يحيى زيدو: هل تنازل الله عن أسلحته للانسان؟!

ميتافيزيقا/ وجوه النارأ يحيى زيدو:
هل تنازل الله عن أسلحته للانسان؟!!
................................................

(النار) واحد من العناصر الطبيعية الأربعة التي تشكل مع (الماء و الهواء و التراب) أصل الكون في الفلسفة اليونانية القديمة.
و (النار) عند الصينيين واحد من العناصر الخمسة، و عند الهندوس واحد من أهم العناصر المقدسة، و هي عند الزرادشتيين الوجه الآخر للشمس؛ لذلك عبدوها مع الشمس.
و للنار رمزيتها عند اليهود (لهب الشمعة) و خاصة في الأعياد، و هي في المسيحية رمز للروح القدس. أما في الإسلام فهي أحد أسلحة الله، و من أسمائها: (الجحيم، جهنم، لظى، السعير، سقر، الحطمة).
و قصة النبي (ابراهيم) الذي خرج سالماً من النار معروفة في القصص الديني، و هو ما سيتم استلهامه اسطورياً في قصة (عبد الله بن سبأ) الذي أمر الإمام علي بقتله عقوبة له على القول بألوهية علي، وفق السرديات التي تناولت قصة ابن سبأ.
- في الميثولوجيا الإغريقية: إن بروميثيوس (إله النار) قد أشفق على حال البشر، فقام بسرقة النار من الآلهة في جبال الأولمب و أعطى للبشر بعضاً منها. و منذ تلك اللحظة التي اكتشف فيها الانسان النار تغير مصيره؛ فصار قادراً على أن يطهو طعامه، و يصنع أسلحته ليحمي نفسه من الأعداء و من الحيوانات المفترسة، و ينظم نشاطه حتى في الأوقات الباردة.
احتفظت (النار) ببعدها الميتافيزيقي الذي كرسته السرديات الدينية. فكانت النار أشد أنواع العذاب للكافرين في الآخرة.
هذا البعد الميتافيزيقي أغرى الأنظمة الدينية و السياسية، و دفعها إلى تقمص صفات الإله و استخدام أسلحته، فكانت (النار) هي أداة السيطرة و التحكم في إخضاع الشعوب، و مواجهة الأعداء. و بسبب مبالغة و تطرف السلطات الدينية و السياسية في استخدام النار بأشكالها المختلفة، و ما رافق ذلك من عمليات قهر و ظلم و إذلال، فقد تشكل تاريخياً وعي سالب نقيض تمثَّل في محاولات الانسان المقهور محاكاة السلطة في سلب أسلحة الله، لكنه بدلاً من أن يقتل ظالمه قام بقتل نفسه بسبب عجزه عن مواجهة الظالم. و صار الانتحار بحرق الجسد هو أحد أشكال الاحتجاج في القرن الحادي و العشرين،و هذا ربما ما سيجعل من السرديات الدينية حول الآخرة و العقاب بالنار موضع تساؤل.!!
- في العام 2010 قام المواطن التونسي (محمد البوعزيزي) بحرق نفسه احتجاجاً على منع شرطية له من بيع الخضار على عربته من دون رخصة في سوق شعبي. و ما زالت جثة (البوعزيزي) كرة نار متدحرجة من شمال أفريقيا إلى بلاد الشام، أحرقت في طريقها أنظمة و حكومات و شعوباً، و ما زال لهيب البوعزيزي مشتعلاً في بلادنا، حيث شهدنا أبشع عمليات الحرق بالنار عبر التاريخ على يد تنظيم داعش و أخواتها باسم المقدس الديني، أو باسم المقدس الدنيوي السياسي في إطار سيكولوجية إنتاج الرعب لإرهاب الآخر المختلف، مهما كان الاختلاف بسيطاً.
- منذ أيام قام اللبناني (جورج زريق) بإشعال النار في جسده بسبب عجزه عن تسديد أقساط المدرسة لابنه.
لم يفكر (جورج زريق) ما إذا كان يحرق نفسه بالروح القدس أم لا، و لم يفكر ما إذا كان يتطهر بالنار.. فقط كان يحتج على الظلم بطريقة سالبة.
هذه الحادثة، و حوادث أخرى سابقة، تشير إلى تغير أفهومي عميق في مقاربة ميتافيزيقا النار، و ربما كان الأمر لا يتعلق بتغير المعنى الميتافيزيقي للنار بقدر ما يتعلق بوعي سالب جديد لمفاهيم أخرى مثل: العدالة، الحرية، الحق، الخير، الجمال، السلطة، الدين، المقدس، العلمانية، التقدم.. إلخ.
فإذا كانت النار، في بداية اكتشاف الانسان لها، قد عبَّرت عن تطور ثقافي للجنس البشري، فإن ما يحصل حالياً هو بمثابة انهيار كارثي لمعنى الانسان و لمعنى الثقافة في آن.
فالانسان الذي قتل الله، حسب تعبير نيتشه، عجز عن أن يكون إلهاً، و لذا اقتصرت محاولاته على سلب أسلحة الإله التي بدلاً من أن يقتل بها ظالميه، تحول إلى قتل نفسه.
إن التنبه إلى هذا التغير البنيوي العميق للقيم الانسانية، و الذي ينحدر نحو السلبية و الريبية البغيضة و العدمية، و بما يؤدي إلى تدمير المعنى الانساني للكون و الحياة، يجب أن يكون في مقدمة اهتمامات المفكرين و الحكومات و السلطات صاحبة القرار في المجتمعات قبل أن يطيح هذا السلب بكل ما أنجزته البشرية في مسيرتها التاريخية، و هو ما سيمحو بكل تأكيد أي أثر للسرديات الدينية التي تركز على فكرة إعداد الانسان للآخرة.
فلتبق أسلحة الله لله، و ليكن للانسان سلاحه الأكثر فعالية و هو العقل.
و وفق مقتضيات العقل فإن اجتماع المظلومين على قتل الظالم أمر أكثر أخلاقية من قتل النفس.

April 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
31 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 1 2 3 4

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5977150

Please publish modules in offcanvas position.