احسان عبيد: ملك يحكي لي حكايته

قبل حوالي 25 سنة زارني مهنئا بوصولي إلى دولة الكويت مع مجموعة من أصدقائه وأقربائه، ثم التقيته بالصدفة ثلاث مرات بمناسبات اجتماعية خلال ثلاث سنوات.. إلى أن جاءني هاتف منه يريد زيارتي واستشارتيأ أحسان عبيد.
.
دخلنا بحديث طويل عن الغربة والسفر، إلى أن وصلنا بيت القصيد.. أخرج من عبه مجموعة أوراق، وقال أريد أن آخذ رايك بهذه القصة التي كتبتها، وأخشى أن أموت وتموت معي ذكرياتها.. أخذتها منه دون أن أهتم بجملته الأخيرة عن الموت.. قرأت القصة.. الحدث فيها رهيب وغريب.. الأسلوب لابأس به، والأخطاء اللغوية ليست قليلة.
.
قلت له: ما شاء الله.. عندك خيال مجنح.. كيف خطرت على بالك هذه الفكرة؟ قال: أبو تمام هذه قصة واقعية حدثت معي شخصيا!.. قلت معقول؟ كيف حدث ذلك؟ هذه الواقعة تعود لآلاف السنين، فكيف حدثت معك شخصيا؟
.
قال: قبل أن أخدم الخدمة الإلزامية كنت هاويا للصيد، ببندقية الخردق.. أخرج مع أصدقائي إلى ظهر الجبل عندما كانت طرقاته لا تسلكها إلا الدواب، ثم نعود.
.
أنهيت خدمة العلم مختصا في ميكانيك الطيران زمن الوحدة، ثم سافرت إلى الكويت ومازلت.. لكن في فترة الغزو العراق رجعت إلى سوريا مع من رجعوا.. رأيت أصحابي القدامى، واتفقنا أن نذهب ذات يوم في رحلة صيد إلى جهة مختلفة غير ظهر الجبل.. في اليوم التالي، وصلنا بالسيارة إلى منطقة الأصفر.. أوقفناها، ومشينا حوالي 6 ساعات شرقا.. وصلنا إلى منطقة تبين لي أنني أعرفها بالشبر، وأنا أزورها لأول مرة في حياتي.
.
قلت لأصحابي توقفوا.. نظروا إليَّ وأنا مشدوه، أتلفت بعيون زائغة.. سألتهم: هل جئتم إلى هنا سابقا؟ قالوا: لا.. قلت وأنا مثلكم لكن هل ترون تلك الهضبة الصغيرة المليئة بالحجارة السوداء؟ إنها ستأخذ منا حوالي ساعة ونصف مشيا على الأقدام.. اسمعوني جيدا: يجب أن تكون خربة غير مأهولة.. في الجهة الشرقية منها توجد بوابة، لها باب حجري عريض مؤلف من درفتين، وفوقهما جسر (حنت) حجري لن تروا أطول منه.. داخله توجد مملكة وأنا كنت ملكها، وكان عندي طفلتان في سن المراهقة.
.
المملكة مسورة بسور حجري على طاقين، بارتفاع حوالي أربعة أمتار، وكان قبالتنا حرش من الأشجار المتشابكة، لانستطيع أن ندخله إلا إلى مسافة حوالي أربعة كيلومترات أو أقل، خوفا من البشر المتوحشين الذين كانوا بداخله، شعورهم في الرأس والوجه طويلة جدا، بعضهم يلبسون الجلود وبعضهم عراة، وقد قتلوا عددا من رعيتي على مدى سنوات وكانوا يأكلونهم.. مما يحتّم علينا أن يعود كل من خرج صوب الغابة قبل غياب الشمس لأن البوابة تغلق في ذلك الوقت، ولن تفتح إلا في اليوم التالي.
.
إلى جانب البوابة توجد غرفة صغيرة تتسع لحوالي عشرة أشخاص وقوفا، يلجأ إليها كل من تأخر بالوصول بعد إغلاق البوابة الرئيسة، ولهذه الغرفة باب حجري، وكان أحد الحرس ينادي بالصوت مع بداية الظلام، ليتأكد إذا كان أحد بالغرفة، فيفتحوا له الباب الكبير لأن رجلا واحدا لا يستطيع فتح الباب.
.
