الصفحة الرئيسية
n.png

يحيى زيدو: البصرة فم العراق المغلق و لسانه المقطوع

كتب السياسي الوطني السوري الكبير (عبد الرحمن الشهبندر) عام ١٩٣٣: «العراق دون سورية قصر بلا بوابة، و سورية دون العراق بوابة بلا قصر». و يبدو أن كلام (الشهبندر) مازال صالحاً حتى اليوم، فلا يمكن لأي سوري أن يتجاهل ما حصل و يحصل في العراق، انطلاقاً من وحدة المصير و المصالح و الجغرافيا، و تشابك النسيج الاجتماعي و العائلي في البلدين. أ يحيى زيدو
لقد ابتلي العراقيون منذ الاحتلال الامريكي عام 2003، بساسة و حكام أتوا على ظهر الدبابات الأمريكية، و لم يكونوا، بحال من الاحوال، أفضل من نظام صدام حسين الذي وزع القتل بالتساوي على العراقيين.
لم يفكر الحكام العراقيون الجدد سوى بمزيد من الثروات، من دون أن تكون مصالح الشعب في أدنى درجات اهتمامهم. و يكفي إلقاء نظرة على ثروات الطبقة السياسية في العراق ليعلم العراقيون أي حكام يحكمونهم. سياسيون امثال: نوري المالكي، و سليم الجبوري، و حيدر العبادي، و سعدون الدليمي، و صالح المطلك، و سعد الكربولي، و علي الشعلان، و أحمد الجلبي، و مثال الآلوسي، و أسامة النجيفي، و إياد علاوي، و حسين الشهرستاني، و آل الطالباني، و آل البارزاني، و زيباري و غيرهم، صاروا مليارديرات من نهب ثروات العراق، و العمالة للأجنبي المحتل، و المتاجرة بدماء و قوت العراقيين.
و قد جاء نظام الحكم العراقي تكريساً لما أراده المحتل الأمريكي، و بما يعكس هوية هؤلاء الذين وصلوا إلى الحكم بسبب عمالتهم للمحتل. فأول رئيس للعراق بعد الاحتلال كان شخصاً تافهاً هو( غازي الياور الجربا)، شيخ عشيرة، ليس له أية ميزة سوى أنه كان عديلاً للملك السعودي الهالك عبد الله بن عبد العزيز. و بعده (جلال الطالباني) الذي كان شريكاً لمسعود البارزاني في تكريس انفصال كردستان كاقليم ذي حكم ذاتي واسع الصلاحيات، شبيه بدولة داخل دولة. و بعده جاء الكردي (فؤاد معصوم) الذي يجلس الآن على كرسي الرئاسة، و قلبه في أربيل، و عقله في بغداد، فيما مؤخرته على الشعب العراقي كله.
و لا تختلف الحكومات العراقية المتعاقبة عن موقع الرئاسة في إدارة الشأن العام، فالشعب آخر اهتماماتها، و هي تتدكره باعتباره شيئاً مفيداً في الانتخابات فقط، أما مصالح الشعب فهي ليست في قائمة الأولويات الحكومية.
يضاف إلى ذلك، المرجعية الشيعية المغيبة، التي يمثلها (علي السيستاني) الذي لا يجيد اللغة العربية، و لم يسجل له انه خطب مرة باللغة العربية. هذه المرجعية، التي ربما كانت الأسوأ في تاريخ العراق، و التي يسيطر عليها النجفيون، شكلت غطاء للمحتل الأمريكي، و لكل من تعاون مع الاحتلال، و أسهمت في كتم الصوت الوطني الشيعي المؤمن بعراق لا طائفي.
سيطرة النجفيون على المرجعية الشيعية أثارت استياء قوى شيعية أخرى ممثلة بحزب الدعوة، و بالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بقيادة (عمار الحكيم) الذي فشل في أن يكون مرجعية بديلة، أو موازية لمرجعية السيستاني، فاكتفى بالمشاركة في السلطة السياسية كي لا يفوته شيء من كعكة السلطة و امتيازاتها على حساب مصالح الشعب، أسوةً بغيره من السياسيين العراقيين.
