الصفحة الرئيسية
n.png

خالد العبود: الدولة.. واستراتيجية استعادة الإنسان بعد استعادة الأرض!..

كنت دائماً، ومن حينٍ لآخر، أحاول أن أهرّبَ بعض المفاهيم العامة حول مفهوم الدولة، وحول علاقتها بالمجتمع، ومفاهيم أخرى لها علاقة بمعنى المواطنة وملحقاتها، وكانت هذه المفاهيم جافة بعض الشيء، خاصة عندما تكون عامة ومطلقة، عملا منّي للتذكير دائماً بأنّنا أبناء الدولة، وأنّنا مواطنون من ضمن خارطة مجتمعية واسعة، لا بل ومتناقضة أو متباينة في بعض القناعات والاعراف والثقافات الخاصة، وهذا طبيعيّ جدّاً في بنية المجتمعات البشرية التي يجمعها دستور واحد.. أ خالد العبود

كان البعض منكم يشتكي من ذلك ويعتب عليّ وأنا أسوق مفاهيم جافّة، هكذا وصفنا البعض، حيث بدت محاولات استعراض معرفي لبعض آخر، وردّ عليّ في حينها أنّنا لسنا بحاجة لهذه "الفلسفة"، علماً أنّنا ننظر إلى هذه المفاهيم باعتبارها رئيسية في فهم طبيعة دور الدولة في المجتمع ودورها تجاهه، كما أنّها تحدّد آليات تعاطي النظام السياسيّ والذي يعني مؤسسات الدولة مع المجتمع ومكوناته، وهنا نؤكّد على المكونات المجتمعية وليس المكونات السياسيّة..

أتمنى أن يكون واضحاً بالنسبة لنا أنّنا مجتمعيّاً لسنا منقسمين على هذا الأساس، فالانقسام المجتمعيّ ليس انقساماً سالباً، كونه ليس انقساماً أساساً، باعتبار انّه لم يصل حدّ الانقسام السياسيّ، وإنّما هو توضّع مجتمعيّ طبيعيّ يكفله ويحميه الدستور، كون أنّ الدستور يحدّد معنى الانقسام في المجتمع السياسيّ السوريّ على أنّه انقسام سياسيّ قائم على انتماءات سياسيّة حزبية لا تقوم على أساس التباينات الاجتماعية، وإنّما هو قائم على انتماءات سياسية حزبية فكرية ما فوق مجتمعيّة، أساسه انتماءات صاعدة، متوالدة ومتحركة، ففي أيّ لحظة يمكن لأفراد المجتمع أن ينتموا سياسيّاً لهذا الحزب أو ذاك، ويمكن لأفراد آخرين أن لا يروا أنفسهم في خارطة الأحزاب القائمة فيشكلون حزباً جديداً، وفق الأطر القانونيّة، ويصبح هذا الحزب، هذا الانتماء الجديد، من ضمن الخارطة السياسيّة للمجتمع السياسيّ السوريّ..

إنّ الانقسام السياسيّ في المجتمع السياسيّ السوريّ وفق خارطة حزبية، لا تقوم على أساسٍ مجتمعيّ عشائريّ أو مناطقيّ أو دينيّ أو عرقيّ أو طائفيّ أو مذهبيّ أو شرائحيّ، يدفع المجتمع لتجاوز هذه التوضعات بالمعنى السياسيّ، ويجعله يحمي مصالحه من خلال توضعات حزبية دستوريّة، وهو ما حصل خلال السنوات الماضية من عمر الدولة السوريّة، كون أنّ جملة انتماءات ماضية وسابقة لمعنى الدولة بقيت راسخة في المجتمع لكنها لم تتحوّل إلى معنى سياسيّ، وهو ما أغنى المجتمع وساهم في ارتقاء الدولة..

إنّ العدوان الذي حصل على "النظام السياسيّ" لصيغة الدولة السوريّة جاء تحت عنوان من خارج سياق النظام السياسيّ للدولة، والدليل في الشعار المعروف الذي رُفع في وجه الدولة، وهو: "الشعب يريد إسقاط النظام"!!!..

السوريون استطاعوا أن يهزموا هذا العدوان وذلك بصمود الدولة، اما بالنسبة "للنظام السياسيّ" فقد اتسع نحو الأفضل، من خلال قانون الأحزاب، ومن خلال دستور جديد ضامن لخارطة حزبية أوسع وأكبر، ولكنها لم تتجاوز الصيغة الرئيسية لمؤسسة الدولة التي تؤكد على أحزاب لا تستند على الصيغ المجتمعية التي أشرنا لها سابقاً..

بهذا المعنى كان مطلوباً من مؤسسة الدولة أن تنتصر للمعنى والأساس الذي انتصرت به ومن أجله، وكان مطلوباً من المجتمع فهم أبعاد هذا الانتصار، خاصة وانّه انتصار لمفهوم الدولة ذاته، هذا المفهوم الذي كان مستهدفاً أساساً، والصيغة الاجتماعية التي كانت قائمة، باعتبارها صيغة مستهدفة أيضاً..

لم تعتبر مؤسسة الدولة أنّها انتصرت على فئة من السوريين، تحت هذا العنوان الذي قاتلت من أجله هذه الفئة منهم، ولم تعتبر الدولة أنّها قضت على مكوّن اجتماعي اعتبرته أطراف العدوان طرفاً حقيقيّاً قاتلته الدولة، لجهة العنوان الذي سوّقه العدوان على أنّه عنوان صراع طائفيّ موضوعيّ!..