وأضاف: لقد هاجمنا البشر المتوحشون مرارا كثيرة، وكنا نردهم من فوق السور بالنار والحجارة والسهام، إلى أن جاء يوم كافر.. ربما أن جماعتنا قتلوا شخصا مهما منهم، فهاجوا، وجاؤونا ليلا بأعداد كبيرة . انشغالنا بالقتال من الجهة الشرقية، ولم ننتبه أن بعضهم استطاع التسلق من جهة الشمال، فهدموا ثغرة كبيرة ودخل عدد كبير منهم أرض المملكة.. أنا كنت أقاتل فوق السور على الجهة الشمالية الشرقية، وكانت ابنتاي تمدناني بالحجارة.. صرخت إحداهن تحذرني ممن ورائي حيث جاءني ماشيا على السور، وما أن التفت وأنا راكع على ركبي حتى لمحت أحد المتوحشين ما زال خياله أمامي رغم العتمة، ورماني على رأسي بحجر شبه دائري، لايقل وزنه عن خمس عشرة كغ.. فسقطت ولم أدر ما حصل بعد ذلك.
.
قلت لزملائي: توجد أرض منخفضة من الجهة الشرقية، لكن في المنحدر بين الارتفاع والانخفاض يوجد طريق ترابي يشبه الـ(الجل الصغير) بعرض حوالي متر ونصف المتر.. كنا نسلكه جنوبا بعد الخروج من البوابة الكبيرة. ويمتد حوالي 3 كم حيث نجلب المياه من نبع هناك فيه مثل البركة الصغيرة، وقد تتحول بعده إلى الغابة على اليسار لو شئت.
.
قال محدثي: لقد أصيب زملائي بالدهشة، وهم بين مصدق وغير مصدق، لكنهم يعلمون حق العلم، أن أيا منا لم يزر هذه المنطقة سابقا، فدفعهم الحماس لمتابع السير صوب مملكتي.
.
هناك.. عثرنا على الأبواب الحجرية والجسر الطويل مرميان على الأرض.. وجميع البيوت مهدمة، والسور بقي من آثاره الشيء القليل، والغرفة الخارجية مهدمة، والطريق الترابي بالكاد رأينا ملامحه، ولا أثر للماء في مكان البركة، كما لا يوجد أي أثر للشجر.
.
قلت له: منذ كم سنة تقريبا كانت تلك المملكة؟.. قال: أكيد منذ الآف السنين، وقد تزيد على الست آلاف سنة.
.
ملاحظات:
.
أولا: أنا لست غبيا لكي يأتي أحدهم ويجدف عليّ بقصة يخترعها من خياله، ليقنعني بأنها واقعية.. لقد حاصرته بأسئلة كثيرة، ولم أجد ثغرات متناقضة في أجوبته.
.
ثانيا: لقد بدا لي هذا الرجل أنه بمنتهى البساطة والصفاء كالطفل الذي لا يعرف الكذب.. ولقد ثبت لي ذلك من خلال الاحتكاك الذي أصبح لاحقا شبه دائم معه، ويؤيد كلامي مسموعاته الممتازة بين معارفه في الغربة على مدى عقود.
.
ثالثا: جلب لي مجموعة قصصية له، قرأتها، وإحداها لا تقل غرابة، حدثت معه فجرا بالعراق، أيام كان يأتي السوريون بالبر عن طريق العراق.
.
رابعا: لقد طبع 50 نسخة من مجموعته، وزعها على الأصدقاء المقربين، وأهداني نسخة مازلت أحتفظ بها، وقد اكتفى بالخمسين نسخة، لأنه لا يوجد عنده أي طموح للشهرة، بل كان الهدف أن يسجل ذكرياته للتاريخ قبل أن يموت.
.
خامسا: هذه القصة أكثر من غريبة بالنسبة لي، وهي بحاجة إلى اختصاصيين بالتاريخ وعلم النفس لتفسيرها.

April 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
31 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 1 2 3 4

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6011454

Please publish modules in offcanvas position.