الصفحة الرئيسية

فيصل جلول: نحو امتداد جدي للأزمة السورية

يمكن لبضعة أسطر أن تغني أحيانا عن ألاف الأوراق التي تتناول مواقف الأطراف المتصارعة في أزمة معينة، كما هي الحال في دراسة موجزة، تسربت الى وسائل الإعلام الفرنسية من وزارة الخارجية، و تقتصر على سبع صفحات، أعدها باحثون في مراكز القرار في ال ”كي دورسيه” حول السياسة التي يتوجب على أوروبا وفرنسا اعتمادها في المنطقة بعد سقوط مدينة حلب..

تفيد الوجهة العامة لهذه الورقة، التزامها الأسس التي اعتمدتها باريس في التعاطي مع الازمة السورية خلال عهدي نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، والتي ترى وجوب تغيير النظام في سوريا، أو محاصرته وحرمانه من هوامش المناورة على كل صعيد، ومع أنها تأخذ بعين الإعتبار سقوط حلب إلا أنها لا تنصح بتغيير السياسة الخارجية إزاء الحكومة السورية، حتى لا تستكمل الإنتصار العسكري بانتصار سياسي ينهي الأزمة وفق مصالحها..

كل الدلائل تشير الى أن هذه الدراسة ،كان ينبغي أن تظل سرية لكونها تنطوي على نصائح يتوجب اعتمادهاخدمة للمصالح الفرنسية والأوروبية في سوريا والشرق الاوسط، ولعل تسريبها يضمر طرح بنودها للنقاش، أو يستجيب لمصلحة مرشح أو مرشحين للرئاسيات في الربيع المقبل ممن يعارضون علنا سياسة الرئيس فرانسوا هولاند في هذه القضية، ولديهم تصور مخالف إن لم يكن مناقضا تماما للسياسة ”الهولاندية” إذا جاز القول..

و أعني بذلك السيدة مارين لوبن التي صرحت أمس الأول بأنها ستتعاون مع دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وبشار الأسد في مكافحة الإرهاب لو انتخبت رئيسة للجمهورية، و أن فرنسا في عهدها لن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى، انطلاقا من مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها..

و يعتمد السيد جان لوك ميلنشون مرشح اليسار الشيوعي والراديكالي الموقف نفسه تقريبا، فهو يرى أن مصير الحكومة السورية يقرره الشعب السوري،

في حين يعتقد فرانسوا فيون المرشح الذي تلاحقه الفضائح والذي كان حتى عهد قريب المرشح الأقرب الى الاليزيه، يعتقد أن الحكم في سوريا ديكتاتوري لكن على فرنسا التباحث مع هذا الحكم في سياق مكافحة الارهاب خصوصا أن السياسة التي اعتمدت من قبل لم تتكلل بالنجاح..

الاختلاف بين المرشحين للرئاسة حول سوريا قد يفسر تسريب الورقة ونشر مقتطفات منها، ولربما أيضا يراد من نشرها قطع الطريق على ماكرون، الذي يعتمد في الأزمة السوريا موقفا أقرب الى اليمين الديغولي..

قبل الحكم على صلاحية هذه الورقة بالقياس الى وقائع الصراع على الأرض لا بد من الوقوف على بعض عناصرها الأساسية:

1 - أولا: تريد الحكومة السورية بحسب الورقة تحويل انتصارها العسكري في حلب الى انتصار سياسي شامل، وبالتالي حمل المعارضين على الاستسلام لقاء مصالحات و إصلاحات هامشية..

2 - ثانيا: يمكن لتفاهم روسي أمريكي أن يحقق غرض الحكومة السورية، بيد أن ترامب يصعد أكثر فأكثر مع إيران الأمر الذي يضعف التفاهم المرتقب.

3 - ثالثا: المصالح التركية لا تتطابق مع المصالح الأوروبية في شمال سوريا، والأتراك يهتمون بضمان مصالحهم من خلال الروس..

4 - رابعا: اسرائيل تعتمد على روسيا في ضمان مصالحها أيضا في سوريا.

5 - خامسا: المصالح الفرنسية والاوروبية تستدعي دعم المعارضة المعتدلة في المناطق الواقعة خارج السيطرة الحكومية ، ولا بد من إيجاد تفاهم مع الأتراك من خلال صيغة معينة لا تثير قلقهم إزاء المسالة الكردية..

إن هذه المناطق تتيح مواصلة الضغط على النظام في سوريا، وحمله على الخروج من الأزمة بما يتيح نفوذا للغرب يمنع الحكم السوري من اللعب بورقتين أساسيتين تتصل بالمصالح الاوروبية والمقصود بذلك الأمن واللاجئين..

6 - سادسا: الضغط بواسطة ورقة إعادة الاعمار، فالحكم السوري بحسب الورقة، لا يمكنه تحمل كلفة إعادة الاعمار، ولايمكن لحلفائه الروس والايرانيين, تحمل هذه الكلفة المقدرة ب 300 مليار دولار، وهذا يعني أنه سيكون بحاجة للرساميل الاوروبية وبالتالي القبول بتأثير أوروبي، وفي حال الإمتناع، تحويل سوريا الى اريتريا ثانية، أو دولة فاشلة كما الصومال ودائما بحسب الوثيقة الفرنسية..

7 - سابعا: إن مصالح دول المنطقة، متناسبة تماما مع المصالح الاوروبية، في إقامة مناطق آمنة ومستقرة في سوريا خارج السيطرة، على أن تكون إدارتها سورية، وجاذبة للكادرات السورية المعارضة للنظام بحيث تشكل نموذجا يتحذى..

الواضح أن هذه الخطة في حال اعتمادها تتناقض مع الحماس الذي أبدته السيدة فرديريكا موغريني حول المساهمة الاوروبية في إعادة الاعمار في سوريا، وبالتالي, تؤكد على أن رهان إعادة الاعمار يتم بمساهمة أوروبية فقط، في حال رضيت دمشق أن تعمل تحت السقف الخليجي الأوروبي، و هو أمر بعيد المنال..

تفيد المعطيات المتوفرة عن موقف الحكومة السورية وعن الوقائع المحيطة بها على الأرض أن حلفاء دمشق قد بذلوا تضحيات على غير صعيد حتى لا تسقط العاصمة، وحتى يستعيد الجيش السوري زمام المبادرة، ولكنهم لا يرغبون بدورهم ببذل المزيد من التضحيات عندما يكون النظام بعيدا عن الخطر..

في المحصلة تبدو الأزمة السورية بعد سقوط حلب وكأنها مفتوحة على شكل جديد، الصراع حول المناطق الطرفية الواقعة خارج سيطرة الحكم، الأمر الذي يعني تشجيع انفصال المناطق الطرفية في الشمال والجنوب، أو الحفاظ عليها كورقة ضغط ضد الحكومة الشرعية، لانتزاع تنازلات منها، و هدايا لم تتمكن من الحصول عليها عندما كان القتال يدور على ساحتي العباسيين وبني أمية

الأمر المؤكد في حال انتخاب رئيس فرنسي مناهض للحكومة السورية هو أن الحرب السورية مرشحة للبقاء في فضاءاتنا أياما صعبة بل سنين أخرى بطعم الدم والخراب.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4003798