علي سليمان يونس: عن الواجب

يُعرف الواجب في اللغة العربية بأنّه اللازم، والمفروض، والمُحتَّم من الأمور التي يجب على الشخص القيام بها. وفي رأيي انه ملازم للاخلاق ومتصل بها, وهو قيمة القيم في الحياة الإنسانية، منه الرزق, وفيه النشاط والإسهام في حركة الحياة، وهو يتسع ليشمل كل ما يصدر عن الإنسان من فعل، ويضيق في خصوصيته ليقتصر على مهنة الإنسان التي يسهم بها في بناء مجتمعه، بحيث أنك لو سألت أحدهم قائلاً له ماذا تعمل؟ لأجابك على الفور بنوع مهنته قائلاُ مثلاً: موظف أو معلم أو تاجر أو مقاتل او طبيب....،

والذي يعنيني في هذا الموضوع هو كيفية أداء هذه الأعمال؟! هل هي على وجه الإتقان والإحسان أم على وجه التقصير والإهمال ؟!.بداية يقول الله سبحانه وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.. فانظر يا اخي على من سيعرض عملك.... والذي سوف تحاسب علي كل ذرة منه ان كان خيرا او شرا..

ان اتقان العمل من ضمن ما يأمرنا الله به، والله سبحانه لم يجعله أمراً دنيوياً للمنفعة فحسب، بل جعله أيضاً أمراً تعبدياً يتقرب به إلى الله تعالى، قال ص: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". ولو امعنت النظر في قوله ص: "عملاً" دون تعريف ولا تحديد لنوع العمل، إيحاء بأن الله تعالى يحب أن يكون الإتقان سلوكاً للمؤمن في كل أعماله، فهو يحسن القيام بمهنته وعباداته ومعاملاته. ولقد جعَل الله الإرهاق والإجهاد من العمل من مُكفِّرات الخطايا والذنوب؛ يقول النبي - ص -: ((مَن أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفورًا له))..

ومن المؤسف أن نجد البعض يهملون العمل، مستهينين بمعناه وأثره في رقي المجتمع وسعادته، حجتهم في ذلك الربط بين إتقان العمل والمقابل المادي، يتحينون فرصة غياب الرقيب لإبداء التقصير والتهاون في أداء الواجبات، يرهقون المواطن البسيط بإبداء الإهمال في خدمته، معتقدين خطأً أن لا حرج عليهم ولا تثريب، ولو دقق هؤلاء غير المتقنين لأعمالهم لأدركوا أن غياب الإتقان والإحسان في العمل يؤثر على هؤلاء الأشخاص أنفسهم قبل غيرهم، فكم كان إتقان العمل سبباً في ارتقاء الموظف في وظيفته، أو إكساب الطبيب أو المعلم سمعة طيبة بين الناس، ولا زال بعض الصنّاع يتقنون صناعتهم حتى حصلت على إقبال الناس وثنائهم في بلدهم ثم خارجها، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن بعض الصناعات قد حصلت على شهرة عالمية، حيث يقبل الناس عليها حيثما بيعت، ويهونون في سبيلها أموالهم وهم مرتاحون وما ذلك إلا لجودة الصناعة والإتقان، هذا إذا كنا لا ننظر إلا إلى المنفعة العاجلة.

أما إذا نظرنا إلى العمل على أنه جزء من العبادة فإننا نتساءل هل يجوز لنا أن نغش في أعمالنا؟ هل الأمر بالإتقان على وجه الاستحباب أم الوجوب؟ نقول: لا، الخطب أعظم من ذلك.. إن غشك لاخيك في بضاعة أو عمل قد يخرجك من الايمان لقوله ص لبائع يغش في بضاعته: "من غشَ فليس منا"! وهو سيؤدى إلى فقدان الثقة والاحترام بين أفراد المجتمع، سيؤدي إلى انتشار الكذب والخداع، ستنفصم بسببه كثير من الروابط الاجتماعية التي تقوي الأمة، سيتجرأ بعضنا على بعض بالسب والشتم وربما الاعتداء... كثير من البلبلة والتخبط الذي نراه في حياتنا اليومية يرجع إلى عدم قيام بعضنا بعمله على الوجه المطلوب منه...

لذا فان المطلوب هو اداء عملك بإتقان وأحسن القيام بما أسند إليك من مهام حتى وإن غفل عنك المسؤولون، حتى وإن لم يكافئك أرباب العمل، حتى وإن كان الراتب زهيداً لأنك بإتقانك هذا تعمل ما يحبه الله تعالى.

وأختم بالقول: لقد قيل: لا شكر على واجب, هذا صحيح, ولكن بما ان البعض منا - وللاسف الشديد- لا يقوم بواجبه على اكمل وجه, فقد اصبح لزاما علينا ان نوجه الشكر لكل من يقوم بواجبه...

وأخيرا رحم الله القائل: لا يَفْخَرَنَّ أَخُو التَّنَسُّكِ بِالعِبَادَةِ وَالزَّهَادَهْ أَنَا فِي اعْتِقَادِي كُلُّ فِعْـلِ الوَاجِبَاتِ مِنَ العِبَادَهْ...

June 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
6740422

Please publish modules in offcanvas position.