nge.gif

    يحيى زيدو: طهران.. تقديس حركات الإسلام السياسي

    نقلت وكالة ”رويترز“ للأنباء عن وزير الخارجية الإيراني قوله: ”طهران ترفض سعي الولايات المتحدة لتصنيف جماعة الأخوان المسلمين تنظيماً ارهابياًأ يحيى زيدو“.
    لا غرابة في الخبر، ربما يكون هذا التصريح في أحد وجوهه هو جزء من الحرب الإعلامية في إطار العداء المعلن بين طهران و واشنطن. مع أنه من المرجح أن إيران لم تكن لتعترض على قرار مماثل من واشنطن يصنف منظمة ”مجاهدي خلق“ الإيرانية المعارضة منظمة إرهابية، و ربما كانت ستعتبر مثل هذا القرار انتصاراً للقانون الدولي، و لموقف الحكومة الإيرانية من ”مجاهدي خلق“ التي هي، بطبيعة الحال، منظمة إرهابية لا يمكن إلا أن نلاحظ تشابك مصالحها و تنسيقها مع الكيان الصهيوني.
    لكن الوجه الآخر لتصريح وزير الخارجية الإيراني، الذي لم أستظرفه في حياتي ابداً، له أبعاد أخرى تتعلق بإيديولوجيا الدولة الإسلامية في إيران.
    منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1978 لم تتوقف إيران عن السعي لإيجاد تحالفات سياسية مع حركات الإسلام السياسي في المنطقة و العالم، بصرف النظر عن علاقة الدولة الإيرانية مع الدول و الحكومات، و في مقدمة هذه الحركات كانت جماعة (الأخوان المسلمين) باعتبارها التنظيم الأقدم تاريخياً، و الأكثر تنظيماً بين حركات الإسلام السياسي في المنطقة.
    و قد شكلت الايديولوجية الإسلامية لحركات الإسلام السياسي، على الدوام، أرضية صلبة لإمكانية نشوء و قيام تحالفات سياسية فيما بين هذه الحركات من جهة، و فيما بينها و بين بعض الدول، بصرف النظر عن بعض التباينات أو الاختلافات الفقهية أو السياسية المعلنة.
    و لعل موقف إيران، و حركات الإسلام السياسي المرتبطة بها، من جماعة (الأخوان المسلمين) خلال الأزمة السورية يوضح صحة ما ذهبنا إليه.
    فالإخوان المسلمون الذين فجروا الأوضاع في سورية، بشكل مستمر، منذ العام 1964، مروراً بعقدي السبعينيات و الثمانينيات من القرن الماضي، وصولاً إلى أحداث العام 2011 و ما تلاها من سنوات قتل و عنف و تخريب و تدمير شمل كل ما استطاعوا أن يصلوا إليه في سورية، قد أثبتوا بالقول و الفعل أن (الأخوان المسلمين) حركة سياسية و ليست جماعة دينية، على الرغم من الشعارات الدينية التي يرفعونها و يتلطون خلفها. كما برهنوا أن ما يشغل (الأخونج) ليس إعلاء كلمة الله بل الاستيلاء على السلطة بكل الطرق الممكنة و غير الممكنة، و في مقدمتها (العنف) كأداة موضوعية بالنسبة لهم يجوز استخدامها لقهر كل مختلف عنهم أو مخالف لهم حتى و لو كان مسلماً، فما بالك بمن هو ليس بمسلم..
    مع كل التاريخ الدموي للأخونج، و مع أن إيران حليفة للدولة السورية، فإن إيران استمرت في محاولة الإبقاء على علاقة وثيقة مع (الأخونج) في مصر و سورية و فلسطين و لبنان و العراق، مع أن بعض هذه الحركات أدارت ظهرها لإيران في محطات كثيرة، كما أن إيران لم تتوقف عن محاولة إقامة أوثق العلاقات مع نظام (إردوغان) الراعي الأساسي لنشاط الإسلام السياسي العنفي في سورية.
    إن وحدة المصادر و المراجع الفكرية لحركات الإسلام السياسي، و الأنظمة الدينية يجعل من التحالف بين هذه الحركات و الدول ذات النظام الديني أمراً طبيعياً له عناصره الفكرية التي ترتبط بالمقدس الديني من جهة، و عناصر الموضوعية التي ترتبط بالمقدس الدنيوي (السلطة و المال) من جهة أخرى.
