n.png

    كتب الدكتور بهجت سليمان: هل نمتلك "المشروع السّياسيّ" المحدِّد لهويّة الدّولة؟!

    1 الدّولة الحديثة ليست هي دولة الحقّ و القانون، فهذه تسمية بائدة من مخلّفات ما اقتات عليه (الياس مرقص) وتلامذته، من ثقافة مفردات الحداثة و ما قبل الحداثة..

    2 و أمّا الدّولة الحديثة المعاصرة فهي في العلوم و المعارف، و كذلك في علوم السّياسة المعاصرة، هي الدّولة العالميّة التي ترتقي إلى هذا المنسوب السّياسيّ في إطار حقوق و واجبات دوليّة و عالميّة..
    و من نافل القول أنّ عليها من الواجبات الاجتماعيّة و السّياسيّة، ما يجعلها جديرة بدخول النّادي العالمي.

    3 الشّرق ليس وحده روحانيّاً منذ القدم، دون الغرب.. ومن يقولون بذلك، يعكسون جهلاً بتاريخ العالم و بالمراحل و التّشكيلات الاجتماعيّة التّاريخيّة..
    إذ لم يكن مكان في العالم كالغرب، مكاناً أميناً للأسطورة و الرّوحانيّات.

    4 و لا يفتنّ من عضد هذا الكلام، أنّ الدّيانات السّماويّة بدأت كلّها في الشّرق، فهذا ما يُردّ عليه بأنّ أكثر من ثلثيّ العالم القديم و المعاصر لا يؤمن بالدّيانات السّماويّة، من جهة..
    و أنّ الدّيانات السّماويّة نفسها نشأت في الشّرق لكنّها انتشرت وتأصلت في الغرب، حتّى أنّه راح ضحيّتها الملايين من أبناء الغرب..

    5 و لا أظنّ أنّ هذا عدم تأصّل و تأصيل؛ إلّا أنّ روحانية الغرب قد تطوّرت هي نفسها نحو المجتمع "البورجوازيّ" و "الرّوح الرأسماليّة" في الغرب، انطلاقاً من المسيحيّة البروتستانتيّة (و اليهوديّة) كما يبيّن أكبر عالم اجتماع معاصر في التّاريخ (ماكس فيبر).

    6 هذا و ليست الثّقافة التقليدية الخانعة، هي من كشفت خطورة الإسلام السّياسيّ كما يظن بعض الكتاب والبحاثة، ممن يظنّون أنفسهم بأنهم قد اخترعوا البارود..
    بل لم يكشف، عمليّاً، البعدَ الإسلاميّ السّياسيّ، غير بطولات جيشنا السوري الأسطوريّ، في ساحات الوغى و البطولات المستمدّة من إيمان بالحق..

    7 عندما يتعزّز دور "حزب البعث العربيّ الإشتراكيّ"، تعزيزاً جادّاً و حازماً، مترافقا مع محاربة الفساد الحاسمة..
    فإنّه لن يكون بإمكان "الإسلام السّياسيّ" في طبعته الوظيفية التابعة للخارج المعادي، أن تقوم له قائمة اجتماعيّة أو سياسيّة..
    بشرط أن يستطيع رجال المؤسّسات الحزبيّة و الإداريّة ممارسة الإقناع العام المتوفّر في تحقيق "العدالة الإجتماعيّة" الحقيقيّة.

    8 و يُثبت تاريخ العالم و تاريخ الغرب بخاصّة، أنّ المطالب و الحاجات اليوميّة و التّوزيع العادل للثّروة، هي أهمّ من الأديان عند الشعوب، بل و عند البعض هي أهمّ من الآلهة ذاتهم!

    9إنّ الثّقافة العامة و مؤسّساتها التربوية والتعليمية في سورية أثبتت أنّها حالات فاشلة، ثقافيّاً و تنظيميّاً و تحفيزيّاً، أمام تنظيم الإسلام السّياسيّ..
    و هذا، بسبب غياب المشروع الذي تقوده الرّجال و ليس أشباه الرّجال المهرّجين، و "الجواكر" و المزايدين و الانتهازيين و حفظة الشّعارات التي تدغدغ البعض وتستر جوهر أصحابها..
    و هكذا إلى أن نصل إلى أصحاب المشاريع الخاصّة و الشّخصيّة الذين ينتشرون اليوم في الدّولة من االصّفوف القياديّة الأولى و صولا إلى أدنى الهرم.

    10 بعيداً عن مهرجانات "المثقّفين" و "المهرّجين" و "المعوّقين" من أصحاب "أوراق البحث" و أصحاب المراكز البحثيّة..
    فإنّه يغيب لدينا أوّلاً "المشروع السّياسيّ" المحدِّد لهويّة الدّولة، و في سياق ذلك يغيب في السّياق، الرّجال القادة و المفكّرون، ممن أسماهم (كارل بوبر) بحماة الحصون، حين شبّه المؤسّسات بالحصون التي يجب حسن تجهيزها بالقادة و الرّجال الشّجعان المقاتلين.
    وهذا لا يعني أن الدولة غير موجودة، بل هي موجودة بقوة، ولولا وجود الدولة ل تلاشت سورية..
    ولكن الحديث هنا، يدور حول (المشروع السياسي) الجدير بهذه الدولة، والمحدد لهوية الدولة، والمعبر عن هذه الهوية.