وفاء قسوم: الرمز والعبور الجليل

لاأدري إن كان التوتر الحاصل حول رمز، بما فيه من محاولات تأكيده أو نفيه من تاريخنا، مظهرآ جديدآ لقلقنا الوجوديأ وفاء قسوم.
ترى، هل يشبه نكران الذات، أم هو ذاته؟
وهل التوترات الكلامية تشبه مبارزة سيوف الأخوة في قلب الضباب!؟

المعروف عنا نحن العرب غرورنا في بعض الأحيان، نميل لسكب تاريخنا في كؤوس الآخرين، أكثر من اعترافنا بما يسكبوه لنا في كؤوسنا، فلماذا إذآ نجفف نبعنا، والقدس "عروس عروبتنا" مازالت مغتصبة!؟

واقع العرب مخز، متشظ بالظاهر، ومنضبط في عمقه أشد الانضباط بالتعامل مع العدو الصهيوني، حكام "عرب" قبلتهم تل أبيب، وشعوب تختبر بؤسها كل يوم، تختمر فيها مشاعر الخزي من حاضر مذلول بخيانة ساداته، كثرت الصفعات على وجه هذي الشعوب فضاعت الجهات.

أين المفر من هذا الواقع، ومن يحصننا منه!؟
دفن صلاح الدين الأيوبي محرر القدس في قلب دمشق، فاستوى رمحآ بيد السوريين والمقاومة الوطنية اللبنانية، وبعض فصائل المقاومة، والرمح بيد الفرسان لايضيع الجهات.
صلاح الدين الأيوبي محرر بيت المقدس بوصلة الفكر والنفس، في وقت استحالت فيه المقاومة العربية الشاملة.
رموزنا ملاذنا، حصننا عندما نقترب من حافة نكران الذات، نستمد منها شيئآ من توازننا النفسي في هذا الزمن الأسود، تكرارها ضمن سياق واحد سيخلق حتمآ مايشبه القانون النفسي، نحتمي به، ويكون أحد أوجه دفاعاتنا النفسية ضد العجز العربي.
الرمز دفاع وجودي، إنه القوة الذاتية التي تحمينا من مشاعر الخزي والعار، عندما تتزين القصور العربية لاستقبال قادة كيان العدو!
السير مع رمز مهاب، يعطي النفس أبهة لايدركها الواقع.

قد يقول قائل: هذا الرمز أو سواه لم يغير من واقعنا العربي- الاسرائيلي شيئآ، فالقدس لازالت محتلة! صحيح، لكن الأكيد أنه يغير الواقع النفسي للشعوب بما يضمن استمرار الحياة، الرمز يقول لنا: الحاضر عابر، فيعيننا على تحمله مهما كان قاسيآ، يساعدنا في تأطير خيانة الحكام للقدس، ووضعها في خانة (الكبوة)، وأنها ليست معياراً نقيس بها مسار الحياة.
محرر بيت المقدس، رمز يمتلك مركزاً (القدس) بضدين لاثالث لهما، غاز معتد وناصر محرر.
أي جدل حول هذا الرمز سيجعل منه ضداً مذهبياً بين المسلمين ذاتهم، وهذا خطر اختبرنا نتائجه القاتلة.

****
يروي السفير المصري فتحي الجويلي في كتابه (الوجه الآخر للدبلوماسية)، إحدى مشاهداته في بروكسل عاصمة بلجيكا فيقول: "شاهدت نافورة ضخمة تتوسط أحد الميادين المركزية، وتعد من المعالم السياحية الهامة الحديثة، فوجئت وأنا أتأملها بلوحة تصور رجلاً ممدآ على الأرض، مرتديآ العقال العربي، وتجثم فوقه أرجل ترتدي أحذية ضخمة لرجال بملابس عسكرية يحملون البنادق ويصوبونها إلى صدر ذلك العربي الذليل المطروح أرضآ، حاولت أن أتذكر أية معركة قامت بين بلجيكا والعرب دون طائل! وقفت عيناي على جملة مكتوبة تحت اللوحة: الجندي البلجيكي يحرر الكونغو من العرب تجار العبيد!".

أليست هذه المشاهدة شاهد على ضرورة الرمز ولو كان كذبة! فكيف به وهو حقيقة كمحرر بيت المقدس!

الرموز لاتترك أحفادها وحيدين مع عجزهم، رغم وحدتها وكآبتها!

January 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 31 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5161974

Please publish modules in offcanvas position.