يحيى زيدو: قانون الأوقاف.. وقفة جديدة

أقر أعضاء مجلس الشعب /٢٦/ تعديلاً على قانون الأوقاف الجديد، و هي تعديلات لا يمكن التقليل من أهميتها، و قد تكون خطوة هامة في الاتجاه الصحيح إذا ما تم البناء عليها مستقبلاً، لأنها جاءت كاستجابة جزئية لمطالب فئات واسعة من السوريين الذين شعروا بخطر الأسلمة في هذا القانون. لكن هذه التعديلات لا تلبي طموح المطالبين بإلغاء قانون الأوقاف، أو بإجراء تعديلات أساسية و جوهرية عليه، و عدم أ يحيى زيدوالاكتفاء بتشذيبات شكلية أقرب إلى عمليات التجميل الإسعافية.
إن التعديلات الجديدة على قانون الأوقاف تجعل من الضروري التوقف عند الملاحظات الأولية التالية:
١- إن التعديلات الجديدة تنزع المخالب الاقتصادية للقانون، لكنها تبقي على ما هو أخطر، أي سرية الأموال الضخمة، و الممتلكات الواسعة و العقارات التابعة لوزارة الأوقاف، و طريقة إدارتها التي لا تخضع لأية جهة رقابية أو تفتيشية في الدولة. و هذا يثير الكثير من الأسئلة بسبب إمكانية الإدارة الجائرة و السيئة لهذه الأموال في أي وقت لمآرب و مصالح لا علاقه لها بالمصلحة العامة، و قد سبق أن تمت إقالة كل من مدير أوقاف حلب و دير الزور (صهيب الشامي و عفتان العلي) بمثل هذه التهمة، فما الذي يمنع تكرار هذا الأمر مرات أخرى؟!
٢- إن التعديلات الجديدة أبقت على مخالب الأسلمة مشرعة و قوية، و على إمكانية الاستطالة السياسية لهذه المخالب في المستقبل، و هذا ما يجدد القلق و المخاوف من مشروع الأسلمة الذي تؤمن به كل تيارات الإسلام السياسي بكافة نسخها. و لعل ما يعزز هذه المخاوف هي حملات التخوين و التكفير التي قام بها كثير من المتدينين ضد كل من طالب بتعديل قانون الأوقاف أو إلغائه. و في مقدمة هؤلاء النائب نبيل صالح الذي اتهم بالكفر، و الطائفية، و إثارة الفتنة بسبب نشره لإحدى النسخ المتداولة من المرسوم قبل مناقشته في مجلس الشعب.
٣- لقد أثبتت مواقع التواصل الاجتماعي قيمتها و جدواها في إيصال الصوت الآخر، في مقابل التجاهل الذي مارسه الإعلام الرسمي و الخاص المرخص على السواء. و قد أظهرت النقاشات المختلفة حول قانون الأوقاف أن مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون منبراً جيداً و بديلاً عن الإعلام الرسمي و الخاص، في حال استخدام تلك المواقع بطريقة علمية و موضوعية. مما يجعلنا نتساءل عن ضرورة الإبقاء على وزارة الإعلام التي يدفع المواطن السوري رواتب العاملين فيها.
٤- لقد أظهرت أزمة قانون الأوقاف عمق الاستقطاب عمودياً و أفقياً في المجتمع، و أبرزت عمق الأثر الذي تركته سنوات الأزمة في نفوس السوريين، كما أبرزت تلك الفئات التي لا تهتم بالمصلحة العامة سوى من زاوية مصالحها الخاصة. مما يستلزم مقاربة أخرى لمفاهيم: الوطنية، و المواطنة، و الانتماء الوطني، و العدالة الاجتماعية بعيداً عن الايديولوجيا التي لم تنجح يوماً في تقديم أية حلول حقيقية لمشكلات المجتمع.
٥- إن الدور السلبي، و الصمت المشبوه الذي مارسته أحزاب المعارضة في الداخل يجعلها تستحق تسمية (soap parties أي أحزاب الرغوة) بقياداتها من ماركة (non-taste أي بلا طعم).
فقد أثبتت هذه الأحزاب أنها بعيدة عن مشكلات المجتمع، و ليس لها أي حضور أو تأثير في الشارع السوري. بل هي تجمعات شللية أو عائلية، و مظهر اجتماعي (بريستيج) للبعض، و باب للتكسب المادي، و التجارة في السوق السوداء أو سوق العقارات. فهذه الأحزاب لم تكتفِ بالصمت تجاه قانون الأوقاف بل إن بعضها دافع عن هذا القانون و تبناه، مع انه يدعي العلمانية (تيار بناء الدولة و رئيسه أنس جودة الذي هو من بقايا التافه لؤي حسين نموذجاً).
