خالد العبود: ماذا يحصل في السودان؟!..

أيضاً يقف عقل "النخبُ الثقافية" و"النخب السياسيّة"، العربيّة طبعاً، غير قادر على محاكاة أو فهم الحاصل في السودان، وتقف "النُخبُ السودانيّة" ذات الموقف الذي وقفه أبناء كثير من الدول العربيّة خلال الأحداث التي كانت تحصل في بلادهم خاصة فيما سمّي بـ "الربيع العربيّ"، فمنهم من وقف إلى جانب الحَراك باعتباره تعبيراً حقيقيّا موضوعيّا يعبّر عن مطالب الناس وآمالها وتطلعاتها، ومنهم من وقف موقفا أ خالد العبودمعاكساً تماماً باعتباره حَراكاً ليس موضوعيّاً وأنّه يعبّر عن موقف سياسيّ لاصطفاف آخر من أبناء السودان!..
هناك أسئلة كثيرة كان مطلوباً على العقل السياسيّ والثقافي العربيّ أن يطرحها في ظلّ هذا الحاصل في السودان، أوّلها، لماذا الآن هذا الحراك، وهل صحيحٌ أنّ كلّ الظروف التي مرّت على السودان لم تكن مهمة للدرجة التي يخرج فيه أبناء السودان إلى الشوارع، ألم يتمّ تقسيم السودان، نقول تقسيم السودان، ولا نقول رفع الاسعار، أرجو أن نُفهم، أعتقد أنّ تقسيم السودان كان أكثر أهمية من أيّ عنوان آخر، ليكون السودان كلّه في الشوارع، وليسقط حتى الآن أكثر من 40 شهيداً فداء لبقاء السودان موحّداً!..
هل من المعقول أن يتمّ تقسيم السودان وأن يتم اشتراك السودان في العدوان على أهل اليمن، وأن يتواصل السودان مع كيان الاحتلال الصهيوني، وأن يكون إلى جانب كلّ الذبح الذي حصل على مستوى العالم العربيّ، وأن يتورّط نظام الحكم فيه في كلّ مذابح "الربيع العربيّ"، دون أن يشعر الشارع السوداني بذلك؟!..
لماذا الآن السودان في الشوارع، ألم يكن ذلك مثيراً للدهشة ومثيرا لطرح السؤال الكبير: ما الذي يحصل في السودان، حتى ينزل الناس إلى الشارع بهذه الحرارة العالية، وهذه الفدائية الكبيرة، وتلك الهتافات التي لم تبتعد أو تنفصل عن هتافات طالما سمعناه خلال سيناريوهات ما سمّي بـ"الربيع العربيّ" في أكثر من دولة عربية؟!..
نعم.. ما فعله "النظام السوداني" أخيراً يستحقّ العقوبة، من منظور البعض الذي ما زال مشتبكّاً مع آخرين، هذا البعض الذي يريد أن يحافظ على الحدّ الأدنى من مصالحه، كون أنّ ما قام به السودان خلال السنوات الأخيرة كان هاماً لما كانت تتطلع إليه أطراف بعينها، فـ"البشير" وافق على تقسيم السودان، ووافق على الانخراط في الحرب على اليمن، ووافق على الوقوف في وجه النظام الوطني في سورية، وحشد الحشود لتمرير المشروع الأمريكي في الخليج إلى جانب مشايخه وخيامه، وأوقف التواصل مع فصائل المقاومة، وهو ما جعل السودان ونظامه بعيدين عمّا سمّي بـ "الربيع العربيّ"، خلال الفترة الماضية من تاريخ السودان وتاريخ المنطقة..
لكن ما الذي تغيّر اليوم، ما الذي فعله السودان كي يحصل فيه هذا الذي يحصل، نعم السودان ارتكب أمراً خطيراً فكان لا بدّ من أن يردّ عليه من قبل أطراف رأته أنّه ذهب بعيداً عنها، وأخذ يعزف خارج إيقاعها، ويتصرّف فيما لا يتوافق مع تطلعاتها ومصالحها..
لم يكن السودان قد أصابه شيء بعد، حتى وصل "البشير" إلى سورية، إلى دمشق، والتقى الرئيس الأسد، بعد ذلك حصل ما حصل للسودان ولنظام حكمه، وهو سوف يستمر حتى يتراجع السودان عمّا فعله في دمشق، وتحديداً مع الرئيس بشار الأسد، و"البشير" موضوعيّاً غير قادرٍ على فعل شيء في معزل عن آخرين هم من قاموا بدفعه لزيارة الرئيس الأسد والتواصل معه دفعا باتجاه اعادة بعض علاقات النظام العربي الرسمي مع دمشق!..
