علي سليمان يونس: عن مقاطعة المتكلم.. وفي آداب الحديث

في أحد المجالس, كنت أجيب احد الأخوة عن أسباب سلخ لواء اسكندرون, فقلت: هناك أسباب رئيسية لسلخ اللواء منها:

1 - الأطماع العثمانية اللامتناهية بالأرض العربية

2- كسب ود تركيا من قبل دولة الانتداب فرنسا لضمها إلى الحلفاء لمحاربة المانيا

3- انتقام فرنسا من أبناء الشعب السوري لثورته ضدها

4- ضعف وتخاذل الحكومة السورية في ذلك الوقت

. فقاطعني احدهم قائلا: ان السبب هو تآمر دول الخليج...! فالتزمت الصمت.. لهذا وغيره أقول.....
((إن مقاطعة المتكلم من العادات السيئة المنافية للآداب, والتي كثيراً ما يسهو الإنسان فيقع فيها، حيث يكون أحد الجالسين متكلماً فيقطع كلامه, ويأتي آخر لقطع كلام الثاني وهكذا, إلى أن يصبح المجلس مجلساً للهرج والمرج لا تفهم من أحدهم كلمة، يقول "ص": «من عرضَ لأخيه المسلم المتكلم في حديثه فكأنما خدشَ وجهه».

كما أن عدم الإصغاء للمتحدث وذلك بمقاطعته، ومنازعته الحديث، أو بالتشاغل عنه بقراءة جريدة، أو كتاب، أو التسلي بالهاتف المحمول أو مشاهدة التلفاز أو متابعة متحدث آخر. أو الإشاحة بالوجه عن المتحدث، أو إجالة النظر عنه يمنة ويسرة. كل ذلك مما ينافي الأدب في المحادثة، ومما يدل على قلة المروءة. فينبغي للمرء أن يتجافى عن هذا الخلق الذميم، وأن يحسن الأدب مع من يَتَقَصَّدُه بالحديث، ومع من يتحدث أمامه. فمن أدب المروءة حسن إصغاء الرجل لمن يحدثه؛ فإن إقباله على محدثه بالإصغاء إليه يدل على ارتياحه لمجالسته، وأنسه بحديثه. بل إن المتحدث البارع هو المستمع البارع؛ فأحسن الاستماع، ولا تقاطع من تحادثه، بل شجعه على الحديث بحسن إنصاتك؛ كي يقابلك بالمثل. وبراعة الاستماع تكون بالإذن، وطرف العين، وحضور القلب، وإشراقة الوجه.

قال ابن عباس: لجليسي عليّ ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسعَ له في المجلس إذا جلس، وأن أصغي إليه إذا تحدث. ولا يجوز الاستخفاف بحديث المتحدث, فمن الناس من إذا سمع متحدثاً يتحدث في مجلس، وبدر من ذلك المتحدث خطأ يسير أو نحو ذلك، استخف بحديثه. ومن هذا القبيل ما يوجد عند بعض الناس، فما أن يتكلم أحد في مجلس إلا وتبدأ بينهم النظرات المريبة، التي تحمل استخفافاً وسخرية بالمتحدث.

وهذا الصنيع لا يحسن أبداً، وليس من صفات عظماء الرجال وأكابرهم؛ فهم يُجلّون من يحدثهم، ولا يرضون بإهانته في حضرتهم طالما أنه لم يَحِدْ عن الرشد، حتى ولو أخطأ؛ فإنهم يتغاضون عن خطئه، ويتعامون عن زَلَّتِه، وإذا ما كان الخطأ كبيراً فإنهم يبينون الخطأ، ويرشدون إلى الصواب بأجمل عبارة، وألطف إشارة.

ويتقصد البعض المبادرة إلى إكمال الحديث عن المتحدث فإذا تحدّث أحد أمامه بحديث، أو قصة، أو خبر، وكان يعلم ذلك من قبل _بادر إلى إكمال ذلك عن المتحدث، إما بقصد الإساءة إليه، وإما بإشعاره وإشعار السامعين بأن حديثه معاد مكرور، وإما ليبين أنه يعلم ذلك من قبل. وهذا ليس من صفات ذي المروءة؛ إذ المروءة تقتضي أن تنصت للمتحدث ولو كنت تعلم حديثه من قبل.

قال أحدهم: إذا رأيت رجلاً يحدِّث حديثاً قد علمته، أو يخبر خبراً قد سمعته, فلا تشاركْه فيه، ولا تَتَعَقَّبْهُ عليه؛ حرصاً على أن يعلم الناس أنك قد علمته؛ فإن في ذلك خِفَّةً، وسوء أدب، وسخفاً.

كما أن القيام عن المتحدّث قبل أن يكمل حديثه يعد من قلة الأدب، وينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه ,فهنا ينتفي المحذور.

أما البعض فيبادر إلى تكذيب المتحدّث إذا طرق سمعه كلامٌ غريب من متحدِّث ما ,بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحاً، أو تلميحاً، أو إشارةً باليد أو العين، وأن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب. فهذا العمل من العجلة المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة. فينبغي لمن استمع حديثاً من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في هذا في الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستوضح من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته)).

August 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
عدد الزيارات
7567724

Please publish modules in offcanvas position.