nge.gif
    image.png

    مروان حبش: المؤتمر الإسلامي

    س _ كيف يمكن تلخيص موقف حكم البعث من منظمة المؤتمر الإسلامي؟ أ مروان حبش

    كان الغرب يرى أن الإسلام هو أمضى سلاح ضد الخطر الأساسي والفعلي له المتمثل بالحركة القومية العربية وأنظمتها التحررية، وضد الأفكار الشيوعية في وقت واحد.

    استجاب الملك فيصل لما يراه الغرب، ورفع عام 1965 لواء المؤتمر الإسلامي وهدفه بناء تحالف واسع ضد حركة القومية العربية التي كان يصفها بالإلحاد والعلمانية والشيوعية، وكان بعض أقطاب هذا التحالف على صلة بشكل أو بآخر مع "إسرائيل" كالملك حسين والحبيب بورقيبة وشاه إيران والملك فيصل.

    ويشيد أحد الكتاب السياسيين من السعودية «بحكمة الملك فيصل بن عبد العزيز وصلابة مواقفه السياسية أمام التيارات التي اجتاحت المنطقة العربية كالمد اليساري والقومي والبعثي والناصري»، ويقول : «كانت المملكة العربية السعودية صخرة صلبة تحطمت عليها أحلام القوميين والراديكاليين، واستطاع _رحمه الله_ أن يقف أمام موجة الغليان والديماغوجية في الشارع السياسي العربي، وذلك بمواجهة هذه التيارات المستوردة بدعوة التضامن الإسلامي، وهي دعوة لم تكن شعاراً للمزايدة، وإنما كانت صادرة عن الواثق من موقف سياسي يدعم مركزه في العالم الإسلامي وجود الحرمين الشريفين في بلاده ».

    في عام 1965م دعت الصومال إلى تبني مؤتمر القمة الإسلامي، ووجهت المملكة العربية السعودية الدعوة إلى تبني هذه القمة، وقام الملك فيصل بسلسلة زيارات إلى كل من غانا وإيران والأردن ومالي والمغرب ونيجيريا وباكستان وتركيا والصومال للحصول على دعم دعوته للقمة الإسلامية والتضامن الإسلامي، وعقد مؤتمراً للدبلوماسيين السعوديين في جدة عام 1966م لتنسيق نشاطاتهم في الدول الإفريقية والعربية لدعم دعوة القمة الإسلامي، وأصبحت دعوة التضامن الإسلامي، والقمة الإسلامية مثار جدل في العواصم العربية والإسلامية، وقد أيد الدعوة إلى عقد القمة عدد من العواصم الإسلامية، واعترضت عليه بعض العواصم، وقد رأت هذه العواصم أن الدعوة تهدف إلى إنشاء حلف إسلامي ضد الدول العربية الاشتراكية، وأنه حلف تدعمه الدوائر الغربية.

    وهكذا نجد أن الخطاب الإعلامي العربي يعكس هذه الحقائق حين انتشر المد الاشتراكي في الوطن العربي، ونقرأ أمثلة من ذلك: «إن الوحدة لم يكن أعداؤها الاستعمار فقط، ولكن قوى الرجعية في العالم العربي التي تحالفت مع الاستعمار والقوى المعادية للقومية، ضد المد القومي ...» «إن السعودية _ تستهدف التشاور لإنشاء حلف إسلامي مقدس، يتصدى للثورات التقدمية ولمكافحة الشيوعية في العالم العربي وإيجاد صيغة إسلامية لقيام الحلف...». «إن موقف الجمهورية العربية المتحدة من التحركات الجديدة هو معارضة كل التحركات المشبوهة، ومعارضة استخدام الدين من أجل تحقيق أهداف الاستعمار والرجعية... إننا نعارض الحلف الإسلامي ومؤتمر القمة الإسلامي كما عارضنا حلف بغداد ...».

    أعلن الملكان فيصل بن عبد العزيز والحسين بن طلال يوم 1 شباط 1966 عن اتفاق على التضامن الإسلامي ومحاربة الاشتراكية، وتجاهل البيان المشترك الصادر عنهما علاقة الغرب بالوجود الصهيوني في فلسطين، وتحاشى تسمية الاستعمار في الحديث عن الأجزاء المحتلة في الوطن العربي.
       في أعقاب مرحلة المد القومي التقدمي هرعت الدول الرجعية ممثلة بالسعودية والمغرب وبمباركة أميركية _ بريطانية إلى دعوةٍ لتأسيس منظمة للدول الإسلامية، وجاءت هذه الدعوة بعد حريق المسجد الأقصى.