من هنا يمكننا القول، بأنّه يكون مخطئاً مجتمع صمود الدولة وانتصارها إذا ظنّ بأنّه انتصر على جزء من المجتمع السوريّ، تحت ذات العنوان الذي سوّق له العدوان، على أنّه عنوان الصراع الطائفيّ الحقيقيّ الذي خاض حربه من أجله..

هذا ماذا يعني بالضبط؟.. هذا يعني أنّ مؤسسة الدولة ميّزت بين مكون مجتمعيّ أساسيّ في مجتمع الدولة، وبين مشروع سياسيّ أراد البعض أن يمرّره على ظهر هذا المكوّن المجتمعيّ، وعملت بجهد كبير للابقاء على علاقة المواطنة الطبيعيّة مع هذا المكوّن، والعمل على ترسيخ مفهوم الدولة اكثر في وعيّه الجمعيّ، هذا الوعي الذي أثّر العدوان على بعض جوانبه..

فكان على الدولة أن تقود هي بنفسها مشروع الحفاظ على مكوّن مجتمعيّ سوريّ وإعادته إلى مكانه الطبيعيّ في المجتمع السوريّ، وأن تمنع إمكانيّة أيّ تغوّل أو استقواء بانتصار الدولة على هذا المكوّن الاجتماعيّ من قبل أيّ مكوّنات اجتماعية أخرى، على أساس ذات العنوان الذي دبّره العدوان واعتبره عنوان الصراع الرئيسيّ..

ربّما تحت هذا السياق لم نستطع ان نفهم ما الذي أراده سيادة الرئيس بشار الأسد، حين ركّز على أن العدوان لم يكن حرباً أهليّة، علماً أنّه موضوعيّاً وبعيداً عن المعنى الرئيسيّ للصراع، كانت هناك مشاهد هامة من الأحداث تعبّر حقيقة عن فصول من حربٍ أهلية، وهو أمر واقع دُفع اليه بعض السوريين نتيجة طبيعية لتصاعد الأحداث ذاتها..

من هنا يمكننا القول بأن الدولة، وتحديداً سيادة الرئيس الأسد، كان الأقدر على الفصل الحاد بين معنى أن يهزم مشروعَ عدوان على الصيغة الوطنية للدولة، وبين أن يهزم مكوناً مجتمعيّاً تمّ استثماره في العدوان على هذه الصيغة، ثمّ بين أن يلحق الهزيمةَ بمشروع سياسيّ عدوانيّ أراد أن يلتحف بعنوان مجتمعيّ، وبين الحفاظ على مكوّن مجتمعيّ هو رئيسيّ على خارطة المواطنة، وسيادته أراد ان يقدّم تعبيراً هاماً كرئيس للدولة ودستورها الجامع، من حيث أنّه لم يعبّر عن اختلاف أو تناقض الدولة مع ما يؤمن به هذا المكوّن، باعتبار أنّ الدستور والثقافة الجامعة للمجتمع، لا تريد أن تتدخل في قناعات المواطنيين او تحاسبهم على ما يفكرون ويعتقدون به، بمقدار ما أدرك أنّ جذب بعضٍ من هذا النسق يحتاج إلى إعادة إنارة وتوضيح لبعض المفاهيم التي تمّ الاشتغال عليها كي تكون متناقضة مع ثوابت المواطنة، فلم يمنح مؤسسة إمكانية القيام بذلك إلا المؤسسة التي هي اساساً مسؤولة بشكل روحي وإداريّ عن هذا النسق المجتمعي أو جزء منه..

إضافة إلى أن الدولة شعرت أنّ جزءاً هاماً من مجتمعها مسّه شيء من العبث خلال هذه الحرب عليه، فما كان منها إلا المبادرة للذهاب إلى هذا الجزء والقيام بواجبها تجاه إعادة ترتيبه بما يتناسب مع مفهوم المواطنة في ظلّ دستور يؤكّد ذلك..

لم تشأ الدولة أن تترك هذا الجزء من مجتمعها من جديد عُرضةً لعبث قوى خارجية، إقليمية ودولية، يمكن لها أن تستثمر في تبعات أو ملحقات الحرب التي حصلت على هذا المجتمع قبل حصولها على الدولة ومؤسساتها، فبادرت للذهاب إليه والدخول فيه، وفق الأسس المجتمعية الثقافية التي يؤمّن بها، مع التأكيد على أمر واحد فقط وهو جامع المواطنة، هذا الجامع الذي سوف يؤسس لمساحة كافية من إعادة تشبيك مجتمعيّة تضمن للجزء المجتمعي الذي عُبث به العودة الآمنة والسالمة..

إنّ ما تفعله مؤسسات الدولة بهذا السياق يجب ان يُفهم على أنّه مرحلة هامة جدّاً من مراحل المعركة التي تخوضها ويخوضها السوريون، في استعادة الإنسان بعد أن تمّت استعادة الارض، ويجب أن يتصدى له المثقفون والسياسيون لشرحه وتوضيحه، وألا يصابوا كما أصيب القسم الغالب منهم بدوار هائل في مطلع العدوان على بلادهم..

نعم لقد وقع جزء كبيرٌ من السوريين تحت الاحتلال، كما الأرض تماماً، ومارس العدوان ضده أبشع انواع الهيمنة والاستغلال والتشويه، وبالتالي فإنّ الدولة مثلما وضعت استراتيجية استعادة الأرض هي الآن تضع استراتيجية استعادة الإنسان الذي وقع عليه هذا الاحتلال!..

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4336126