الصفحة الرئيسية
n.png

الحقائق والأساطير حول يوم إعدام "سيد قطب"

عمرو صابحأ سيد قطب

نسجت جماعة الإخوان المسلمون أساطير عديدة حول يوم إعدام "سيد قطب" قائد تنظيمهم السري المسلح عام 1965، والذى كان العقل المدبر للانقلاب على نظام الحكم الناصري، وواضع خطط اغتيال الرئيس عبد الناصر وكبار المسئولين فى حكومة مصر وقتها، وخطط نسف القناطر الخيرية وبعض الكبارى ومحطات الكهرباء والمياه لعمل فوضى تؤدى لوصول الإخوان للسلطة.

وقد اعترف كبار قادة الإخوان فى مذكراتهم التى صدرت فى عهدى السادات ومبارك بحقيقة تنظيمهم عام 1965، وخطط التنظيم للاطاحة بنظام حكم عبد الناصر.
ولكن ما يعنينى فى هذا المقال هو كشف حقيقة اللحظات الأخيرة لسيد قطب.

فبعد كشف مؤامرة الانقلاب المسلح والقبض على سيد قطب وأعضاء التنظيم، ومحاكمة سيد قطب والحكم عليه بالإعدام، وتنفيذ الحكم فيه يوم 29 أغسطس عام 1966.
خرج علينا الإخوانجية بقصص أسطورية عن عملية إعدامه، فمنهم من قال لقد كسروا ذراعه قبل إعدامه!

وكأن النظام وقتها لم يكتف بإعدامه! بل أراد أن يدخله قبره مشوهاً بكسر فى الذراع!
وهناك من قال منهم لقد طلب زبانية عبد الناصر منه كتابة التماس للرئيس عبد الناصر ليعفو عنه ولكنه رفض بإباء!
وهناك من قال لقد تشفع فيه الملك فيصل بن عبد العزيز، حيث أرسل للرئيس عبد الناصر يوم إعدام سيد قطب برقية يطالبه فيها بوقف تنفيذ عملية الإعدام والعفو عن قطب، فما كان من الرئيس عبد الناصر إلا أن قال لمن أبلغه ببرقية فيصل، رد عليه وأبلغه إن عملية إعدام سيد قطب تمت قبل وصول برقيته!

وهناك من وصل به الخيال إلى إدعاء أن سيد قطب وهو يُعدم، دعا على النظام المصري الحاكم وقتها قائلاً:

"اللهم اجعل دمى لعنة على عبد الناصر ونظامه"
وقد استجاب الله لدعوته فهُزمت مصر فى حرب 1967، ومات الرئيس عبد الناصر عام 1970!
إلى هذا الحد أصبحت دعوة سيد قطب مقبولة وانتصر بفضلها الصهاينة اليهود على جيش مصر!

المثير للسخرية أنه لا يوجد أحد ممن كتبوا تلك الترهات المضحكة كان حاضراً أثناء اللحظات الأخيرة من حياة سيد قطب قبيل إعدامه، فلم يكن هناك إخوانجية ضمن شهود الحدث ليرووا ما جرى، إلا محمد يوسف هواش، وعبد الفتاح إسماعيل وقد أعدم كليهما عقب إعدام سيد قطب.
لذا ولتفنيد تلك الإدعاءات البلهاء، نورد لكم شهادة شاهد كان مصاحباً لسيد قطب وهو فى طريقه للمشنقة، وهو اللواء "فؤاد علام" والشهادة نقلاً عن مذكراته "الإخوان وأنا".

يقول اللواء "فؤاد علام" عن يوم إعدام سيد قطب، لم يكن اليوم معلوماً لأحد، كنت أجلس فى السيارة الأولى وبجوارى سيد قطب، وفى السيارة الثانية كان يجلس محمد يوسف هواش نائب سيد قطب فى قيادة التنظيم، وفى السيارة الثالثة كان يجلس عبد الفتاح إسماعيل المسئول عن الاتصالات الخارجية لجماعة الإخوان المسلمين، والثلاثة محكوم عليهم بالإعدام، وموكب السيارات يتحرك بهم من السجن الحربي لسجن الاستئناف لتنفيذ الحكم فيهم.

كان سيد قطب يرتدى بدلة داكنة اللون تحتها قميصاً أبيض، ويبدو بصحة جيدة، فهو لم يتم ضربه أو تعذيبه كما أشاع الإخوان، كما أنه لم يكن مجهداً أو مرهقاً.

