قائد السبسي بين الدهاء والاحتواء: تونس بوابة الحضن العربي لسوريا و موسكو محور العالم.. و على الاخوان اثبات براءاتهم من الدّماء

شهرزاد عكاشة- تونس

في سابقة أولى من نوعها، منذ توليه رئاسة الجمهورية التونسية، يتّهم الباجي قائد السبسي علنا حركة النهضة الإسلامية بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين المصنّفة تنظيمْا إرهابيا في عدد من الدول العربية، مضيفا أن "الحديث عن البعد العالمي لحركة النهضة و انتماءها لجماعة الإخوان المسلمين صحيح" في حوار له مع جريدة العرب اللندنية، و ذلك قبل أن يمضي الى حديث أشد أهمية عن ذراع الحركة الأمني و العسكري (المعروف في تونس بالجهاز السري) مطالبا النهضة بإثبات عدم وجوده..

حديث الرئيس قائد السبسي، عن الجهاز السرّي للحركة الإسلامية، كان مصدر ازعاج و قلق كبيرين لها، ما جعلها تقوم بتهديده في أحد بياناتها، و هو ما لم يقبله، منذ شهرين بعد استقباله لهيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمي التي كشفت في أكثر من مناسبة مدى ارتباط الجهاز ذي الخلفية الاخوانية بعمليتي الاغتيال و بشبكات التجنيد و التدريب في ليبيا و التسفير الى سوريا و العراق.

الرئيس اليوم، يعود للموضوع، لكن بأكثر جدّية في رسالة مفادها أنه أصبح في موضع المُلزَم بالبحث في الموضوع و ايلاءه الأهمية التي يستحق لما تمثله هذه الذراع السرّية من خطر على الأمن القومي و على التمشي الديمقراطي في البلاد… لتعود النهضة بدورها الى صيغة التهديد و الوعيد عبر تصريحين لقيادييها و هما رئيس الحكومة الأسبق علي العريض الذي قال "إنه من دون النهضة لن تكون هناك حكومة"، و وزير الفلاحة السابق محمد بن سالم الذي كان أكثر وضوحا بقوله "انه يجب الصبر على رئیس الجمھورية الذي تبقى له بضع أشھر لاستكمال مدّته ليرتاح ويرتّحنا" و هو ما اعتبره ملاحظون تهديدا مبطنْا، ليبقى ذات المنطق هو ملاذ حركة النهضة الأخير حينما تُحشر في الزاوية.

أغلق إذا باب العودة لما يسمّى بمسار "التوافق" مع الحركة الاسلامية الذي مضى فيه الرئيس قائد السبسي غداة فوزه في انتخابات 2014 ، بعد أن وصف مؤخرا "مجهودها للتحول الى حزب سياسي مدني" بغير الكافي رغم الفرصة التي مُنحت لها من قبله ،و هو ما جعل عديد المراقبين يلوّحون بإمكانية تأخير الانتخابات عن موعدها المقرر في 2019 حتى انكشاف حقيقة الجهاز السري، خاصة مع رفع المعارضة و خاصة عددا من قيادات الجبهة الشعبية لهذا الشعار الذي يُعتبر موحِّدا لأطراف سياسية اختلفت مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي ارتمى في الاحضان الاخوانية بعد أن انقلب على حزبه "حركة نداء تونس" و مضى في تكوين حزب جديد أطلق عليه اسم "تحيى تونس" في عملية سرقة موصوفة للشعار الأكثر توحيدا للتونسيين بما فيهم المدنيون و خاصة العسكريون و الأمنيون.

التحركات السريعة و المتزامنة في المشهد السياسي التونسي، جعلت الباجي قائد السبسي مضطرا للتعريج على ما يدور في البلاد من أحداث و هو الذي لم يتعود الحديث عن المسائل الداخلية في الاعلام الدولي، من خلال التأكيد على أن الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد هي حكومة فرع تنظيم الاخوان المسلمين بتونس، فاتحا النار عليه حين وصف طموحه "بالفخ" الذي أوقعه في براثن النهضة الاسلامية، مستعينا في ذلك ليس بالسياسة فقط بل بالرياضيات أيضا لتبيان أن 53 بالمائة من الأصوات التي منحت الثقة للشاهد و حكومته الخريف الماضي هي أصوات نهضوية بالأساس، قائلا أنها أسّست لخرق دستور "ديمقراطي" لطالما تباهت أنها من وضعته، موضّحا أنه تجاوز ذلك "مؤقتا" لمصلحة البلاد، و هو ما ينبئ بأن قائد السبسي (تمساح السياسة) كما تسمّيه حركة النهضة لم و لن يترك الأمر يمرّ هكذا، ممّا قد يجعل الأبواب مفتوحة لعديد الاحتمالات و لعلّ أبرزها استغلال صلاحياته المتعلقة بالأمن القومي الذي يمثل نقطة القوة الكبرى للقائد الأعلى للقوات المسلحة التونسية أو بعض نقاط الدستور الأخرى التي قد تصل إلى قلب الطاولة بمن عليها و التمسك بكشف ما وقع في البلاد من جرائم سياسية، لا سيّما و أن هيئة الدفاع عن الشهيدين قد كشفت مخططْا سابقا لاغتيال قائد السبسي و الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، إضافة الى مخططٍ ثانٍ لتفجير المسلك الرئاسي (الطريق الذي يسلكه الرئيس عند خروجه من قصر قرطاج) تمّ اكتشافه من طرف صابر العجيلي مدير وحدة البحث في جرائم الإرهاب المسجون حاليا من طرف حكومة يوسف الشاهد رغم تبرئة القضاء له من تهمة التآمر على أمن الدولة، ما جعل مجلس حقوق الانسان بالأمم المتحدة يطالب بإطلاق سراحه من عملية' احتجاز غير مبررة'.

