image.png

د. عماد فوزي شعيبي: الشعبوية قدر العصر

الشعبوية Pupulism موضة ‏هذا العصر، ولكن بصورة مختلفة عما عرفنا في القرن الماضي عبر الأحزاب الثورية، ‏ورواد النظريةأ عماد فوزي شعيبي الماركسية.
‏اليوم يركب هذا المصطلح خليط غير متجانس ‏من الحكام والسياسيين، ففي الماضي كانت الشعبوية محاولة ‏لرسم صورة عن عدالة اجتماعية وسياسية وأخلاقية، ‏سرعان ما اصطدمت بواقع السياسة كمصالح، وتحولت إلى تسلط باسم التفويض الشعبي، ‏لكنها اليوم ‏تركب موجة الشعور ‏العارم لدى الشعوب الإزعاج من ثبات المؤسسة الحاكمة ومن تسلطها الاقتصادي و نتائج ذلك على قطاعات واسعة من الشعب، ‏مثال ذلك شعبوية ترامب في أمريكا وماري لوبان في فرنسا وسيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا، ولكنها تتوازى باختلاط مُفارق مع شعبوية شافيز باختلاف المشاريع!.
‏فقد كان لافتاً في خطاب التنصيب لترامب ‏انه قد تحدث بشكل صريح ومباشر ‏عن أن المؤسسة تعيش والناس يعانون وقد كان واضحا أنه يفتح النار على الدولة العميقة او المؤسسة الحاكمة في امريكا والتي سرعان ما ردت عليه وقلمت أظافره ‏ولم تنته المعركة بعد،‏والامر سيتكرر في فرنسا مع ماري لوبان، وهاو مع بوريس في بريطانيا.
كذلك في صيف 2019 واصل اليمين المتطرف ممثلا بحزب "البديل من أجل ألمانيا" نجاحاته في صناديق انتخاب حكومات الولايات، فحصد في ولاية براندنبرغ الشرقية 23٪ وفي ولاية ساكسونيا الشرقية 27.5٪ من أصوات المواطنين وأصبح فيهما كما في ولايات شرقية أخرى القوة السياسية الثانية موظفا مقولات وسرديات وطنية ألمانية تعادي الاتحاد الأوروبي مثلما تعادي الأجانب واللاجئين.
عنفوان عموم اليمين المتطرف في القارة الأوروبية، من فرنسا إلى إيطاليا ومن بريطانيا إلى النمسا وبينهم عديد الدول الأخرى في شمال ووسط وشرق القارة، يسهم نفسيا في تقليل "المصاب الألماني" ويبعد أشباح الماضي العنصري (نازية ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين) بالتشديد على أن "أزمة اليمين المتطرف" ليست سوى أزمة أوروبية شاملة ولا تعبر عن خصوصية ألمانية مُدانة.
‏تبدو لي الشعبوية،‏ من منظور هاديء وعلمي ‏بمثابة صارخة في وجه التيبس في مفاصل الحكم الذي لا يصحبه تغيرات سريعة تتوافق مع حاجات الشعوب ‏التي تطور بشكل سريع في عالم ما بعد الحداثة وما بعد بعد الحداثة. ‏
فمن طبيعة الأشياء ممانعة التغيير عندما يحدث الاستقرار. ‏وهذا ما ندعوه بالعطالة الفيزيائية للحكم. ‏فالعطالة في الفيزياء هي ممانعة الجسم لتغيير وتغيير وضعية عند انعدام محصلة القوى؛ ‏أي عندما لا توجد قواعد تهدده او تحفزه على أن يتطور ويتغير. ‏
والواقع أن الحكم بطبيعة تكوينه ‏‏عندما يعيش الاستقرار يميل الى عدم المجازفة بتغيرات غير محسوبة النتائج ‏لهذا يتيبس، ‏وهنا بالذات تحدث الفجوة بين الشعوب وبين المؤسسة الحاكمة وهنا أيضا تنشأ الشعبوية، ‏التي تبدو بمثابة علاج نفسي يوقع الأحبة الشعبي وصرخة تؤدي في أغلب الأحيان إلى عدم الاستقرار. ‏ولعل مانشهده اليوم من تنامي الاتجاهات ‏اليمينية والتحريضية ‏بل وحتى التيارات الإسلاموية ‏وتلك الثورية... ‏انعكاسٌ ‏لواقع الحال اليوم الذي ينبيء ‏عن فجوة كبيرة بين المؤسسة وبين الشعوب تتجسد بظاهرة الشعبوية.
‏ومن الصعب في عالم ما بعد بعد الحداثة ‏التنبؤ ‏بمسار هذه الظاهرة. ‏فقد تنتصر عليها المؤسسة العميقة وقد تتعايش معها وقد تنتصر تلك الشعبوية ‏لتصل إلى حد الفوضى الشاملة. ‏فنحن في عالم غير متعيّن ‏وكل الاحتمالات فيه ‏واردة.
الحاذق من يتغير ويسبق هذا الخيار

November 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
9158263

Please publish modules in offcanvas position.