6- إن أحزاب الجبهة الوطنية ليست أحسن حالاً من أحزاب المعارضة، فقد صمتت أحزاب لها تاريخ نضالي طويل، و لم تنبس ببنت شفة مع أنها تزعم حمل راية العلمانية في المنطقة (الحزب الشيوعي السوري بجناحيه نموذجاً). وما ينطبق على الشيوعيين ينطبق على باقي أحزاب الجبهة.
٧- إن المرجعيات الدينية في كافة المذاهب الإسلامية بدت متكاتفة و متضامنة مع بعضها في الموقف من قانون الأوقاف، لأن هذا القانون يعزز سلطاتها في بيئاتها المحلية، و في المجتمع عموماً. فكل المرجعيات الدينية متشابهة، و الخلافات بينها هي خلاقات في الشكل لا في المضمون. و ما يؤسف له هو غياب صوت مفتي الجمهورية الذي لم يقل كلمة واحدة حول هذا قانون الأوقاف مع أن هذا القانون يمسه و يستهدفه شخصياً و اعتبارياً.
٨- كما أنه من المؤسف غياب صوت الكنيسة المسيحية مع أنها ستكون المتضرر الأول من أي مشروع للأسلمة في حال اكتمال شروط تحقيقه.
- في الختام، و مع جزيل الشكر لكل من استجاب لمطالب فئات واسعة من السوريين بتعديل قانون الأوقاف الجديد، فإنه يجب التأكيد بأن التعديلات الجديدة لا تزيل المخاوف و لا تبدد القلق من امكانية طرح مشروع الأسلمة بأساليب و أدوات أخرى، فتيارات الإسلام السياسي لديها من الوسائل و الأساليب الشيطانية ما يجعلها تجدد نفسها باستمرار كالأفعى، من أجل تحقيق مشروعها الاسلاموي. إن بصمات الإسلام السياسي ما تزال واضحة في مواد القانون، و لذا فإن من يعتقد أن المواجهة مع الإسلام السياسي قد انتهت يكون مخطئاً. فهذه معركة في حرب طويلة، و أرجو من الجميع أن يقرأ كتاب أحد كبار قادة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين (ثروت الخرباوي) بعنوان (سر المعبد) ليكتشفوا الجانب الماسوني في هذا التنظيم، و القدرة الهائلة على التخفي، و التلون، و الظهور للضرب من جديد في أي مكان يستطيعون ذلك.
- و ربما كان العمل على إلغاء مادتي التربية الدينية و التربية القومية في المدارس، و استبدالهما بمادتي الأخلاق العامة، و التربية الوطنية، بما يعزز الهوية الوطنية السورية الجامعة، و إعادة النظر في كتاب التاريخ بإضافة فصول عن سورية الحضارية، قد يكون مدخلاً مناسباً لمحاربة تسلل الأسلمة إلى عقول الأطفال و الشباب، مع التشدد في مراقبة التعليم الشرعي، و مدى التزامه بالمناهج التربوية الوطنية، و متابعة و مراقبة عمل الدعاة من جهات أخرى غير الأوقاف حتى لا يكونوا أدوات تخريب، كما حصل خلال هذه الأزمة منذ ثماني سنوات حتى اليوم.

# هامش معلومة: إن معظم أراضي مناطق: أرزونة، و المنطار، و سهل عكار في ريف طرطوس، هي ملك لأوقاف مدينة طرابلس اللبنانية، و وفق الفكر الديني فإن اوقاف طرابلس أقرب إلى اوقاف دمشق او حمص أو طرطوس من كل الفلاحين و المزارعين الذين يعملون في هذه الأرض منذ عشرات السنين كابراً عن كابر.
فهل تقوم الجهات المختصة باستعادة ملكية هذه الأراضي تحت شعار(الأرض لمن يعمل بها) أم أن قانون الأوقاف يمنع ذلك تحت مقولة (الأرض كلها لله تعالى)؟!
هناك قول ماثور يقول:
(لا تثق بالحصان إذا كنت خلفه
و لا تثق بالثور إذا كنت أمامه
و لا تثق برجل الدين أينما كنت) .

December 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
25 26 27 28 29 30 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31 1 2 3 4 5

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
4898551

Please publish modules in offcanvas position.