يحيى زيدو: سورية و (التصنيف العالمي لجودة التعليم)

سورية خارج «التصنيف العالمي لجودة التعليم». هذا ما أعلنه منتدي (دافوس) الذي يتحكم بكثير من اقتصاديات العالم، و يرسم سياساتهاأ يحيى زيدو.
إن خروج سورية من قائمة «التصنيف العالمي لجودة التعليم» يعني أولاً، و قبل كل شيء، حرمانها من المساهمة في (اقتصاد المعرفة) الذي هو أساس الاقتصاد العالمي، و الذي تشكل فيه الجامعات و المختبرات العلمية، و مراكز الأبحاث ركيزته الأساسية.
و هذا الأمر لا يجب أن يصيبنا بالإحباط، أو يدعونا إلى جلد الذات فما زالت هناك امكانية لتجاوز هذا الامر. لكن أيضاً لا يجب التقليل من شأن هذا الموضوع، و النظر إليه باعتباره عنصراً من عناصر (نظرية المؤامرة)، أو خسارة عادية من جملة ما خسرته سورية في هذه الحرب الكونية عليها.
بل إن ما حدث يجب أن يكون دافعاً لمواجهة الواقع، و طرح كل القضايا المتعلقة بالتعليم في سورية على طاولة البحث، و مشرحة النقد. و السؤال عن الأسباب التي جعلت سورية خارج «التصنيف العالمي لجودة التعليم». و هل هناك أشخاص مسؤولون عن الوصول إلى هذا الامر، و بالتالي تجب محاسبتهم؟ أم أن منظومة التعليم هي التي أصبحت قديمة، و لم تعد تتناسب مع معطيات العصر، و صار من الواجب إعادة النظر فيها بشكل كلي؟ أم أن الأمر يتعلق بالسياسات التعليمة الخاطئة، أو بالتنفيذ الخاطئ للسياسات التعليمية الصائبة؟
لا أحد يستطيع أن ينكر تدني و انخفاض جودة التعليم في سورية، و عندما نقول (التعليم) فإننا نقصد: منظومة التعليم كاملة منذ المرحلة الابتدائية و حتى آخر مرحلة من الدراسات العليا الجامعية.
إن ظاهرة الدروس الخصوصية لطلاب المدارس و الجامعات يمكن أن تكون مؤشراً ذا دلالة على انخفاض مستوى التعليم، مع ما يترتب على ظاهرة الدروس الخصوصية من تكلفة مادية هائلة و أموال كان يمكن إنفاقها في التنمية بشكل أفضل. فهل يحتاج الطالب إلى دروس خصوصية في نظام تعليمي جيد؟
و إذا كان الجواب أن الكوادر التعليمية هي السبب، فإن السؤال الذي يبدو مشروعاً هو: ما هي الإجراءات التي تم القيام بها لتأهيل الكوادر البشرية المعنية بالتعليم، و ما هي الحوافز التي أعطيت لهؤلاء لكي يكونوا متفرغين لعملهم و الإبداع فيه؟ و ماذا عن المختبرات العلمية و مراكز الأبحاث في المعاهد و الجامعات؟ ماذا عن مساهمتها في الاقتصاد الوطني و عملية التنمية المستدامة؟ هناك آلاف الأبحاث لطلاب الدراسات العليا كان يمكن الاستفادة منها لكنها مازالت مركونة على الرفوف؟ مع أن الصين، مثلاً، تصدر إلينا بضائع و سلعاً من إنتاج طلاب المدارس الثانوية و ليس طلاب الجامعات الذين يتم استثمار أبحاثهم أولاً بأول.
في جامعاتنا هناك الكثير من الأبحاث التي كان يمكن الاستفادة منها، كما أن هناك مئات من رسائل الماجستير و الدكتوراه هي عبارة عن (نسخ - لصق) من أبحاث قديمة، ليس لها أية قيمة علمية أو معرفية مع أن أصحابها يحملون، بسببها، لقب (دال نقطة).
و أستطيع أن أعطي مثالاً، في العام ١٩٩٥ و خلال بحثي في مكتبة الأسد الوطنية وجدت عدة رسائل دكتوراه لأساتدة في كلية الآداب بجامعة دمشق، تخرجوا من دول أوروبا الشرقية، لا تتجاوز عدد صفحات الرسالة (40) صفحة، و هي موجودة حتى الآن في مكتبة الأسد. وإذا كان الأمر كذلك في العلوم الانسانية، فما هو الوضع بالنسبة لكثيرين في الاختصاصات الطبية و الهندسية و العلوم الأساسية؟