    و ما الخلاف التاريخي بين التيارين الإسلاميين الكبيرين (السنة و الشيعة) سوى أداة للتحشيد و التحشيد المضاد في إطار الصراع على السيادة و السلطة التي تتيح السيطرة على مصادر الثروة، و التحكم بدورة رأس المال من أجل ضمان طاعة الرعية في المناطق و الدول التي تسيطر عليها. فكل الحكومات الدينية و حركات الإسلام السياسي لم تتورع مرة عن استخدام المقدس الديني لخدمة المقدس الدنيوي، و التواطؤ معه من أجل الفوز بمكاسب الدنيا قبل الآخرة، و هذا بدوره أنتج و عزز التفكير الطائفي لدى الطوائف الإسلامية الأصغر التي لم تجد أمامها سوى الانضواء تحت أحد التيارين الكبيرين للحفاظ على خصوصيتها، و طمعاً بجائزة ترضية ترمى إليها لضمان الولاء، الأمر الذي عزز و أحيا الهويات الطائفية في دول المنطقة، مع أن جميع طوائف الإسلام قد نشأت لأسباب سياسية و ليس لأسباب دينية. فالطوائف الإسلامية هي في الحقيقة طوائف سياسية، و الخلاف بينها هو خلاف في السياسة لا في الدين، و بالتالي فإن استخدام الدين من قبل أية طائفة هو في حقيقته استخدام سياسي لغرض دنيوي و ليس استخداماً دينياً محضاً لخدمة الدين، و إعلاء كلمة الله كما تزعم كل الطوائف و حركات الإسلام السياسي.
    و نتيجة لإضفاء المقدس الديني على المدنس الدنيوي، فقد تم رفع المدنس (السلطة) إلى مرتبة القداسة، و صار من الصعب إنجاز عملية التقدم الاجتماعي التاريخي إلا عبر هذا المدنس الذي تم تقديسه.
    من هنا تصبح مهمة إنجاز عملية التقدم الاجتماعي التاريخي ترتبط، أولاً و قبل أي شيء آخر، بتفكيك بنية المقدس الديني من أجل الكشف عن الديني و الدنيوي فيه، و إقامة الفصل بين الديني و السياسي كمدخل إلى بناء الدولة الوطنية التي يتحدد فيها المشترك الوطني بالانتماء إلى المشروع الوطني المجتمعي الجامع، و بالانخراط في الإجابة على أسئلة الواقع الكبرى، و ليس عبر التوقع و الانتماء الطائفي أو الديني إلى أية جماعة اجتماعيةلا يتوفر وصف للصورة..
    إن تقاطع المصالح السورية و الإيرانية في لحظة تاريخية، لا يجب أن يمنعنا من القراءة الصحيحة للوقائع، و للأصدقاء و الأعداء على حد سواء. ففي السياسة (صديق اليوم عدو الغد)، و وقوف إيران مع الدولة السورية كان دفاعاً عن طهران من أسوار دمشق، و إن تحالف إيران مع حركات الإسلام السياسي التي تقتل و تقاتل الدولة السورية يجعلنا نتساءل عن الفضاء الذي تسعى إليه إيران الإسلامية انطلاقاً من سورية. و هذا الأمر ربما كان أحد أهم أسباب التنافس و الخلاف مع الحليف الروسي الذي لم يتخلَّ، بدوره، لأسباب تخصه، عن إقامة أوثق العلاقات مع اسرائيل و تركيا و السعودية، و هي الدول التي تتشارك بشكل فاعل في سفك الدم السوري، و تتفق فيما بينها للقضاء على الدولة السورية.
    أيها السوريون: لا تأملوا خيراً من أي طرف خارجي. كل الحلفاء و الأعداء يعملون من أجل مصالحهم، و نحن ما زلنا منقسمين بين هذا و ذاك. فلتكن سورية هي البوصلة و الهدف و الغاية، مع كامل الاحترام لمصالح كل من يحترم مصالح السوريين، و يقدم المساعدة. و مع حقنا في رفض أية إهانة من أي حليف أو صديق أو عدو، و رفض أية صفقة أو تسوية أو تحالف على حساب الدم السوري، و وحدة الأراضي السورية، و سيادة الدولة الوطنية على كامل ترابها الوطني.
    و ليكن هدفنا دائما دولة وطنية تتسع لجميع أبنائها على أساس المواطنة، و العدالة الاجتماعية، و سيادة القانون، و الهوية الوطنية السورية الجامعة، بعيداً عن أية اصطفافات طائفية أو سياسة على حساب الدولة الوطنية.
    .................
    *اللوحة: محاولة الصعود إلى الجنة للفنان السوري سعد يكن.

    May 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 1 2 3 4
    5 6 7 8 9 10 11
    12 13 14 15 16 17 18
    19 20 21 22 23 24 25
    26 27 28 29 30 31 1

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    6388427

    Please publish modules in offcanvas position.