هذا الوضع الشيعي أفرز حالة خطيرة، ربما هي الأخطر حالياً، هي ظاهرة (مقتدى الصدر) الذي كان أحد أبرز (إنجازات) الاحتلال الامريكي. فقد ظهر الصدر في الحياة العامة مع الاحتلال الأمريكي حين استولى على (الصحن الحيدري)، و قتل المسؤولين عن إدارته آنذاك، وسيطر على الأموال التي يقدمها الزوار الشيعة لدى زيارة العتبات المقدسة، و هي بالمليارات. و استولى على ميراث آل الصدر التاريخي، محاولاً اختزال هذا التيار في شخصه. و قد بدأ دوره يتكرس برعاية الاحتلال الأمريكي، و بدعم خليجي منذ إعدام صدام حسين، فقام بتشكيل جيش من الرعاع، و المجرمين، و قطاع الطرق يدينون بالولاء له، و يأتمرون بأمره. و بعد أن اطمأن الصدر إلى سيطرته على المال(المقدس)، قام بفتح خطوط تواصل مع دول الخليج، و بشكل خاص السعودية و الإمارات و الكويت، و ذلك برعاية أمريكية، و مباركة إسرائيلية، و تأييد كردي. فبات مقتدى الصدر حالة مرعبة في الشارع العراقي، و في الحياة السياسية نظراً لما يتمتع به من ملاءة مالية، و دعم خليجي، و أمريكي ، و تأييد كردي، و أيضاً بسبب ممارساته العنفية ضد معارضيه من الشيعة أو السنة على السواء.
أما سنَّة العراق، فقد وجدوا أنفسهم في موقع المدفوع للتمسك بهويته الطائفية، مع أن سنة العراق لم يكونوا طائفيين تاريخياً، فانضم قسم كبير منهم إلى تنظيمات متطرفة، فيما بقي الصوت الوطني اللاطائفي فيهم، أسوة بالصوت الوطني الشيعي، المؤمن بعراق لا طائفي، خارج دائرة القرار الوطني.
هذه التركيبة السياسية، أنتجت الأزمات باستمرار، و عجزت دائماً عن حل أية مشكلة وطنية، و حتى خدمية، مهما كانت صغيرة. و ما يحصل في مدينة البصرة العراقية اليوم هو أحد الشواهد على الأداء المخزي لهذه السلطة، و مرجعياتها الدينية و العشائرية.
(البصرة)، مدينة تاريخية، تشكل المنفذ المائي الوحيد للعراق. و خلال السنوات الماضية، التي تلت الاحتلال الأمريكي، تم تسييد أشخاص من خارج البصرة على أهالي البصرة. هؤلاء الأشخاص لم يقوموا بما يجب عليهم لخدمة المدينة و أهلها، بل ربما كانوا أعداء لأهل المدينة، و يعملون وفق مخطط ممنهج لدفع البصريين للكفر بالدولة العراقية، و بالحكومة المركزية ببغداد. و هذا ما حصل بالفعل، حين تحرك أهالي البصرة سلمياً، للمطالبة بحقوقهم السياسية، والاقتصادية، و الخدمية، و التنموية. و قد استغل مقتدى الصدر، و من خلفه الأكراد، و السعودية، و أمريكا، هذا التحرك، و قام بإرسال رعاعه، و مجرميه لتدمير و تخريب المنشآت الحكومية، و الخدمية في البصرة (هذا الأمر حصل في سورية منذ العام 2011 حين كانت تأتي جماعات من محافظات بعيدة ثم تقوم بالتخريب و القتل و إشعال النار، ثم تغادر لتفعل الشيء نفسه في مناطق أخرى).