    اجتمعت بعض الدول الإسلامية في جدة عام 1969 وأعلنت تأسيس هذه المنظمة التي اضطلعت المملكة العربية السعودية بدور بارز في تأسيسها.

    كان الحزب يرى أن هذه الدعوة تهدف إلى تمييع الجو العربي بالتخلي عن المسؤولية المباشرة لدعم القضايا العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية، كما تهدف إلى تطويق حركة المد القومي التقدمي وإسقاط الأنظمة القومية التقدمية.                            

    هذا ما أكده مؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد في الرياض عقب حريق المسجد الأقصى، ولقد قاطعت سورية ودول عربية أخرى هذا المؤتمر الذي لم يستطع الوصول إلى مقررات جدية بشأن القضية الفلسطينية، بل كانت قراراته أهزل من قرارات الأمم المتحدة ومؤتمر دول الوحدة الإفريقية ودول عدم الانحياز، وتبين أن الهدف ليس جر الدول الإسلامية الرجعية إلى تأييد القضية الفلسطينية، بل استغلال هذه القضية والظروف العربية الصعبة لإحياء الحلف الإسلامي تدريجياً، مبتدئين التنسيق بإحداث أمانة سر دائمة كما حصل في المؤتمر الذي عقدته المنظمة في جدة، ثم التنسيق لتعاون اقتصادي وسياسي وثقافي، ثم التنسيق السياسي _ العسكري، بتخطيط ومباركة أميركية _ بريطانية، و تكوين تكتل رجعي تقوده السعودية والمغرب وإيران.

    إن هدف هذا التكتل هو بعث فكرة الحلف الإسلامي القديمة لتطويق حركة التحرر العربي ومحاربة كل الاتجاهات التقدمية وإفراغ المحتوى القومي للقضية الفلسطينية، ثم مواجهة المد القومي العربي الاشتراكي بأيديولوجية مغايرة.

    تفاهم الملك فيصل والملك الحسن وشاه إيران، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، على أن يتحول المؤتمر الإسلامي (الثقافي في أصله المصري) إلى منظمة سياسية جامعة للدول الإسلامية لها ميثاقها وإطارها والتزامها، ولم يكن القصد خالصاً، لأن دول العالم الإسلامي على اتساع القارات لا يربطها أمن مشترك لصعوبة قيام تهديد لها مجتمعة، واستحالة تحديد ضرورات مصلحة مشتركة، وقيام أمن مشترك يستدعي فعل دفاع مشترك بينها، وأسباب ذلك منطقية لأن الإسلام دين متجاوز للأوطان وعابر للقارات، بينما الاقتصاد والأمن والمصالح لها وطن بحدوده المعروفة.

    أصبح المؤتمر الإسلامي السياسي بديلاً موازياً لجامعة الدول العربية التي قامت على أساس الفكرة القومية، وهو بالتحديد، ما قصده مُنظِّروه، وفي الحقيقة فإن هذا المؤتمر الإسلامي الجديد، كان بذاته وصفاته مشروع «الحلف الإسلامي» الذي طرحته الولايات المتحدة استنساخا لحلف بغداد بعد سقوطه عام 1958.

    وكان من نتائج إنشاء المؤتمر الإسلامي السياسي اقتطاع جزء من التنظيم العربي المعبّر عن النظام العربي لصالحه. ومن المؤسف أن أحداً من العرب لم يعترض «عدا سورية»، لأن الدعوة إليه كانت بعد حرب حزيران 1967، وكانت حركة القومية العربية مقيدة في فعلها محصورة في ردة فعلها، كما كانت بعض الأنظمة العربية القومية تعتبر الوقوف بوجه محاولة تسييس المؤتمر الإسلامي أمراً ثانوياً، وتطالب بالتركيز على الأساسي وتأجيل الفرعي والتحرك إلى أمام دون الانشغال بمعارك جانبية.

     

    من كتاب (مروان حبش- في قضايا وآراء)

    عدد الزيارات
    9623069

    Please publish modules in offcanvas position.