nge.gif
    image.png

    مروان حبش: حكاية سورية مع شركة نفط العراق (I.P.C)

    أ مروان حبشيرتبط تاريخ الامتيازات النفطية في البلاد العربية بتاريخ الاستعمار ويؤلف حلقة من أقسى حلقاته، ومن أجل الشركات النفطية أُنشئت دول، وفُرضت أنظمة، وشُكلت حكومات، كما أن تلك الشركات كانت تفرض بالقوة شروطها بهدف تحقيق أرباح خيالية على حساب حقوق الشعوب.
    بعد الحرب العالمية الأولى قسمت الدولتان المستعمرتان بريطانيا العظمى وفرنسا الوطن العربي، وخاصة الأجزاء التي تَبَيّن أن أرضها تزخر بالثروة البترولية، أو تستخدم كمناطق مرور للبترول نحو البحر.
    وبعد انتهاء ما عرف بالحرب البترولية بين الدولتين المستعمرتين، وكان نتيجتها تنازل فرنسا عن ولاية الموصل للعراق الواقع ضمن دائرة النفوذ البريطاني مقابل حصة لها في بترول كركوك مقدارها 23,7 %، على أن تسمح فرنسا بمرور خط أنابيب النفط من كركوك إلى ميناء طرابلس عبر الأراضي السورية.
    وقّعت السلطة الفرنسية المنتدبة باسم الحكومة السورية عام 1931 اتفاقاً مع شركة نفط العراق إلـ ( I.P.C) , وهي جزء من شركة النفط البريطانية وشركة شل الإمبراطورية، وكان الاتفاق مجحفاً بحق سورية من حيث مساسه بالسيادة الوطنية، ومن حيث حرمان سورية من أي حق أو نصيب مادي، ومما ورد في بنود الاتفاقية المذكورة، أن للشركة الحق في:
    _ إنشاء خط واحد أو عدة خطوط من الأنابيب تمتد من العراق حتى نقطة نهائية تقع على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، عبر الأراضي السورية.
    _ إنشاء وصيانة مكاتب ومحطات للضخ، وورشات، ومستودعات، وصهاريج لتخزين البترول والماء، وجسور، ومساكن للمستخدمين، وخطوط حديدية وتراموايات وأسلاك أوجرارات للنقل جوية أو تحت الأرض، وعوامات، ووسائل نقل برية أو مائية أو جوية ومطارات وأسلاك كهربائية جوية أو تحت الأرض وخطوطا برقية وهاتفية وتجهيزات لاسلكية برقية أو لاسلكية _ هاتفية ومصافٍ ورحبات للخزانات ومستشفيات ومحطات لتوليد القوة المحركة وخطوط لأنابيب البترول والغاز والماء ظاهرة كانت أو مدفونة أو مغمورة، وأعمال أخرى مرتبطة بها مشابهة لها (سواء كانت من الأنواع المبينة أعلاه أم لم تكن) وسيعبر عن جميع هذه العمليات بلفظ المشروع.
    _ إعفاء هذا المشروع من جميع الرسوم والضرائب.
    _ على الحكومة السورية تقديم الحماية والتسهيلات كافة دون مقابل، كما عليها تأجير الأراضي للشركة خلال فترة الامتياز ببدل اسمي، إلا ما كان منها قرب المدن فبأسعار قيمة الإيجار المخمّنة للأراضي المجاورة، وعلى الحكومة استملاك الأراضي الخاصة ونزع ملكيتها إذا اختارتها الشركة.
    طرأت على هذه الاتفاقية بعض التعديلات، من ناحية العائدات التي بلغت عام 1952 وبعد إنشاء خط بانياس حوالى ست ملايين ليرة سورية، يضاف إليها ست ملايين أخرى كفرق القطع.
    بتاريخ 4 حزيران 1955 تقدم نائبان بعثيان إلى المجلس النيابي بمذكرة كان قد أعدها الحزب _ وكانت الأولى من نوعها _ تشمل دراسة علمية شاملة عن القضية البترولية في سورية، وكان الهدف من ذلك أن يدرس المجلس القضية على أساسها.
    وكانت هذه هي المرة الأولى التي يواجه المجلس فيها مشكلة علاقة سورية مع شركات البترول التي تمر أنابيبها عبر أراضيها، وأظهرت المذكرة الغبن الكبير، الذي تلحقه شركات البترول بالبلد، كما أنها تضمنت الوقائع التي تدعم الحق السوري، سواء مع شركة نفط العراق أم مع شركة التابلاين، «تمر أنابيب هذه الشركة عبر الأراضي السورية في محافظتي درعا والقنيطرة لتصب في ميناء صيدا».
    أوضحت الدراسة المذكورة طرق حساب مناصفة الأرباح، وأن الرسوم المستحقة يجب أن تدفع وفق العرف الاقتصادي الهندسي، أي على أساس وحدة الطن الكيلو متري لا على أساس وحدة الطن كما هي الحال الآنلا يتوفر وصف للصورة..
