nge.gif
    12.png

    د. كمال ديب: ماذا سيحصل بعد حراك الشارع في لبنان؟

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏لا أعلم ما الجدوى من طرح صوتي حول الحدث اللبناني وأنا على بعد عشرة آلاف كيلومتر عن بيروت.. وهل هناك قيمة لأي صوت اليوم بين آلاف الأصوات على وسائل التواصل الاجتماعي وقد أصبح لكل شخص منبره ووسيلته الإعلامية الخاصة؟

    طوفان الشارع وخروج مليون مواطن لبناني للانتفاض هو نتيجة تراكم الخطايا منذ العام 1992.. بحر البشر في ساحة الشهداء غرقت فيه سفينة النجاة سفينة نوح المليئة بالثقوب. ولكن قبل الانجرار العاطفي مع الطوفان ثمة ضرورة للكلام الهادىء:

    أولاً، أنا لا أؤمن بالجماهيرية والجمهرة... وكتب العلوم الاجتماعية ملأى بنقد نظريات الجماهير والتي لا علاقة لها فعلاً بالثورات. بل أنّ الفليسوفين مكيافيلي وجون هوبز كانا واضحين حول أولوية الاستقرار مهما كان الحاكم قاسياً أمام فوضى قد تؤذي العناصر الأفقر والأضعف في المجتمع. ونفس الكتب الاجتماعية تحدّد أن الثورات تقوم بها نخب البورجوازية الوطنية وقيادات تمولها وتقودها وتقدّم المبادىء والمطالب.
    وهذا ما حصل في الثورة الأميركية عام 1776 والثورة الفرنسية عام 1789 والثورة البلشفية عام 1917 والثورة الإيرانية عام 1979 الخ. وخروج الجماهير في عشرات البلدان ومنها بلدان الربيع العربي عام 2011 لم يوصل إلى ثورة ولا ينضح الحراك اللبناني اليوم عن أي عنصر من عناصر الثورة: أين القيادة أين المبادىء أين التمويل أين الرؤية؟

    ثانياً ، ثمة خطأ جوهري في المطالب وعدم تصويب البوصلة بالاتجاه الصحيح: التوك (أو الاعوجاج) هو في دولة المحاصصة الطائفية التي نشأت في لبنان عام 1992 برعاية السعودية وسورية ودعم وضمانات من أميركا وفرنسا والفاتيكان. يعني أنّ توجه رماح الانتفاضة يجب أن يكون نحو دولة المحاصصة وارتهانها للخارج.

    ثالثاً، دولة المحاصصة تريد رئيس جمهورية سهل الانقياد وجاهز للارتهان والإثراء الشخصي مثل الياس الهرواي وميشال سليمان وليس مثل إميل لحود وميشال عون لأسباب باتت واضحة أبرزها محاولة لحود وعون الحفاظ على ما تبقى من صلاحيات الرئيس الماروني وتعاون لحود وعون مع حزب الله. وهذان السببان لا يرضيان شركاء دولة المحاصصة ولذلك السعي لقلب عهد لحود وعهد عون.

    ولنبقى في النقط الثالثة وكيف تم إنهاء أي دور لرئيس الجمهورية في لبنان. ولنفهم ما خسره الموارنة في السلطة، تجدر الاشارة إلى أنّ صلاحيات رئيس الجمهورية كانت بدون حدود قبل اتفاق الطائف عام 1989 جعلت إدارات الدولة جميعها في يده، يمارسها من خارج المؤسسات ودون تحمـّل أي تبعة أو إمكان مراجعة أو ملاحقة:

    1 . كان رئيس الجمهورية يتحـّكم بالقرار السياسي، يعيّن رئيس الحكومة والوزراء ويرأس مجلس الوزراء ويمارس الحكم بصفته رئيس السلطة الاجرائية ومتوليها ويتحكم بالمجلس النيابي ورئاسته وأكثريته عبر وسيلة التوزير والصلاحيات الخدماتية الأخرى.

    2 . يتحكّم بالقرار المالي عبر حاكم مصرف لبنان المتصل به مباشرة والخاضع له خارج إطار المؤسسات وعبر مدير عام وزارة المالية المتصل به أيضاً سطوة واستمراراً.

    3 . يتحكّم بالقرار العسكري عبر قائد الجيش المتصل به مباشرة بعد تهميش موقع وزير الدفاع ومجلس الوزراء.

    4 . يتحكّم بالقرار الأمني عبر مدير الأمن العام ومدير مخابرات الجيش والمتصلين به مباشرة خارج إطار المؤسسات والقانون.

    5 . يتحكّم بالقرار القضائي عبر مجلس القضاء ومدعي عام التمييز وهما كذلك على اتصال مباشر به خارج إطار المؤسسات والقانون.

    6 . يتحكّم بالقرار الاداري عبر رئيس مجلس الخدمة المدنية وعبر سلطته في تعيين الموظفين ونقلهم والتحكم بهم.

    7 . يتحكّم بالقرار الاعلامي والتوجيهي عبر مدير الاعلام ورئاسة الجامعة اللبنانية، وقضت الممارسة أن يكونا على اتصال مباشر به ومن خارج أي إطار أو مسؤولية.

    ورئيس الجمهورية اليوم خسر كل هذه الصلاحيات ويحاول مع ذلك ممارسة دور الحد الأدنى في دولة المحاصصة.

    لبنان كله مأزوم وليست القضية فقط مطالب اجتماعية. وما لم يكن ثمة وعي وطني لدى المتظاهرين بأنّ العدو المشترك هو دولة المحاصصة الطائفية وارتهانها للخارج (الخارج العربي والأميركي)، فلا أمل في تغيير حقيقي ودائم.
    إذ ليست القضية أن تستقيل حكومة أو مجلس نواب أو رئيس جمهورية بدون كلام أن الحل المنشود هو نظام مدني ودولة رعاية اجتماعية كما هي عندنا هنا في كندا بصرف النظر عن مذهب المواطن الديني.
    أّما كثرة الأعلام ورفرفتها في الشارع فهي لم ولن تقضي على الطائفية المقيتة.

    وللحديث بقية.

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9024608

    Please publish modules in offcanvas position.