"البشير" حضر إلى دمشق بطلب "سعوديّ" صرف، حين شعر "نظام الحكم السعوديّ" أنّ العالم ذاهبٌ إلى الرئيس الأسد الذي صمد وانتصر، ووصلت الرسالة إلى دمشق كما هي، وفهمها جيّداً الرئيس بشار الأسد، ونجزم أنّه كان يصوّب نحوها وينتظرها، ليس سعيّاً إليها بمقدار ما كان يدرك أنّها حقيقة موضوعيّة ذات تعبير هام ومؤشّر دقيق على أنّه يضع اللبنة الأخيرة في جدار انتصاره..
لم يكن "البشير" إلا حاملاً للرسالة "السعودية – الخليجية"، حيث أتقن إيصالها جيّداً والتعبير عنها تعبيراً دقيقاً، نعم لقد استطاع الرجل أن يقدّم خدمة هامة لذات النسق الذي اصطفّ إلى جانبه منذ مطلع العدوان على سورية، غير أنّ النسق الذي كان يمثّل الإدارة الأمريكية ومن وقف إلى جانبها من دول أخرى ودول عربيّة وكيان الاحتلال الصهيوني لم يعد اصطفافاً متجانساً لجهة الأهداف التي ابتدأها في العدوان على سورية والمنطقة، باعتبار أنّ هذا النسق لم يعد متماسكاً كما كان قبل سنوات، أو منذ بداية العدوان، كون أنّه لم ينجز الأهداف التي عمل عليها..
السودان استجاب لطلب "سعوديّ" في ايصال رسالة "أنظمة الخليج"، وهو تحوّل هام وكبير جدّا وانشقاقٌ خطير في نسق أطراف العدوان، إذ يعني ذلك أنّ عودة العلاقات "السوريّة – الخليجية" سوف تنال من طبيعة العلاقات "الإسرائيلية – الخليجية"، والتي تمّ الاشتغال عليها وتظهيرها خلال سنوات العدوان على سورية، وما كان يعوّل على هذه العلاقات لجهة عناوين استراتيجية أو عناوين تكتيكية!..
نعم لقد كان العقاب جاهزاً للدور الذي لعبه السودان أو نظام حكمه، من خلال ربط التواصل، أو فتح أبوابه، بين "الخليج العربيّ" وبين سوريّة الصاعدة المنتصرة، وعندما نتحدث هنا عن سورية لا يمكن أن نعزلها عن الحلف الذي كانت ولمّا تزل جزء رئيسيّا فيه ومنه، وهذا يعني أنّ علاقات "خليجية – إيرانية" سوف تشكّل مفصلا حقيقيّا في ترتيب المنطقة، وهو دورٌ للسودان لا بدّ وأن يُعاقب عليه، ويمنع منه، لأنّه كان يمكن له أن يستمر أكثر، وأن يذهب بعيداً في التأسيس لما هو أكبر!..
السودان يُعاقب على دوره، وتحاول استخبارات "إسرائيلية – عربيّة" من منع السودان من الاستمرار بذلك، وتحاول إيصال رسائل تأخيرية لكلّ من يريد أن يذهب باتجاه سورية، ليس لأنّ "الإسرائيليّ" مؤمنٌ أن هذا التأخير سوف يغيّر مواقف أو نتائج استراتيجية، لكنّه لم ينهِ بعد ما يريده، أو ما يريد أن يعمل عليه، باعتبار أنّه يريد أن يضغط على سورية، فـ "الإسرائيليّ" لم يزل مشتبكاً مع الرئيس الأسد، أملاً بالوصولا إلى قواعد اشتباك سابقة، وهو لم يزل بحاجة إلى هذه "العزلة" العربيّة للرئيس الأسد، كي تمنحه إمكانية التأثير عليه، والعودة إلى قواعد اشتباك الـ "1974"!..
السودان الآن في يد استخبارات "إسرائيلية – عربيّة – إقليمية" لتأخير تمرير هذا التواصل العربي مع سورية ومع الرئيس الأسد، وبالتالي مع "الحلف الصاعد" الذي يعيد ترتيب معادلة استقرار المنطقة، وهو مطلبٌ "إسرائيلي" صرف، ولا يعني ذلك أنّ أنظمة عربية، أو أنظمة إقليمية ودوليّة، لا تشارك كيان الاحتلال بذلك، فهي أنظمة تحتاج لـ "لإسرائيلي" ولا تستطيع الابتعاد عنه في عناوين أساسيّة..
لكنّ هذا لا يعني أنّنا ندافع عن النظام السوداني لجهة عناوين لها علاقة بمطالب الشعب السوداني وحقوقه في العيش الكريم، لكنّنا يجب أن نكون واضحين بأنّ الشعب السوداني الكريم البطل، الذي يحقّ له أن يطالب بتحسين ظروف حياته وتغيير ظروفه السياسيّة، ولو وصل به الأمر إلى تغيير النظام في السودان، هذا الشعب العظيم الآن يواجه كارثة العبث به خارجيّاً لجهة عناوين يتمّ استغلالها استغلالا بشعاً..

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5678770

Please publish modules in offcanvas position.