image.png

د. بهجت سليمان: الأسَدَان.. في الذكرى التاسعة والأربعين للحركة التصحيحية


1 ▪︎ الرّجال، عظماء التّاريخ، يولدون في إطار خطّة قدر جليلة و محكمة، و هم يُدركون بحدسهم الموضوعيّ العبقريّ خطّة أقدارهم، و هم يتفانون لأجلها بعيداً عن العواطف و مفرزاتها من الحبّ والكراهيّة ، قابلين كلّ تبعاتها المضنية و الممتعة، لا فرقَ، متجاوزين كلّ ذلك إلى مأثرة الخلود. و هذان هما الأسدان (حافظ الأسد) و (بشار الأسد).
قال (ريتشارد مورفي) السّفير الأميركيّ الأسبق في (دمشق) ما بين أعوام (1974 - 1978): (يجب على المرء أن يتمتّع بالكثير من الذّكاء ليتولّى رئاسة سورية)..
و ليس ذلك، فقط، بسبب خصوصّية بعض ”الأشخاص” المختلفين بالبصمة القدريّة الخاصّة في شؤون تاريخية..
و إنّما أيضاً لأنّ الأمر أكثر تحدّياً و خطورة، عندما يتعلّق بالأفذاذ من الرّجال، أو عندما يتعلّق بالخالدين.

2▪︎ من جانب آخر فإنّ من يحكم سورية على الطّريقة الوطنيّة المسؤولة تاريخيّاً، فإنّ عليه أن يتحكّم بالمكان العربيّ المحيط بسورية، ببلاد الشّام، بما فيها من سرطانٍ سياسيّ في الكيان الصّهيونيّ، و بالتّالي عليه أن يكون رجل دولة تاريخيّاً يُدرك لعبة الأمم و الدّول، و أن يُلمّ بكلّ ذلك جرّاء المسؤوليّات الكبيرة نفسها التي رتّبها القدر أو التّاريخ على هذا المكان الذي انفرد عالميّاً بصفات متنحيّة و سائدة في وقت واحد، و هي صفات العمق التّاريخيّ و التّركيب الظّرفيّ و ”أسلوب الإنتاج الآسيويّ” المعقّد بتداخل تشكيلات اجتماعيّة - اقتصاديّة و سياسيّة متزمّنة ما بينها، في ما بينها، تصنع المكان في اندغام و انسجام و تواطؤ مُبهم و مؤامرات دوليّة و ”حُلُمٌ عالميّ”، و خيانات نوعيّة اختصّت بها أغلب حكام شعوب المنطقة التي اعتدت على ملكيّات و أقدار المكان الكأداء و ”أسواء طالعه” التي لا تنتهي.

3▪︎ حكمت سياسة الرئيس حافظ الأسد، بالمطلق، همومه الخاصّة و الدّفينة و المقدّسة التي تُعيد الوجه المقاوم الشّريف للمكان، في كيفيّة و فلسفة الخروج من مستنقع (حزيران) النّكسة، في الوقت الذي كان فيه الرّاحل الخالد، ينظر إلى هذه ”الواقعة” كمستنقع شلّ الوطنيّة و العروبة و جعل منهما مجترّاً للمساومات و المزايدات و الاتّهامات و العنجهيّات الصّهيونيّة و الغربيّة التي جعلت نظرتها إلى (سورية) و العروبة، تساوي نظرتها إلى منطقة هامدة خاملة و كأنّها قطعة من أقاصي العالم يُنظر إليها على أنّها ”مختبرٌ” أنثروبولوجيّ و سياسيّ نموذجيّ لدراسة نظريّات انهزام الشّعوب و الأمم و امّحائها عن خارطة العالم المعاصر المحسوبة في عداد المناطق، التي تحوي شعوباً من خارج مكوّنات سياق التّاريخ الحيّ أو أولى بالانقراض.
كانت هذه الأهجوسة تسكن الرئيس حافظ الأسد و توجّه طرائق تفكيره و طموحاته و آماله بأثبات كذب هذه ”الحقيقة” و العمل على ازدرائها، كواحدة من الهامشيّات التّاريخيّة التي تحتاج إلى حذف و رمي في سلّة مهملات العالم المعاصر، و استعادة الكرامة لهذه المنطقة العربيّة، بما في ذلك العمل على إثبات حقيقة العروبة الحيّة التي تخاذلت دونها دول عربيّة و حكومات واهنة و خائنة تقف صراحة في طابور أعداء العرب و العروبة و جميع الأمم النّازعة إلى وجود حيّ معتبر و مؤثّر و فاعل، ليس على مستوى المكان وحسب، و إنّما أيضاً في المنطقة و العالم.

