فهل تمزيق المجتمع وتفتيته هو ما ترمون إليه!؟
كل أسلوب وكل جهة تدعو وتعمل لتفتيت المجتمع فهي عدوة لتطوره وإنسانيته، خصوصا إذا حشر ذلك بالدين وإعتبر ذلك معيارا ومقياسا للإيمان أو الكفر. ويلكم تكالبت قوى الأرض لتمزيقنا وإستعبادنا، فهلا جيئتم لمساعدة الطامعين بثرواتنا وتحطيم حضارتنا السورية الإنسانية!
نحن بحاجة ماسة للكلمة العاقلة الطيبة الجامعة للناس. نحن بحاجة ماسة لإعادة تعليم وتثقيف الإنسان لكي يستعيد حريته وكرامته ويتمكن من تقرير مصيره بنفسه. نحن بحاجة ماسة لإعادة بناء وطن تمزق وتهدم. ونحن بحاجة ماسة جدا لإستعادة منظومتنا الأخلاقية الإنسانية. هذا ما يتوجب عليكم العمل عليه، بدلا من إلهاء الناس بمظاهر تفرق ما بينهم وتجعل من يتبعها مؤمنا ومن يرفضها كافرا!؟
إسمعوا وإتعظوا. الإنسان حر خلقه الله سبحانه وتعالى على شاكلته وهو الوحيد المخول بمحاسبته. حرية وكرامة الإنسان لا يمكن المساومة عليها. وكل إنسان حر سيد نفسه بحجاب أو من دون حجاب.

August 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
عدد الزيارات
7567290

Please publish modules in offcanvas position.