nge.gif
    12.png

    د. عبد الله حنا: الاقتصاد الريعي ودوره في صعود كلٍ من الاسلام السياسي والدولة الأمنية

    إن ظاهرتي: صعود تيارات الاسلام السياسي وتحكم الدولة الأمنية بمصائر البلاد والعباد يعود في حيّز كبير منه, كما نرى, إلىربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏ هيمنة الاقتصاد الريعي على معظم الأقطار العربية.
    في الربع الأخير من القرن العشرين أخذت كفّة الدولة الريعية تبسط سلطانها على الدولة ما قبل الاقتصاد الريعي في كل من العراق وإلى حد ما سورية وأقل منها مصر.
    الريع في الأصل هو الدخل الذي يحصل عليه المالك, الذي اجّر أرضه الزراعية. ثمّ تطور ليشمل كل دخل لا يأتي نتيجة عمل وإنما نتيجة توظيف أو تأجير أو إقراض الرأسمال. والاقتصاد الريعي يعني ريع النفط وهو الذي يقوم على إنفاق العائدات المالية من تصدير النفط في ميادين شتى رافعا راية البترو دولار سبب عدد كبير من مشكلاتنا.
    ومع ازدياد قوة شكيمة الدولة بفضل الريع النفطي المتركّز في يد الدولة, أخذت مؤسسات المجتمع المدني بالتراجع مع الهجوم الكاسح لقوى الدولة ذات السمات الريعية المحجِّمة لمؤسسات المجتمع المدني بقصد وضعها تحت مظلة "الدولة الأمنية", التي أخذت سماتها تنتصر على سمات الدولة ذات الطبيعة الحداثية التنويرية للبورجوازية الوطنية المنتجة. وبكلمة أوضح أدى ازدهار الدولة الريعية النفطية إلى ترسّخ أقدام الدولة الشمولية.. الدولة الاستبدادية.
    وفي الضفة المقابلة لم يؤدّ الريع النفطي إلى ازدياد شكيمة الدولة التسلطية فحسب, بل قاد أيضا إلى ترسيخ دعائم التيارات الدينية المتزمتة والمتحجرة والمنغلقة على نفسها بفضل ما وصل إلى صناديقها من "أموال نفطية" "بترودولارية" َبَنتْ بفضلها مؤسسات متنوعة الأشكال والألوان, مما جعلها "دولة داخل الدولة". وجاء التقدم التقاني وظهور المحطات الفضائية واستخدام تلك التيارات لها, ِليُحجّم من دور التفكير العقلاني ويضعف التيارات الدينية المستنيرة, التي لا تملك "البترودولار" المستحوذ على أفئدة ضعاف النفوس وما اكثرهم.
    كما أن بعض "الدول الريعية" العربية ومعها إيران رسّخت استبدادها, بفضل ما يصب في خزائنها من عائدات النفط, وقد ساعد المال النفطي كلا من الاسلام السياسي السني والشيعي في الانتشار وما يتبعه من اتجاهات متزمتة ومتحجرة حصرت تيارات التنوير الاسلامي في دوائر ضيّقة.
    فتيارات الإسلام السياسي استفادت من الاقتصاد الريعي القائم على انفاق جزء من العائدات النفطية الخليجية أو الإيرانية على هذه التيارات ودُعاتها ومؤسساتها. ويمكن القول: إن الريع النفطي, بل قل "البترو دولار" اسهم اسهاما قويا في تمكّن هذه التيارات من كسب جزء كبير من قلوب الجماهير المؤمنة بفضل ما توفره أموال النفط من إمكانات مادية وبشرية لنشر أفكار هذه التيارات وفتاواها.
    ومن جهة أخرى فإن غلبة الاقتصاد الريعي في معظم المجتمعات العربية (مضافا إليها المجتمع الإيراني) رسّخ دعائم الدول التسلطية في العالم العربي وإيران, وفقدت هذه الدول ما كانت تكتنزه من سمات الدولة الليبرالية الحداثية..
    فالبورجوزية المحلية المنتجة والفئات الوسطى المتنورة كانت الحامل الاجتماعي للدولة الليبرالية, التي ترعرعت بين ظهرانيها مؤسسات المجتمع المدني وما رافقها من قوانين وضعية ومنهج عقلاني واجواء علمانية منفتحة. ومع سيادة "البورجوازيات" البيروقراطية والطفيلية وتقلّصْ دور الفئات الوسطى تلاشت طبيعة الدولة الليبرالية بفضل هذه الظاهرة من جهة، وتحت وطاة الأحداث الداخلية والخارجية والموروث التاريخي من جهة أخرى. وهذا الأمر يفسر ايضا تسارع قوة التيارات السلفية المعادية لما بنته النهضة العربية (وكذلك النهضة الإيرانية) من مواقع وطنية وتنويرية.
    والسلفية بجناحيها السني والشيعي تتغذى اليوم من ريع النفط ممثلا في البترو دولار سرُّ مصائبنا حيث يجري إنفاق العائدات النفطية في تسعير الخلافات التراثية وبعثرة التآلف وانهاك الشعوب العربية والايرانية.
    ولا يخفى اليوم ان هذه التيارات السلفية المتزمتة والمتصلبة أخذت تسدد سهام نشاطها إلى بعض قادة الدول الريعية التي ساعدتها وأغدقت عليها الأموال ودخلت في اشتباك مع حكام هذه الدول. ومثال على ذاك ما يجري اليوم في السعودية من صدام وئيد بين حكامها والسلفية الوهابية. ولعلّ الصدام المتوقع قادم في إيران بين السلفية الشيعية الحاكمة والقوى الشعبية، التي تئن تحت وطأة الولي الفقيه.

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9000805

    Please publish modules in offcanvas position.