الصفحة الرئيسية

يحيى زيدو: الوجه الآخر للمصالحات...

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ظهرت الأدبيات السياسة التي تتحدث عن (الدولة الوطنية) بصرف النظر عن الاتجاهات الإيديولوجيّة التي ظهرت قبل أو بعد الاستقلال، و التي وصل بعضها إلى السلطة في عدد من الدول و منها مصر و العراق و سورية.
في سوريا كانت عدة أحزاب و تيارات سياسية بإيديولوجيات مختلفة تتنافس، و أحياناً تتصارع فيما بينها، ابتداءً من الحزب الشيوعي السوري (أقدم الأحزاب السورية)، و الحزب السوري القومي الاجتماعي، و حزب البعث العربي الاشتراكي، و أحزاب و حركات أخرى ذات توجّه قومي عربي أصغر منه، وصولاً الحركات الدينية التي كان تنظيم الأخوان المسلمين أبرزها.
سادت تلك المرحلة مفاهيم (القومية العربية) و (القومية السورية) و (الدولة الوطنية) و (العلمانية) و (الدولة الدينية) و (الوحدة العربية) و (الاقطاع) و (البورجوازية) و (الرأسمالية).. و غيرها من المفاهيم و المصطلحات ذات البعد الإيديولوجي، و ظهرعلى هامش تلك الأدبيات مفهوم (دولة المؤسسات)، و تطوّر هذا المفهوم لاحقاً عبر مراحل مختلفة من تاريخ الدولة السورية حتى وصلنا إلى بدايات القرن الحالي، و اندلاع الأزمة السورية مع بداية العقد الثاني منه. و خلال تلك السنوات كان يتم التركيز على خلق ولاءات مؤسسيّة تتجاوز الولاءات السابقة على قيام (الدولة الوطنية) كالطائفية، و العائلية، و المناطقية، و العشائرية، و النزعات العرقية.. إلخ.
مع تصاعد الأزمة السورية، و تعدد الأطراف المتدخّلة فيها، و الأهداف المتناقضة لتلك الأطراف بدا واضحاً أن مفهوم (الدولة الوطنية) قد بدأ بالضمور، و أنّ العمل المنهجي لتفكيك بنية الدولة الوطنية قائم على جميع المستويات مهما كان شكل النظام السياسي الذي سينتج بعد الأزمة،بسبب استعادة أطراف الأزمة للأدبيات و الولاءات السابقة على (الدولة). فكل المصالحات التي تتم حالياً، يقوم بها أشخاص من (وجهاء) البلدات الداخلة في المصالحات، مع رجال دين، و شيوخ عشائر، و تجّار، و ربما مهربين و أصحاب سوابق جرميّة و غيرهم. في الوقت الذي يتم فيه إقصاء الكفاءات العلمية و الإدارية الذين يمكن أن تكون لهم صفة تمثيلية قريبة من مفهوم (الدولة).
في المبدأ فإن أية مصالحة تحقن الدماء مطلوبة، مع الاحترام لعواطف و مشاعر الناس الذين فقدوا فلذّات أكبادهم في هذه البلدة أو تلك،لكن الحرب لا منطق عاطفي لها، و كل الحلول قد تكون مؤلمة و ما يخفف الألم هو الرغبة في إيقاف نزيف الدم السوري في أي بقعة من سورية. لكن أن تتم المصالحات بهذه الطريقة، و عبر شخصيات لا ترى في (الدولة الوطنية) سوى عدو إيديولوجي و سياسي لها، فإن ذلك يطرح تساؤلات عن جدوى تلك المصالحات طالما أنها ستعيد إحياء الهويات السابقة على الدولة الوطنية: كالطائفية، و العائلية، و العشائرية، و العرقية، و الدينية.. بما يجعل العلاقة بين الدولة و بين الأفراد المنتمين لهذه الهُويّات علاقة (زبائنية) يكون المعيار فيها هو المصلحة المادية لا المصلحة  الوطنية أو القومية. فهذه الولاءات تطيح بكل ما أنجزه السوريون خلال عقود الاستقلال... و هذا ما يحمّل النخب الفكرية و السياسية و الإدارية العليا، و كذلك الأحزاب و الحركات السياسية (الموالية و المعارضة) مسؤولية تاريخية في الحفاظ على ما بقي من (الدولة الوطنية) قبل أن تُستَكمَل عملية التدمير الممنهج للدولة السورية.
إن فشل كثير من المصالحات التي تمّت في عدة بلدات (القريتين في ريف حمص، و حلفايا في ريف حماة نموذجاً) ناتج عن أن هؤلاء الذين قاموا بالمصالحات من الشيوخ و الوجهاء و أصحاب السوابق ليسوا مؤمنين بمفهوم الدولة، و أنّ كل ما فعلوه هو (هدنة) مع طرف مسلّح يشبه باقي الأطراف المسلحة بما فيها التنظيمات الإرهابية- من وجهة نظرهم-.
إن إعادة النظر في الأطراف التي يمكن أن تكون شريكاً أو متدخّلاً في المصالحات هو شرط من شروط من عملية إعادة بناء الدولة الوطنية و الحفاظ على ما تبقّى منها و البناء عليه.. و إلّا فقد يأتي يوم يصبح فيه قطّاع الطرق و المجرمون بالتواطؤ مع الوجهاء و شيوخ الدين و شيوخ العشائر هم (الدولة الوطنية) التي قدّم آباؤنا و أجدادنا دماءهم لإنجاز استقلالها، وتكون كل الدماء التي نزفها أبناء سورية دفاعاً عنها خلال سنوات الأزمة قد ذهبت سدى، و هذا ما يجب ألّا يحصل.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3202326