nge.gif

    د. محمد فريد عيسى: إسقاط وطن.. أم إسقاط بهجت سليمان؟

    مَرّةً اخرى أجد نفسي مضطراً للحديث عما يعلِّق به البعض في صفحة الدكتور بهجت سليمان..
    وقبل أن ابدأ حديثي.. أرجو ألاّ يتّهمني أحدٌ بأن الدكتور بهجت سليمان، هو من دفعني لأكتب عنه..
    فأنا لم ألتقه سوى مرة واحدة في حياتي.. ويومها كان شخصاً متعقلاً ومهذباً ومثقفاً ومتفهماً ومحاوراً ممتازاً .
    ولا يظنَّنَّ أحدٌ أني وكيل عنه.. فبحسب معرفتي لم يوكل مهمة الدفاع عنه لأحد ولا أظنه محتاجاً لها أصلاً.
    وكثيراً ما تثار الاعتراضات عليه، حين يكون منشورهُ قومياً.

    هنا تقوم قيامة البعض، ويتخذون من منشورٍ كتبه، حجةً ومنصّةً، للهجوم على العروبة والبعث أحياناً، وحتى عليه شخصياً، أحياناً أخرى.

    وفي كل تهكم يتم الربط بين رفض العروبة والحداثة، مستعيرين أفكارَ مفكرين عالميين ولكن بصورة مجزأة..
    ورغم أني لم أسمع ألمانياً واحداً، اشترطَ إنكارَ القومية الألمانية، كضرورة لنهوض ألمانيا..
    وكذلك الحال للفرنسي والفييتنامي والكوري والصيني والياباني.

    وبالمقابل فإن الأمريكي ذاته والإسرائيلي وغيرهم من الدول حديثة التكوين، تريد اختلاق قومية، من لا شيء، لا لغة ولا تاريخ مشترك.

    أمّا في وطننا العربي، فالأمر مختلف..
    إمّا أن تتنكر للعروبة والهوية، و إلّا فأنت خشبِيُّ التفكير واهِمٌ وخياليٌ!

    نعم باتت قضية الهوية، أمراً خيالياً.. والحديث فيها بات خشبياً!

    ولعلّ أول من استخدم مفهوم "الخشبية" هم قادة الربيع العربي ومنظّروه.. وصار خطابهم خشبياً بِحَقّ، لكثرة ما قالوا واتهموا من لا يوافقهم ب "الخشبي"..
    وصارت لغةُ الإتّهام ب "الخشبية" سلاحاً يُرْفعُ في وجه كل من تحدث ب "العروبة" التي وبكل وقاحة يسميها "عقاب صقر" و "السنيورة" ب "القومجية" إمعاناً في البغضاء.

    وهناك مقولة ثانية، لقادة الربيع العربي ومروّجي الشرق الأوسط الكبير (وهي لا تُخَوِّنِّي، وابتعدْ عن خطاب التخوين)!
    تصو وا مثلاً، أن يقول "محمد علوش": "لا تُخَوِّنِّي" لمن يصفه ب "زلمة السعودية"!

    وهناك المقولة الثالثة والبائسة أيضاً، وهي:
         (الدمقرطة)  فما إن تتكلم بمفهوم "الدولة" حتى تُتَّهَم ب "الشمولية"!
    نعم "الشمولية" لأنهم لا يطيقون فكرة "الدولة"..
    لذا تم اختراع مصطلح "المجتمع المدني" الذي يعني تماماً: "إسقاط مفهوم الدولة والسيادة"، بحيث تتشكل الجمعيات العرقية والطائفية، وحتى جمعيات الإستخبارات الأمريكية.
    والمجتمع المدني في مصر وتونس خير شاهد على ارتباط مؤسسات المجتمع المدني بأمريكا..
    كل هذا تحت عنوان (دمقرطة) المجتمع.

    وإن قلت لأحدهم:

    طَيِّبْ لِنُسَلِّمْ أن لا قومية عربية.. فلماذا منظمات المجتمع المدني الطائفية والعرقية؟
    فإن الردّ سيكون: (ل تكن الطائفيه علناً ، أفضل من أن تُمارَس سراً..
    ولتكن العمالة أيضأ علناً، بدل أن تُمارَس سرا)!
    وبالمحصلة.. تفكيك حتى المجتمع القطري.

    في 《 نتائج خبراء الاستعمار 》:
    يقول حرفياً:

    [ هناك في شرق وشمال المتوسط، مجموعة بشرية واحدة، تعدادها ثلاثون مليون (تعداد الوطن العربي آنذاك)، يجب تفتيتها بخلق فلسفات قطرية..
    وبعد أن تنضج الفلسفة القطرية، يتم الإنتقال للديمقراطية والطائفية..
    وبعدها لمفهوم الموجودات البشريه ]

    نعم تعثّرت القومية...
    لكن ليس لضعف النظرية ولا لطوباويتها.. بل بسبب عوامل أهمها:

    1 • أوّلاً.. الإسلام السياسي الذي نشأ نشأةً مشبوهة، مستنداً لِكَمٍ هائلٍ من الخرافات الدينية والأحاديث الكاذبة، البعيدة عن مفهوم النبوة، والذي تنازَعَ الساحةَ السياسية مع الإتّجاه القومي، وعمِلَ كنقيضٍ له..
    وساعد المالُ الخليجي والجهلُ معاً، على تقدم المشروع الديني الإستعماري في مواجهة الحركات القومية الفقيرة،
    بالإضافة لسلوك الإسلام السياسي الداعم للانتماءات (تحت مفهوم الدولة، كالعشيرة والقبيلة ورجل الدين).

    2 • ثانياً.. الليبرالية أو الحداثة، بالمفهوم الإستعماري، والتي ربطت بين العمالة والتقدم، وهي غير مفهوم "الحداثة" الذي يعني التطور في كل مناحي الحياة.
    إذاً، لم يفشل المشروع القومي، ولكن تم إفشاله بالاستفادة من الإسلام السياسي والحركات الليبرالية.

    3 • ثالثاً.. عدم نضوج المفهوم القومي لدى الكثيرين، وتداخل هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى وسيطة، كالقومية الفرعونية أو السورية أو المغاربية.

    إنّ محاكمةَ الفكر القومي من خلال أشخاصٍ أو تجاربَ قومية غير ناجحة، هي كمحاكمة "السيد الرسول" بجرم الوهابية والسلفية والفكر السياسي الإسلامي، أو محاكمة "السيد المسيح" بجرم السياسات الأمريكية.

    وأعود للقول، أنّ التهكُّمَ بما ينشره الدكتور بهجت سليمان، لا يمكن تصنيفه بِحُسْنِ نيّة، إلّا إذا كان حُسْنُ النية الجاهلة، مرادفاً للعمالة.

    تنويه: كُتب هذا المقال بتاريخ 6 آذار 2018

    May 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 1 2 3 4
    5 6 7 8 9 10 11
    12 13 14 15 16 17 18
    19 20 21 22 23 24 25
    26 27 28 29 30 31 1

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    6425055

    Please publish modules in offcanvas position.