كان سيد قطب يردد خلال الطريق بنبرة تشف وحسرة:
"للأسف الشديد لم ينجحوا فى تنفيذ عملية نسف القناطر الخيرية التى لو تمت لانتهى النظام".

ثم يقول قطب:

"إن مشكلتى فى عقلي أنا مفكر وكاتب إسلامى كبير والحكومة تريد القضاء على الإسلام عبر قتلى!".

ويضيف قطب:

"تدمير القناطر ومحطات الكهرباء والمياه كان سيكون بداية الثورة الإسلامية وإنذار شديد للناس لينتبهوا من غفلتهم وسكرتهم بنظام حكم عبد الناصر".

ثم يصل اللواء فؤاد علام لوصول السيارات لسجن الاستئناف، حيث فهم سيد قطب من الإجراءات داخل السجن أنه سيتم إعدامه، وهنا بدأ توتر سيد قطب يزداد حتى وصل لدرجة الانهيار، وأخذ يردد:

"أنا مفكر إسلامى كبير والحكومة لم تجد سبيلاً للقضاء على أفكارى لذا تعدمنى".

ثم بدأت مراسم تنفيذ الحكم، فلبس سيد قطب بدلة الإعدام الحمراء، وسُئل إن كان يريد شيئاً، فطلب كوب ماء تجرعه، ثم طلب أن يصلى الفجر، ثم دخل غرفة الإعدام، وتم تنفيذ الحكم.

إلى هنا انتهت شهادة اللواء فؤاد علام عن وقائع يوم تنفيذ حكم إعدام سيد قطب.

وكما رأينا كان يوم التنفيذ سرياً، فلم يعلم به حتى سيد قطب نفسه، وبالتالى أكذوبة كسر ذراعه قبل إعدامه، وخرافة طلب النظام منه تقديم التماس بالعفو عنه للرئيس عبد الناصر، من الواضح أنها خزعبلات إخوانجية، فالرجل نفسه لم يكن يعلم أنه سيعدم بعد دقائق، كما أنه لم يكن متمالكاً لأعصابه، ولم يسمعه أحد يلعن النظام الحاكم قبيل إعدامه.

نصل لشفاعة الملك فيصل بن عبد العزيز فيه، وبرقيته المزعومة للرئيس عبد الناصر، ورفض الرئيس عبد الناصر ذلك.

فضلاً عن سرية موعد التنفيذ كما أوضحنا سابقاً، وبالتالى عدم علم الملك فيصل بموعد إعدام قطب ليرسل تلك البرقية، فإن العلاقات المصرية السعودية كانت شبه مقطوعة فى تلك الفترة، بل وفى أسوأ مراحلها بسبب الحرب فى اليمن، وانهيار محاولات تسوية الأزمة سلمياً هناك، بعد فشل مقترحات مؤتمر جدة عام 1965، وبالتالى مجرد طلب الملك فيصل من الرئيس عبد الناصر العفو عن قطب غير وارد من الأساس، لسبب أخر بالغ الأهمية فالسعودية ذاتها كانت شريكة فى تمويل تنظيم سيد قطب عام 1965، وكشف التنظيم وفشل المؤامرة كان ضربة قاصمة لجهودها فى الخلاص من نظام جمال عبد الناصر من الداخل.

وقد أقام الاعلام السعودى مأتماً على سيد قطب ورفاقه عقب الإعلان عن تنفيذ الأحكام بإعدامهم، متهماً الرئيس عبد الناصر بالكفر ومحاربة علماء الإسلام!

نأتي لأخر الأساطير وهى الدعوة المنسوبة لسيد قطب:
"اللهم أجعل دمى لعنة على عبد الناصر ونظامه"، والتى فسرها الإخوان بوقوع هزيمة 1967 بعد حوالى 10 شهور من إعدام سيد قطب، ثم وفاة الرئيس عبد الناصر ذاته فى 28 سبتمبر 1970، شاباً لم يبلغ بعد عامه الثالث والخمسون.

إذا افترضنا ان دعوات سيد قطب مقبولة لهذه الدرجة، فلماذا لم تستجب منذ عام 1954 تاريخ بداية صدام الإخوان مع ثورة 23 يوليو 1952 بسبب الصراع على السلطة؟!

