خالد العبود: الدهماء والسودان و"ثورة الفوضى"!

ونحن نتابع اعتصام بعض السودانيين في ساحة عامة في العاصمة الخرطوم أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني، تأكيداً منهم على تسليم السلطة للمدنيين، أو كما يزعمون، ندرك أ خالد العبودتماماً كيف تتحوّل الجماهير في لحظة بعينها إلى دهماء، وتتحوّل نخبها إلى مرتزقة، وسياسيوها إلى نصابين وحكواتيه!..

هذه الدهماء المتجمعة بالآلاف ومنذ أسابيع تظنّ أنّها تصنع التاريخ، وتظنّ أنّها تقود ثورة، وتظنّ أنّها تصنع فجر السودان القادم، من خلال استعراضات وكلمات تنشط في بثها وكالات الكاز العربيّ!..

تمرّ أمامك مشاهد تُبكي، تُبكي بكلّ معنى الكلمة، أفراد مدربون تماماً على بعض الكلمات، وبعض الشعارات، يلتحفون علم السودان، فالأمر ليس مهماً، فالأعلام لا تتكلّم ولا تنطق، لكنّها تتوجّع بصمت وحسرة حين يرفعها أو يلتحف بها الخائبون المستعملون النصابون والخونة!..

إعلام الكاز والغاز "القطريّ" يستعرض في هذه الدهماء، ويأتي بالمساكين كي يشتموا "السعودية والإمارات ومصر"، في حين أنّ أحداً من هؤلاء لم يسأل نفسه السؤال التالي: من أمّن كلّ ما احتاجه هؤلاء المعتصمون ولأسابيع عديدة، من وفّر لهم الطعام، ومن وفرّ لهم الشراب، والمبيت والدواء، من جمّعهم، من حرّضهم، وهل صحيحٌ أنّ الواجب والثورة والمواقف الوطنية هي التي جاءت بهم إلى هذه الساحة؟، أين قياداتهم، أين نخبهم، أين مثقفوهم، في هذه الساحة؟، أسئلة كبيرة وعميقة لكنّها لا تبدو لكثيرين كذلك!..

لماذا لم يجتمع ويعتصم هؤلاء عندما كانت "إسرائيل" تعيث فساداً في جنوب السودان، أين كانت آذانهم وعيونهم عندما كان السودان يجزّ من الوريد إلى الوريد، ويقطّع إلى جنوب وشمال، لماذا لم يصرخ هؤلاء عندما جاع السودان، وعندما حاصره البعض في قوته ومائه، لماذا لم يصرخ هؤلاء ولم يجتمعوا عندما كان يُذبح السودان في كرامته ويزُجّ به في العدوان على اليمن وشعبه، لماذا؟!.

بعض سياسيه، خاصة في المعارضة، ينتظرون جيفة السودان، يقفون ينتظرون، يسمسرون على كلّ شيء، حتى على السكاكين التي يُذبح بها السودان العظيم، يتلقطون المارة من أجهزة استخبارات ومن حاملي الدولارات لبيع حصصهم فيه، لبيع بيوتهم وأصواتهم وأولادهم وزوجاتهم، يتصدّرون الشاشات والمنابر، يعرضون إلياتهم على إيقاع ثورة الدهماء وأجهزة الاستخبارات!..

تابعوهم إنّهم يتصوّرون ويستعرضون ويحملون ابتساماتهم وضحكاتهم ويهتفون للسودان، أيّ سودان؟، هم لا يعلمون ولا يدرون، هم يهتفون وكفى، فالثورات تأتي بالهتافات، ونسوا أنّ الأوطان أيضاً تباع بالهتافات!..

يهتفون "مدنيّة"، ويعيدون، ويمرون أمام الكمرات، ويصرخون: "مدنيّة"، أي أنّهم لا يريدون المؤسسة العسكريّة، ويريدون السلطة أن تكون بيد "المدنيين"، والأحزاب مأخوذة بهذا الشعار وهذه الهتافات تنتظر أن يسقط العسكر، كي تتلاقح مع كراسي الحكم، كلّ منها ينتظر أن تلد الثورة، وأن تنتهي الاستخبارات من معركتها، كي تتوازع الكراسي ومقاعد التبعية!..

قبل أيّام قليلة كانت هتافاتهم لإسقاط البشير، البشير تحديداً، والمشروع لا يريد إسقاط البشير فقط، المشروع يريد السودان الفوضى التائه الضائع على كتف البحر الأحمر، نعم سقط البشير، أو أسقط نفسه، غير أنّ المشروع لم يحقق ما يرمي إليه أصحابه، هتفت الدهماء سقط النظام ونجحت الثورة، أعادوهم إلى الساحات، أعادوا نفخهم من جديد، وعلّموهم أنّ النظام لم يسقط، كون أنّ الجيش ما زال واقفاً على قدميه، هتفوا من جديد ضدّ الجيش، وضد المؤسسة العسكريّة، نعم إنّها الجماهير عندما تستبدل بالدهماء كي تصنع "ثورة الفوضى"!

May 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6371115

Please publish modules in offcanvas position.