في حواره مع العرب اللندنية ، لم ينس الرئيس الباجي قائد السبسي، أيضا، أن يمرّر رسائل عديدة لمن يهمّه الأمر دوليا، أبرزها أنه قام بإعادة العلاقات الديبلوماسية المتدهورة بعدد من الدول و في مقدمتها الجزائر و مصر و عدد من بلدان الخليج، في انتظار النجاح بإعادة العلاقات مع "دمشق" و التي يبدو أن تونس تسعى جاهدة الى تحقيق الاجماع حولها عربيا عبر أشواط من المحادثات و الجهود غير العلنية لإعادتها الى الجامعة العربية، جوابا على مقولة حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله أنه " من أخرج سوريا من الجامعة العربية فعليه إعادتها" في حواره على قناة الميادين.

وفي سابقة مرّت مرور الكرام وطنيا، تمايز الرئيس التونسي عن غيره من أصدقاء تونس في موقف غير مسبوق في الموقف من الولايات المتحدة الامريكية قائلا "أمريكا دولة عظمى وتتدخل في كل شيء، لكن إذا لم تتخلّ عن إسرائيل ولم تتخذ موقفا محايدا، فإن الوضع سيبقى على ما هو عليه (.....) وروسيا اليوم فاعل رئيسي... اليوم الولايات المتحدة والغرب يتعاونون مع روسيا لحل المشاكل في المنطقة"، و ذلك بعد يومين من زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الى تونس و بعد شهر من مطالبة الكيان الصهيوني لتونس بتعويضات بآلاف المليارات لليهود التونسيين "عن ما لحقهم من تشرد" و كأن لتونس يد فيه في إطار مخطط كان قد تم الاتفاق عليه منذ 2013 في أحد المراكز الصهيونية بالولايات المتحدة لإعادة توطين اليهود في تونس و تمكينهم في أفق 2030 ، من استعادة أملاكهم التي كانوا قد تخلوا عنها طوعا منذ الحرب العالمية الثانية... فهل أراد الرئيس قائد السبسي أن يسترجع صولاته و جولاته التي قام بها منذ عقود حين كان وزيرا للخارجية التونسية وحين نجح في انتزاع قرار من مجلس الامن الدولي بإدانة الهجوم الجوي الاسرائيلي على أحد مقرات منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط بالضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية؟ أم هل أراد الباجي قائد السبسي أن يٌنبّه من أي مخطط لإعادة التوطين مغازلا قوّة أخرى قد تكون حليفا مقبلا لا سيما مع ضربة دولية مرتقبة على ليبيا التي اعتبرها الباجي قائد السبسي مصدر 'خطر' على الأمن القومي التونسي، قائلا" إنّ العمليات الثلاث الإرهابية الكبرى كان مصدرها طرابلس".

قليلون هم من يعلمون داخل تونس بنبأ قدوم مبعوثين أمنيين بلجيكيين الى العاصمة، منذ أشهر محمّلين بمعطيات روسية عن عدد من العناصر الإرهابية الخطيرة و مطالبين بمعلومات أخرى عن عدد من القيادات "الإسلامية"، و قليلون أيضا كانوا من يعلمون قبل، السبت الماضي، أن تونس و سوريا و حلفاءهما يتبادلون المعلومات الأمنية و أن هناك مسؤولين أمنيين تونسيين كبارا قد زاروا دمشق ومناطق أخرى و أجروا مقابلات مهمّة جدْا في علاقة بالملف السوري أساسا و بالملف الليبي و ما باحت به أسرار شبكات التسفير و التجنيد ذات الدعم الغربي و الخليجي.

هكذا اذا أتى الرئيس قائد السبسي على عدد من النقاط الداخلية التونسية أهمها التحالف الجديد لرئيس الحكومة مع تنظيم قال علنا و لأول مرة أنه ينتمي الى جماعة مٌصنّفة إرهابية في عديد من الدول منبّها بذلك ربّما من ينوون دعم حزب الشاهد، و مخبرا النهضة الاخوانية أنه لا زال لم يفقد قوته على مستوى العلاقات الدولية التي حاولت تدميرها، أما دوليا فيبدو أن قائد السبسي و بـ"دهاء" قد شرع في التسويق لعملية تحويل وجهة تحالفات تونس الحالية قد تأتي بالكثير من "الخير" على الموازنات المالية التونسية المقبلة و تقدّم تونس "كسوق مفتوحة اقتصاديا" لعديد المستثمرين من جنسيات جديدة.

April 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
31 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 1 2 3 4

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5977033

Please publish modules in offcanvas position.