وهل هزيمة 1967 عقاب حل بجمال عبد الناصر شخصياً، أم هزيمة لحقت بمصر كلها؟
وهل يستجيب الله دعوة لرجل معارض لنظام الحكم فى بلده استجابة تؤدى لانتصار اليهود على المسلمين فى معركة عسكرية؟!

إن تلك التفسيرات لا تصدر إلّاعن نفسيات مريضة بأفكار سيد قطب التكفيرية وكارهة لكل ما يمت لمصر بأى صله، نفسيات مؤمنة بأفكار تجعل من المجتمعات الإسلامية المعاصرة جاهلية، وتحصر الإسلام فى جماعة الإخوان المسلمين ومن ينتمون لها فقط.

كانت لهزيمة 1967 عدة أسباب، كان من ضمنها فشل مؤامرة الإخوان المسلمين عام 1965، فعندما فشل الخلاص من النظام من الداخل عبر انقلاب تقوده الجماعة وتموله السعودية وتخطط له الولايات المتحدة، جاءت الهزيمة لقلب النظام من الخارج بعدوان شنته إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وتورط فيه عدة أنظمة عربية لإسقاط نظام حكم عبد الناصر.
ورغم ذلك فقد فشل العدوان فى تحقيق أهدافه السياسية بفضل إصرار الشعب المصري على الصمود والمقاومة فى 9 و10 يونيو 1967، ثم بلاءات الخرطوم الثلاثة فى أغسطس 1967، وصولاً لبناء جيش النصر وشن حرب الاستنزاف أول حرب تخسرها إسرائيل باعتراف قادتها.

وبخصوص وفاة الرئيس جمال عبد الناصر شاباً وبعد 4 سنوات من إعدام سيد قطب، فملابسات تلك الوفاة تحيطها الشبهات بالفعل، ليس بسبب دعوة سيد قطب، بل لاحتمال تسميم الرئيس جمال عبد الناصر وقتله عبر مؤامرة أمريكية بعد إقامته لحائط الصواريخ المصري على الحافة الغربية لقناة السويس، واستعداده لحرب تحرير سيناء وليس تحريك الموقف.

فى عام 1954 تم القبض على سيد قطب إثر مؤامرة الإخوان المسلمين لاغتيال الرئيس عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، وفى عام 1964 قرر الرئيس عبد الناصر الإفراج عنه، بعدما قضى حوالى 10 سنوات من عام 1954 حتى 1964 محبوساً فى مستشفى السجن مراعاة لظروفه الصحية حيث كان معلول الصدر.

وفى مستشفى السجن توفرت له المراجع والأوراق والأقلام التى أنتج من خلالها أضخم أعماله "فى ظلال القران"، ليس ذلك فقط، بل كتب معظم كتبه وهو بمستشفى السجن، وقد تم طبع و نشر تلك الكتب داخل مصر وخارجها، وكانت الإذاعة السعودية تقوم بإذاعة مقتطفات من كتبه.

ويعترف سيد قطب فى كتاب "لماذا أعدمونى"، وهو كتاب أصدرته السعودية تخليداً لذكراه، أنه تلقى أموال من السعودية مقابل إذاعة مقتطفات من كتبه، بل أنه قام بتأليف كتابه "معالم فى الطريق" المنقول عن كتاب "المصطلحات الأربعة" لـ"أبو الأعلى المودودى" وهو داخل السجن، ثم طبعه ونشره بعد الإفراج عنه. وبالتالى لم يكن النظام الناصري يتربص به أو يخطط لقتله لكونه مفكرا إسلامىا، لقد أُعدم سيد قطب لترؤسه تنظيماً عسكرياً مسلحا كان يخطط لثورة مسلحة للخلاص من نظام حكم جمال عبد الناصر، ولم يُعدم من أجل أفكاره وكتبه بدليل سماح النظام الناصري له بنشر تلك الأفكار وطباعة كتبه طيلة الفترة من 1952 حتى 1965.

لم يكن الصراع بين النظام الناصري وجماعة الإخوان المسلمين صراعاً دينياً، بل كان صراعاً على السلطة خسرته الجماعة، لذا لجأت لشيطنة جمال عبد الناصر ونظامه عبر قصص وأساطير من وحى الخيال لا يمكن لعاقل أن يصدقها.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4010625