وفاء قسوم: مشهد على مسرح

لايستطيع واحدنا تقبل عجزه ببساطة، أو تحمل وضعية المهزوم بواقعية، وإلا استحالت الحياة، لابد من حل نستوعب به مشكلاتنا، لنبدو مسيطرين عليها -على الأقل أمام أنفسنا- وإن لم يتيسر لنا هذا الحل ربما نلجأ للبس أقنعة ليست لنا، وقد نلجأ للخرافة، وبأضعف الإيمان نوهم أنفسنا بأن الأمر عابر!

كثيرة الوسائل المتاحة لإلباس عجزنا وفشلنا ثوب المنجز، تختلف الوسائل باختلاف مستخدميها، فمثلآ، محدث النعمة الذي لم يتدرج بسلم اجتماعي يشهد عليه، يكثر من مظاهر "الوجاهة" التي تخفي ماضيه، فيبدد المال في شراء سلع هذه الوجاهة، كالفاخر من السيارات، من الثياب والأثاث، الولائم والحفلات والسهرات... الخ، بمعنى آخر هو أسير الاستعراض، استعراض في مسرح بؤس الآخرين!
كرنفالات الاستعراض تخفي هزالآ داخليآ، يتكفل بتعريته الزوجة والأبناء.
انتشر هذا النموذج في سنين الحرب بكثرة، يسميه البعض "المحظوظ"! أوالمحظي، يجيد القفز من منصب لآخر، كي لايخرج من دائرة الوجاهة، يتقن التعاضد مع تجار الأزمات.
نموذج لايعرف الخوف من زمن يتهدد الآخرين بلقمة أولادهم، محصن برفاهيته، لكن، لديه رهاب وحيد خفي، (بطولات الجيش العربي السوري)!

كلما اعتقدنا أن واقعنا بلغ ذروته في التعبير عن الكوارث، والتقيحات المجتمعية الدفينة، فإذا بقصص تتزاحم حولنا لتضعنا أمام حالات صادمة، الكلام عنها أعجز وسائل التعبير، صارالكلام قاصرآ! الجيد في صدماتنا، أننا لم نتبلد أمام هذي القصص، وهنا يكمن الأمل!

ذلك البطل الشاب الجالس على كرسي متحرك، أهدى ساقيه للوطن كي ينهض بهما، والهدايا على قدر مهديها، لم يهزمه العدو الخارجي، وأيضآ... لم تهزمه مظاهر حديث النعمة، وهو المحاصر بها في الشارع، في الإعلام، في كل طريق يقوده إليها كرسيه وأحيانآ... نفسه.
لم ينصهر في حياة أولئك المحظيين، بل لايستطيع أصلآ، فهو ليس بسارق ولا محتال، لم يغفل عن قيمه، فلن يكون إنسانآ مزيفآ، وجهه الجميل لايحتمل الأقنعة.
لايجيد ثرثرة الخطابات، يعرف جيدآ أنها لاتستر العورات.
يرقب الطفيليات تتغذى منه ولاتغذيه، يغض النظر، أملآ بالمستقبل.
شاب قدم هوية انتمائه للأرض بالإنجاز، فصار الانتماء إليه مصدرآ للقيمة.

كرسيه لم يخنه، قرر الكدح معه، والكدح لايهدر الكرامة، فالبطل لم يتحول لقناص اللقمة بعنف أو احتيال، ولم يسقط في نكران القيم، مازالت مرجعيته قيمه الذاتية.

يقال: الفقر تهديد من نوع آخر لأمن البلاد، والعوز لايقف عند العوز المادي فقط، بل يتعداه نحو الأخطر، نحو نوع الحياة، حياة المجتمع.

الكادحون مثل بطلنا لاينهارون أخلاقيآ، رغم سعيهم للإمساك برقبة العمل، هم منظومة الأخلاق الأصيلة، التي ستحمي مرة ثانية نوع حياتنا، هم الأمن القومي الاجتماعي للبلاد.

يقول قائل: الخطأ الفادح والخطير، أن يتحول الانتصار على العدو إلى غضب على قسوة الحياة وظلم الناس، والأخطر أن يتحول إلى نقمة على الذات، في أنها فشلت في تحقيق مشروع المصير!

قول فيه كثير من الصحة، والكثير من التحذير، لكن عزاؤنا، أن هؤلاء الأبطال اعتادوا الظفر بالأعداء!

February 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5368334

Please publish modules in offcanvas position.