    وتبين الدراسة أن ما يجب أن تتقاضاه الخزينة السورية من شركة نفط العراق هو 177 أو 179 مليون ليرة سورية، وفق الطرق التي يتم على أساسها الحساب، وطالبت الدراسة بتطبيق الأسس نفسها على شركة التابلاين.
    وتطرقت الدراسة إلى المفاوضات السابقة لتعديل الاتفاقية وإلى امتيازات شركتي تمرير النفط، وأكدت على حاجة اقتصاد سورية وجيشها إلى إنشاء مصفاة للبترول.
    في يوم الأحد 28 آب 1966، أعلنت الحكومة السورية عن مذكرة وجهت إلى شركة نفط العراق I.P.C، طالبت فيها الحكومة بحق سورية الكامل من الأرباح المتحققة من مرور أنابيب نفط الشركة عبر أراضي سورية، وأوضحت أن غبناً خطيراً لحق بخزينة الدولة نتيجة الحسابات الخاطئة التي كانت تقدمها الشركة بشأن العائدات.
    كما وضّحت المذكرة أن سورية خسرت مئات الملايين من الليرات السورية منذ توقيع اتفاقية عام 1955، وطالبت الحكومة الشركة بأن تدخل فوراً في مفاوضات لمحاسبة الشركة عن الفروق الضخمة التي ضاعت على الخزينة خلال السنوات العشر الماضية نتيجة لما كانت تقدمه الشركة من حسابات لا تنطبق على الواقع، وأن ما تدفعه الشركة عن عائدات المرور يبلغ نصف ما يستحق عليها.
    بعد احتجاج ومماطلة من الشركة للتهرب من المواجهة، بدأت يوم السبت 10 أيلول المفاوضات المكثفة بين وزير المال ومدير عام الشركة.
    إن قيادة الحزب وحكومة الثورة، حينما أثارتا موضوع المفاوضات، وأجبرتا الشركة على دخولها، كانتا تقدران سلفاً أبعاد هذه الخطوة، وأعدتا للأمر عدته.
    ولذا من الضروري أن يكون الشعب على دراية كاملة بما يدور في المفاوضات، وذلك نظراً لأهمية الموضوع وخطورة شركات النفط على أمن وسلامة الوطن، ولباعها الطويل في تخطيط وتنفيذ انقلابات لمصلحتها، من هذا المنطلق نشرت الحكومة يوم 29 أيلول في الصحف التفاصيل الكاملة لمجرى المفاوضات وتطورها، ومما نشرته الحكومة " الشركة تسرق حقوق سورية منذ 1931، وهي مطالبة الآن بإعادتها، كما نشرت الصحف لمحة عن اتفاقية 1931، والطريقة الحسابية التي اتبعتها الشركة، وأوردت لمحة عن اتفاقية 1951 ،والمنطق القانوني لإعادة النظر فيها عام 1955.
    تتابعت المفاوضات، وفي يوم الاثنين 10 تشرين الثاني 1966 أبدى وفد الشركة خلال الاجتماع عن وصول المباحثات إلى مرحلة حرجة، بينما أكد الوفد السوري تمسّكه باسترداد حقوق الخزينة كافة وعدم السماح بأية مماطلة، كما قدم، وبناء على مبدأ مناصفة الأرباح التي قامت على أساسها اتفاقية 1955، الوثائق والبراهين الدالة على أن الطريقة الحسابية المعقولة هي تلك التي تحقق هذا المبدأ.
    ماطلت الشركة ولم تعط جواباً ايجابياً يكفل الحق السوري خلال المهلة التي طلبتها وكانت نهايتها يوم الثلاثاء 22 تشرين الثاني.
    ومن منطلق أن ترابنا لا يمكن أن يكون قيداً لنا، وأن أرضنا هي عامل حرية وليست عامل عبودية، نفذت الحكومة توجيه قيادة الحزب بقطع المفاوضات مع الشركة يوم 23 تشرين الثاني، كما حرصت القيادة والحكومة على أن تتفهم الحكومة العراقية المطالب السورية، وأن العائد المالي سيكون لمصلحة البلدين، وقد أكد نائب رئيس الوزراء العراقي بزيارته لدمشق في الأسبوع الثالث من شهر تشرين الثاني دعم العراق لموقف سورية.
    ولأن الشركة استمرت بالمماطلة، قرر مجلس الوزراء السوري بالقرار 853 تاريخ 8 كانون الأول تنفيذ الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لشركة نفط العراق.
    س _ ما هي آثار قرار الحجز على أموال الشركة، وهل كانت القيادة ترغب في التصعيد؟
    كان للقرار صداه: الجمود في بورصة لندن، والذهول في المحافل الدولية وامتناعها عن التعقيب، واتخذت الشركة قرارها بوقف ضخ النفط، وكان من بين أهدافها من تلك الخطوة:
    1 _ ممارسة ضغط اقتصادي على سورية.
    2 _ استعداء الحكم والشعب في العراق على الحكم في سورية، بذريعة حرمان العراق من موارده النفطية.
    3 _ ممارسة ضغط سياسي واقتصادي على العراق .