و قد أكد لي صديق من البصرة لدى اتصالي به يوم امس، و هو مثقف وطني، وسياسي، و ناشط مقيم في في البصرة، أن الذين قاموا بأعمال الحرق و التخريب ليسوا من أهالي البصرة، بل جاؤوا من الغربية، و ميسان، و بغداد، يساندهم همج شيوخ المعدان، من دون إغفال الإسناد السعودي و الأمريكي لهذه الأعمال التخريبية.
إن هؤلاء الرعاع لم يتحركوا لوحدهم، بل تحركوا وفق المخطط الأمريكي في المنطقة. فبعد أن فشل المخطط الأمريكي في جعل دومينو التقسيم يبدأ من سورية، لجأت أمريكا و حلفائها إلى الخطة البديلة المضمونة، و هي التوجه إلى العراق لإطلاق دومينو التقسيم في المنطقة من هناك.
فتجاهل الحكومة المركزية في بغداد لمتطلبات البصرة، و لمطالب البصريين، دفع الناس للتحرك من أجل المطالبة بالحقوق، فاستغل الصدر و جماعته هذا التحرك للتدخل وفقاً للدور المطلوب منه أمريكياً و خليجياً في ظل صمت السيستاني، و عجز جماعة عمار الحكيم. و ظهرت أصوات مسموعة بقوة في الشارع البصري تدعو إلى إعلان البصرة اقليماً مستقلاً، و ربما كان هذا ما تنتظره أمريكا و حلفائها للتدخل المباشر في العراق مجدداً، و التهمة جاهزة و هي التدخل الإيراني في العراق.
و في هذا السياق، يجب أن لا نغفل عن (٥٠) ألف ارهابي تسعى امريكا و السعودية و تركيا للحفاظ عليهم، و إخراجهم سالمين من محافظة إدلب السورية، و لن يكون اتجاه هؤلاء، في حال خروجهم، سوى إلى العراق لتنفيذ المخطط الموضوع، قبل إرسالهم إلى الجزائر و مصر للدفع باتجاه إتمام ما سمي (صفقة القرن) التي تصفي القضية الفلسطينية بشكل نهائي.
إن ما يجري في البصرة هو محاولة لإغلاق فم العراق، و قطع لسانه لخنقه و قتله للبدء بتقطيعه وتقسيمه. و ما لم يتنبَّه عقلاء و وطنيو العراق لهذا المخطط، و يقطعوا رأس أفعى الفتنة، فإنهم يكونون بذلك قد أسهموا بدق آخر مسمار في نعش العراق الموحد، لينطلق من هناك دومينو التقسيم الذي يقتات على الطائفية و العشائرية و التخلف، فتنشغل دول المنطقة بحروبها الطائفية، و يكون تقسيم العراق زيتاً على النار الطائفية المشتعلة أساساً، هذه النار التي وقودها و حطبها و هشيمها شعوب المنطقة كلهم، دون استثناء. و من يعتقد أنه يمكن أن ينتصر على وطنه، أو على شريكه في الوطن سيكتشف بعد فوات الأوان أنه مقتول بما قتل.
ختاماً هذه الأبيات للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، و اللبيب من الإشارة يفهم:

أي طرطرا، تطرطري، تقدمي، تأخري
تشيَّعي، تسنَّني، تهوَّدي، تنصَّري
تعمَّمي، تبرنطي، تعقلَّي، تسدَّري
كوني-إذا رمتِ العلى- من قُبُلٍ أو دُبُرِ
أي طرطرا، تطرطري، و هلِّلي، و كبِّري
و طبِّلي، لكل ما يخزي الفتى، و زمِّري
و سبحي بحمد مأمونٍ شكر أبتر
أعطي سمات فارعٍ شمردلٍ للبحترِ
و عطري قاذورةً، و بالمديح بخِّري
و شبِّهي الظلام ظلماً بالصباح المُسفرِ
و ألبسي الغبيَ و الأحمقَ ثوبَ عبقري
و افرغي على المخانيث درع عنترِ
كوني على الأضداد في تكوينكِ المبعثرِ
شامخةً شموخَ قرن الثورِ بين البقرِ

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4008887