إحسان عبيد: 16 ساعة زحفا!.. عن الجنرال علي ديب

منذ أيام غيب الموت بطل الجمهورية علي ديب الذي كان على مرتب سلاح المظليين، وقد كان لي شرف اللقاء به حيث سمعت منه - ومن معي – قصة بطولية خارقة.. وأرى ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٢‏ شخصان‏من المفيد ذكرها لكم بمناسبة غياب روحه الطاهرة.
.
بعد أن وضعت حرب تشرين أوزارها، طلبت الإدارة السياسية إرسال محررين من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية ومن اتحاد الكتاب (روائيين وكاتبي قصة) ومن نقابة الفنانيين (مخرجين ومصورين) ومن الفانيين التشكيليين كي نذهب في جولة اطلاعية لمقابلة المجموعة الانتحارية التي كان لها دور مُجّلٍ في المعركة.. وقد اختارتني الجريدة لأمثلها.
.
أخذونا في باص صغير إلى مكان في الغوطة فيه خيم عسكرية.. استقبلنا ضابط برتبة نقيب مهيب الطلعة، فارع القد، مفتول العضلات كأبطال المصارعة، وجهه أحمر مثل حبة الشمندر المقشورة.. تخاف منه لو نظرت إليه.
.
كان استقباله دمثا ولبقا وبدأ يحدثنا حديث الواثق، فاستهل كلامه قائلا:
.
أولا ليعلم الجميع أن في حياتي أربعة أحبة لاتنازل عنهم مهما صار وجرى:
آ- حبي لله الواحد الأحد.
بـ - حبي للوطن وشعبه، فهو أبي وأمي، والشعب هو أسرتي.
جـ - حبي وولائي لشخص السيد الرئيس حافظ الأسد قائد هذا الوطن.
د – حبي للجيش العربي السوري الذي عقدت العزم أن أموت في خدمته ليبقى مرفوع الجبين.
.
وتابع: أما عن مهمتنا، فقد كنت الضابط الوحيد الذي يحمل رتبة صغيرة ويعرف ساعة الصفر لبدء المعركة التي لا يعلم بها سوى عدد محدد من القيادة، وحتى استخبارات العدو لم تكن تعرف بها.. استدعتني القيادة وقالت لي: يا علي: إن الوطن يدعوك لواجب مقدس، وسيكون لك دور أساسي ومحوري، وقد تكون نسبة نجاتك ومن معك من الموت ضئيلة جدا، فماذا أنت فاعل؟ قلت لهم سيدي: لقد غلى الدم في عروقي.. الآن الآن أنا على استعداد للموت.
.
قالوا لي: هذا عهدنا بك، ولذلك اخترناك.. فبعد 24 ساعة من الآن، سنبدأ معركة ضد العدو الإسرائيلي، وسيكون هدفنا الأول احتلال مرصد جبل الشيخ وتل أبو الندى، تمهيدا لتحرير الجولان.. وما عليك سوى اختيار 14 عنصرا وأنت ستكون الـ 15 ممن تعرفهم خير المعرفة من مختلف الرتب، كي تقودهم إلى مكان خلف جبل الشيخ، حيث شق العدو فيه أوتوسترادا يصعد إلى ظهر الجبل، ومن هذا الطريق ستأتي نجدة لعناصر العدو في المرصد بعد بدء المعركة، وانت وجماعتك ستدمرون أية نجدة تأتي.. قلت: حاضر سيدي.
.
أعطوني خريطة للموقع وللطريق، وفيها منعطف قبل أسفل الجبل، والمفروض أن أرابط بالقرب من هذا المنعطف لأمنع إمدادات العدو.. وقالوا: إمش بسرعة فلا وقت لديك.
.
اخترت العناصر، بينهم اثنان من هندسة الألغام ومسعف طبي، وأخبرتهم أننا سنقوم بعملية خلف خطوط العدو.. أطلعتهم على الخارطة، ولم أخبرهم بسر المعركة.. الجميع كانوا بغاية الفرح، ولو لا سمح الله تم أسرنا لتغير وجه المعركة ووجه التاريخ أيضا.. ووعدتهم بعد التنفيذ سوف يترفع كل منهم رتبة.
.
أخذت مقاييس الخارطة لتحديد المسافة، وتبين لي أنه لابد من الزحف بين 14 و16 ساعة حتى وصول الهدف على أن نبدأ ليلا، وستكون المهمة صعبة على عناصر الهندسة لفتح الطريق من الألغام حال دخولنا أرض العدو.
.
خيم الليل.. أعطيت التعليمات.. ممنوع الكلام حتى همسا.. ممنوع الاستراحة.. ممنوع التدخين.. سنزحف رتلا وراء بعض حتى ننتهي من حقل الألغام، ولو صادفنا دورية معادية سيتعامل معها أربعة منا بالنار، والباقي يطوقونها ثم يفتحوا النار.. الرجوع ممنوع حتى لو بقي منا خمسة عناصر.. يجب الوصول للهدف.. ولا تخافوا.. ستأتينا نجدات.
.
وصلنا الهدف حوالي الساعة الواحدة إلا ربعا ظهرا زاحفين بين الصخور.. وانتشرنا في متاريس مخفية.. هنا بدأت أقلق خائفا من أن يتغير رأي القيادة ويتأخر بدء المعركة.. وفي حمأة هذا التفكير، بدأنا نشاهد أسراب طائرات الميغ والسوخوي تدك جبل الشيخ وتل أبو الندى..
.
زال القلق.. صرخت بالشباب قائلا: دخنوا ياشباب.. وليبق كل منكم محافظا على مكانه.. وما هي إلا نصف ساعة أو أكثر حتى جاءت سبع دبابات مسرعة، لكنها تمهلت في سيرها عند المنعطف، وبحسب الخطة.. ضربنا الدبابتين الأولى والثانية لوقف التقدم، والسادسة والسابعة لوقف الرجوع والهروب.. كانت الضربة في وقت واحد، وهجمنا عليهم..
.
قتلنا منهم من قتل، وأسرنا 12 بين جندي وضابط.. أرسلت الأسرى صحبة اثنين من عناصري إلى الداخل السوري.. وسحبنا حقائب فيها خرائط من داخل دباباتهم ثم فجرناها.. ورجعنا إلى أماكننا منتظرين تعليمات جديدة.
.
توقف طيراننا عن القصف، وشاهدنا الدخان فوق وحول الجبل، مما يدل على أن إخواننا صاروا بأعلى الجبل واستولوا عليه.. ولم يكن توقف القصف الجوي إلا إعطاء فرصة لعناصرنا للصعود والاشتباك... وفي الليل جاءنا الأمر بالانسحاب.
.
كانت طلائع الفرقة العراقية قد وصلت، وصادفوا الأسرى.. فأخذوهم من الجنديين المرافقين قائلين: وين ماخذينهم يابا.. على الفندق؟ خلوا ضيافتهم على حسابنا!.... فأخذوهم وتصرفوا بهم.
.
رحم الله شهدائنا الذين قضوا دفاعا عن الوطن سابقا ولاحقا، ورحم الله اللواء علي ديب وأسكنه فسيح جنانه مع الخالدين الأبرار والأشاوس الأطهار.. لقد كانت مهمة بمنتهى الشجاعة ومنتهى الدقة وكانت مفتاح المعركة الخالدة.
........................
ملاحظة: كان بين وفدنا المرحومان محمد الماغوط وحنا مينة.. قلت لمحمد: لو هجم عليك النقيب علي ديب ماذا ستفعل؟ قال لي ضاحكا: أدفشك عليه وأهرب.

August 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
7649789

Please publish modules in offcanvas position.