    كانت القيادة السورية تدرك أن الشركة ستلجأ للضغط بواسطة العراق التي تشكل عائدات النفط 82% من ميزانيته، لذا، وبعد التطورات التي حدثت، أبلغ رئيس مجلس الوزراء السوري رئيس وزراء العراق عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، وفي جلسة طارئة لمجلس الوزراء العراقي بتاريخ 10 كانون الأول حمّلت الحكومة العراقية الشركة مسؤولية توقف عمليات الضخ، وبأن العراق يحتفظ بحق مطالبة الشركة بدفع العائدات كافة، وعاد رئيس الوزراء العراقي ليؤكد دعمه لسورية، وإقراره بعدالة حقوقها التي يجب أن تحصل عليها من الشركة.
    كانت القيادة السورية ترى أن الشعب العربي يستطيع بيع بتروله للدول الصديقة، وأن الاحتكارات البترولية لم تعد « إمبراطورية كلية القدرة » وعلى هذه الشركات أن تفهم روح القرن العشرين.
    على إثر هذه التطورات، ولمجابهة ما يمكن أن تحيكه الشركة والدول التي خلف الاحتكارات النفطية، قررت القيادة تشكيل لجنة عليا للبترول برئاسة رئيس الوزراء مهمتها:
    _إقامة اتصال دائم مع المنظمات العاملة في قضية البترول العربي.
    _ التوعية الشعبية وعقد ندوات توجيهية في سائر مدن وقرى القطر.
    بدأت الشركة تمارس حرب أعصاب من خلال الطرح عن نيتها تمديد خط من كركوك إلى ميناء الإسكندرونة عبر جبال طوروس في تركيا، وتمديد خط آخر بديل من كركوك إلى البصرة، وطرح آخر بتمديد خط من كركوك إلى ميناء العقبة.
    في خطاب للأمين العام للحزب رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي في حمص خلال حفل تخريج دفعة جديدة من طلاب الكلية الحربية بتاريخ 1 كانون الثاني 1967، أكد على المضي في المعركة النفطية حتى تحقق أهدافها، كما كشف عن التحركات الرجعية التي أتت في هذا الوقت منسجمة مع مخططات شركة نفط العراق لضرب مواقع الثورة.
    وفي يوم 8 كانون الثاني، عاد الأمين العام للحزب ليؤكد أمام وفود شعبية ضخمة من لبنان الشقيق أمّت دمشق مؤيدة لموقفها، إذ قال: «يجب على شركة النفط أن تخضع لإرادة الجماهير وأن تعيد ما سرقته أو ترحل، وإننا نطالب بحقنا كاملاً، ولا بد من إنهاء عهد الاستثمارات والاحتكارات البترولية».
    وأوضح الأمين العام المساعد للحزب اللواء صلاح جديد بتاريخ 25 كانون الثاني، في موسكو في الجمعية السوفييتية للصداقة مع العالم: «بأن الوطن العربي هو المنطقة الأولى والكبرى لاحتكارات البترول، وأن الأنظمة الرجعية هي التي تحمي هذه الاحتكارات».
    كل هذا _ مع تمسك سورية بحق شعبها، وبأن لا حلول لموضوع العائدات إلا الحلول التي تؤمن مصالح الشعب _ أجبر الشركة على الرضوخ، وأعلنت بتاريخ 1 آذار 1967 قبولها بمطالب سورية، ووقّعت اتفاقيات جديدة، واستفادت كل من العراق ولبنان من طريقة الحساب الجديدة وزادت عائداتهما من مرور أنابيب النفط، كما طبقت الأسس نفسها على الاتفاق بين سورية وشركة التابلاين الأميركية.
    س: كيف كان موقف الدول العربية والأجنبية عندما مرت سورية بأزمة مع الشركة؟
    حمّل رئيس وزراء لبنان (فرع من الخط يصب في ميناء طرابلس) الشركة، مسؤولية ما قد يلحق لبنان من ضرر نتيجة موقفها المتعنت .
    وأعلن الرئيس جمال عبد الناصر في الاحتفال بعيد النصر يوم 23 كانون الأول عن إيمان الجمهورية العربية المتحدة بسلامة الموقف السوري من شركة النفط البريطانية، وكان رئيس الوزراء المصري قد أكد يوم 20 كانون الأول في مجلس الأمة دعم الـ"ج .ع .م" موقف سورية وتأييد مطالبها من الشركة.
    كما أيدت الجزائر والعديد من الدول والحركات التقدمية واليسارية العربية والعالمية الموقف السوري، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، بينما أبدت واشنطن قلقها البالغ من الخطوة السورية، وأعلنت مراقبتها للموقف العام.
    تتالى دعم منظمات المجتمع المدني في الأقطار العربية لموقف سورية، من عمال البترول في سورية والعراق ولبنان، ومن مؤتمر المهندسين في العراق، ومن مجلس وزراء الإعلام العرب.
    من كتاب (مروان حبش في قضايا وآراء)
    عدد الزيارات
    9599127

    Please publish modules in offcanvas position.