إن الأكشاك الموجودة في نفق كلية الآداب في دمشق أهم من المحاضرات التي تحصل داخل مدرجات كلية الآداب، حتى أنه يجوز القول أن معظم خريجي كلية الآداب هم خريجو أكشاك و ليسوا خريجي جامعة.
(طبعاً طلاب آداب تشرين و طرطوس ينطبق عليهم وصف خريجي مقاهي لأنهم معظمهم يتواجدون في الكافيتيريات أكثر من تواجدهم في الكلية).
يمكن إيراد عشرات الأمثلة التي تشير إلى غياب المحاسبة و المساءلة من جهة، و إلى غياب الحوافز المادية و التأهيل العلمي اللازم من جهة ثانية. من دون إغفال وجود عديمي الضمير الذين يتعاملون مع العلم كمهنة و بوابة للإثراء غير المشروع.
إن العملية التعليمية هي، كتاب، و طالب، و مدرس، و بنية تحتية متكاملة تشمل، فيما تشمل، المختبرات العلمية و مراكز الأبحاث التي يجب أن يتوفر لها المال و الدعم لتكون قادرة على القيام بالوظائف المنوطة بها في إطار خطة تنمية شاملة.
إن هناك قطيعة شبه تامة بين مرحلة التعليم ما قبل الجامعي و بين مرحلة التعليم الجامعي. و باعتقادنا، أن التعليم لا يمكن أن يتطور الا إذا تم النظر إليه بنظرة كلية و سياسة تعليمية تشمل كافة مراحله، و تلحظ التكامل فيما بينها وفق خطة وطنية تأتي كجزء من مشروع وطني شامل. و هذا ما يجعل من الملح إعادة النظر في دور وزارتي التربية و التعليم العالي، و معهما وزارة الثقافة في إطار (مجلس وطني عالي للتعليم و الثقافة) يضع السياسات التعليمية العامة، و يتابع تنفيذها، مع التشديد على الحوافز و التأهيل فيما يخص الكوادر البشرية، و تطوير المناهج و المختبرات و مراكز الأبحاث، بالتلازم مع عملية مساءلة و محاسبة لكل مقصرربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏.
لقد استقطبت المدارس و الجامعات الخاصة خيرة الكوادر في التربية وفي الجامعات، و بات من الضروري إعادة النظر في دور هذه الجامعات لمراقبة جودة التعليم فيها، و حساب مدى مساهمتها الحقيقية في عملية التنمية الوطنية من جهة، و ماهي الإضافة النوعية التي قدمتها للعلم و التعليم في البلاد، في حال وجود مثل هذه الإضافة أصلاً.
و لعل المدخل الحقيقي إلى معالجة مشكلات التعليم في سورية هو السؤال: لماذا فشلت المناهج التعليمية في تكريس الانتماء إلى المشترك الوطني؟
إن السنوات الثمانية التي مضت من عمر الأزمة أظهرت أن أول من قام بتخريب مؤسسات الدولة الوطنية هم الذين تخرجوا من مدارسها و جامعاتها، و جوامعها.
و لماذا يتم التعامل حتى الآن مع العلوم الانسانية بنظرة دونية مع أنها تحظى بكل الاحترام و التقدير في الدول المتقدمة؟ و الأمر نفسه ينطبق على التعليم الفني و المهني الذي كان أساس نهضة الكثير من الدول المتقدمة بعد الحرب العالمية الثانية؟
إن خروج سورية من «التصنيف العالمي لجودة التعليم» يجب أن يدفع نحو المساءلة و المحاسبة بالتلازم مع الشجاعة و الجرأة التي تحتاجها عملية مقاربة مشكلات التعليم الجامعي وما قبل الجامعي في إطار خطة وطنية متكاملة تكون جزء من مشروع وطني شامل يلحظ ما تركته سنوات الأزمة من ندوب على الوطن السوري.
فهل نبادر للمعالجة قبل أن تمد الجامعات الصومالية لسانها لجامعاتنا، و هي تدخل قائمة «التصنيف العالمي لجودة التعليم» فيما تبقى جامعاتنا خارج التصنيف و هي التي كان لها دور تاريخي في نشر العلم و المعرفة و تخريج القيادات الوطنية و العربية على امتداد القرن العشرين؟

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5643407

Please publish modules in offcanvas position.