4▪︎ كان إيمان الرئيس حافظ الأسد بنفسه كجزء من إيمانه بالحقّ الوجوديّ التّاريخيّ لأّمته، محرّكاً لأفكاره القومّية التي كان يعنيه كثيراً من التّاريخ أحكامه القاسية العادلة منها و الجائرة، فكان عندما لا يوافق عبثُ التّاريخ طموحاتِهِ، يُعاند التّاريخ بثقة أنّ للتّاريخ فلتاته العمياء القصيرة أو الطّويلة الأجل، و التي يمكن للإرادة الوجوديّة أن تشكّل طارئاً على فقدان التّاريخ لصوابيّته و عدالته، و أن تصحّح من مجريات هذا التّاريخ الذي كان الرئيس حافظ الأسد مكظوظاً بتجنّب استعادة التّاريخ لسخريّته بالحكم على عقم العرب و السّوريين، هذا الحكم الذي هو من الأوهام التّاريخيّة التي تعزّزها خيانات أصحاب القضيّة العربيّة من حكام مهزولين.
لقد عنى له التّاريخ حاكماً حازماً، فبحث له و للسّوريين و للعرب عن شهادة قسريّة يصدرها التّاريخ - و قد أصدرها - على تفوّق الإنسانّية و البشريّة في هذه البقعة المنسيّة من تاريخ العالم الحديث.
كانت المعاصرة بالنّسبة إلى (حافظ الأسد) بنظرته الشّخصيّة في الأسلوبّية التي تحوّل الضّعف إلى قوّة، ليست محلّيّة و وطنيّة فقط و إنّما عربيّة و دوليّة أيضاً. و لقد كان لحافظ الأسد ما أراد.

5▪︎ كان (حافظ الأسد) متجاوزاً النّدّيّة لأقوى و أذكى و أفهم و أعتى رجالات الولايات المتّحدة الأميركيّة و على رأسهم حاخام الصّهيونيّة العالم الأكبر (هنري كيسنجر)، و الحاخامات الصّهيونية، في وقت لم يكن لسورية و لا للعرب أيّة نأمة تندّ عنهم، غائصين في وحول الضّعف و الجبن و الخنوع و الذّل التّاريخيّ الطّويل..
و حين يكون الحديث عن الرئيس حافظ الأسد، فلتطأطأ الرّؤوسُ كلُّها هاماتها.. و ليشهد التّاريخ العربيّ - الإسلاميّ أنّ (حافظ الأسد) قد بزّ، حتّى عتاة و دهاقنة منذ انتهاء الخلافة الرشدية حتى اليوم، كما جارى و تجاوز، و تفوّق على، شخوص حضاريّة عربيّة و سوريّة منذ (سومر) و (آشور) و (بابل) و (أكّاد)، ممن كان لهم السّبق في وجود هذا “المكان”.
لا نتحّذث هنا عن ”آراء”، و لا نقدّم رأياً شخصيّاً - مع أنّه غير مجروح، نظراً لعالميّة شخصيّة حافظ الأسد - و إنّما نحن نشير إلى مفارق

عدد الزيارات
9623976

Please publish modules in offcanvas position.