زيد عمر نابلسي: في الديمقراطية

عندما توفي الرئيس المخلوع محمد مرسي قبل أسابيع، لم يبق بني آدم على وجه الكرة الأرضية لم يذكرنا بأنه كان رئيساً تم انتخابه من قبل الشعب، ولذلك حسب منطق هؤلاء الناس، فإن شرعية محمد مرسي لا غبار عليها لأنها مستمدة من أصوات الناخبين المصريينأ زيد نابلسي...

وهنا لا بد من تكرار ما كنت أقوله دائماً للأصدقاء حول فكرة الديمقراطية، والتي أصبحت للأسف مصطلحاً يتكرر آلاف المرات في اليوم الواحد دون أن يتوقف الشخص ليتفكر في ماهية جوهر هذا النظام الذي أنجبته الحضارة الغربية بعد قرون طويلة ودامية من الصراعات الداخلية والحروب والنزاعات والتحولات والثورات الزراعية والصناعية والتكنولوجية...

فخلافاً للتبسيط الشائع بسبب ما تنشره آلة الإعلام الأمريكية المفرطة في السطحية، إلا أن الديمقراطية لا يمكن اختزالها فقط في أنها تتلخص في أن تقوم الدولة بتخصيص يوم عطلة رسمية لكي تطلب من الشعب بأن يختار من يحكمه، فتبتهج كريستيان أمانبور في محطة "سي إن إن" لأن مواطناً أمياً من دول العالم الثالث غمس إصبعه في الحبر واختار مرشحه، فنصفق جميعاً مثل قطيع من البلهاء لأننا وأخيراً أصبح لدينا ديمقراطية!!

ولذلك أنا لا أؤمن كما يفعل الكثيرون بقدسية الانتخابات الشكلية التي تجري في الدول المتخلفة حضارياً واجتماعياً وسياسياً، لأني لا أعتقد أن أنسب طريقة لإدارة سجن كبير هو أن تطلب من السجناء أن يختاروا مأموراً للسجن، فالسجين غير مؤهل أن يمارس هذه الاختيارات المصيرية قبل إعادة تأهيله وتثقيفه وإزالة قيود الجهل والقمع عن عقله ومعصميه...

الديمقراطية أيها السادة يمكن تشبيهها بأنها وصفة لأكلة وطبخة غاية في التعقيد، يتطلب إعدادها سلسلة طويلة ومركبة من الإجراءات والتحضيرات والمواد الخام والظروف المناخية الأساسية، إلى أن تتوافر لديك جميع مكوناتها بتدريج محكم ودقة متناهية...

يتلو ذلك طريقة خلط لها شروطها وفنها وعلمها وذوقها...

ثم تأتي فترة الإنتظار للنضج والصبر والمراقبة وإضافة التوابل والملح وتجربة الطعم واختيار درجة الحرارة المناسبة...

بعد ذلك كله – وفقط بعد ذلك ولا دقيقة قبل ذلك – يكون التوجه إلى صناديق الإقتراع في نهاية المشوار وختام الرحلة، حيث لا يغدو كون يوم الانتخاب عن طريق الاقتراع السري سوى آخر هذه الإجراءات الشكلية التي تأتي بعد زمن طويل جداً من العناية وتسلسل الخطوات، وإلا فشلت هذه الطبخة وكان مذاقها أشبه بالعلقم...

أما أن نختصر ما توصلت إليه الحضارة الغربية من نظام للحكم – تبلور بعد صراع مرير مع الكنيسة انتهت إلى تحييدها وفصلها عن أي دور سياسي – وتقزيمه في فكرة أن تأتي لشعوب مغلوب على أمرها يرزحون تحت وطأة التخلف والجهل والفقر والخرافة وسطوة رجال الدين ويعيشون عصور ما قبل الحداثة بل ما قبل التاريخ، ثم تسألهم أن يكتبوا إسم من يرغبون في أن يحكمهم على ورقة وإدخالها في صندوق أو التصويت بالبصم لمن لا زال أمياً، فهذه هي قمة التسطيح لفكرة الديمقراطية...

ولذلك فإن الخطوة الأولى لتحضير طبق الديموكراسي هو تنظيف الطاولة وتعقيم الأواني وغسل المكونات وإخراج كل من لا يؤمن بحرية الأكل من المطبخ، وهذا كله يجب أن يتم قبل تسخين الفرن...

فمن أهم الشروط الأساسية والأولية والجوهرية لديمقراطية صناديق الاقتراع والذي لا تنفع بدونه هذه الطبخة هو تأمين المساواة التامة والكاملة والعادلة بين جميع المتسابقين قبل البدء بأي إجراء آخر...

أما أن تقمع وتمنع كافة أشكال العمل الحزبي والسياسي لجميع الأطياف العلمانية، وتسمح فقط لتيار واحد دون غيره باحتكار الساحة كلياً لنشر برنامجه المخادع والمضلل لما يقارب قرن كامل من القداسة الكاذبة تحت وطأة التكفير لكل من يخالفه، فهذا هو عين الظلم، بل هو الغش المفضوح بعينه...

فلدينا في الأردن مثلاً، كان الإخوان المسلمون حزباً سياسياً منظماً له مقر وغرفة عمليات متواجدة في كل شارع من هذا الوطن منذ استقلاله، وهذا المقر هو مؤسسة المسجد الذي تم اختطافه من قبل هذه الجماعة منذ زمن طويل بينما تم تهميش وإخراس كل تنظيم آخر منافس لعقود من الزمن...

وبالتالي فإن الانتخابات في ظل الوضع الحالي دون وجود أحزاب سياسية ناضجة ومتأصلة لها كوادرها وميزانياتها وبرامجها هي تماماً كأن يجري سباق ركض بين متسابقين جميعهم مكبلين بالأثقال والسلاسل والحديد بعد تحطيم عظامهم بالعصي والهراوات، إلا متسابق واحد أفردت له الدولة حرية التدريب والتغذية وبناء العضلات تحت غطاء التدين الكاذب، ثم تأتي هذه الدولة وتطلق صافرة البدء وتقول للجميع، هيا تسابقوا!!

أنا لا أعلم ما هو الحل لمشاكلنا ولا أدعي امتلاك العلاج لهذه البقعة المنكوبة من العالم، ولكني أعلم أن مقولة استحالة الازدهار والتطور قبل إجراء الانتخابات الديمقراطية ما هي إلا أكذوبة سخيفة ووهم أجوف، تدحضها قصص نجاح دول مثل سنغافورة، والتي نقلها الديكتاتور "لي كوان يو" من مصاف الدول المتخلفة إلى أرقى دولة في العالم قاطبة عندما حكمها لثلاثين عاماً بقبضة حديدية دون انتخابات أو صناديق اقتراع أو ما يحزنون...

باختصار، نحن بحاجة أن ترسل لنا السماء "لي كوان يو" أو حتى مصطفى كمال أتاتورك عربي، ليقتلعنا بالقوة – وليس بالإقناع – من غياهب التخلف الديني والخرافة والجهل والضعف والفرقة، وينقلنا رغماً عن أنوفنا إلى مصاف العالم المتحضر الذي يحترم نفسه، وبغير ذلك سنظل نراوح مكاننا في أسفل القاع بين الأمم إلى يوم القيامة...

September 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 1 2 3 4 5

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
8086475

Please publish modules in offcanvas position.